كوابيس و"أشباح" تسكن السرير... عندما يتحول النوم إلى "شيطان" يهدد حياتنا

الخميس 12 نوفمبر 202004:31 م

النوم ضروري لصحتنا الجسدية والنفسية والروحية، فالتفكير في النوم بعد يوم طويل وشاق هو مصدر راحة لكثير من الأشخاص الذين، ومنذ لحظة استيقاظهم، يرغبون في العودة للنوم من جديد، طمعاً بساعات خالية من المسؤوليات والضغوط الحياتية.

والواقع أنه بالنسبة لمعظمنا، يعد الذهاب إلى السرير ليلاً، وبخاصة بعد نهار مرهق، بمثابة "مكافأة"، فنغرق تحت البطانيات ونسترخي ونستمتع بساعات من الراحة الهادئة دون انقطاع، لكن بالنسبة للآخرين، فإن فكرة النوم قد تكون بحدّ ذاتها "مرعبة"، إذ يخشى هؤلاء من فقدان السيطرة على أجسادهم، كما وينتابهم القلق من التفكير في احتمال التعرض لكوابيس مرعبة، أو تحاصرهم فكرة الموت والخشية من الاستسلام للنوم وألا يستيقظوا بعد ذلك.

الصدمات والكوابيس

إن رهاب النوم Somniphobia هو خوف مزمن وغير عقلاني من فكرة الاستسلام للنوم والدخول في مرحلة الأحلام.

واللافت أن هذا الاضطراب النفسي طويل الأمد ومنهك ويتزايد بسرعة في مجتمعنا الحديث، هذا وليس من المستغرب أن يكون له تأثيرات سلبية للغاية على الأداء السليم للجسم والمساهمة في تطور المزيد من الأمراض، بما في ذلك الانخفاض الحاد في المناعة، السمنة، الاضطرابات العصبية والاكتئاب.

فكرة النوم قد تكون بحدّ ذاتها "مرعبة"، إذ يخشى هؤلاء من فقدان السيطرة على أجسادهم، كما وينتابهم القلق من التفكير في احتمال التعرض لكوابيس مرعبة، أو تحاصرهم فكرة الموت والخشية من الاستسلام للنوم وألا يستيقظوا بعد ذلك

في بعض الأحيان، يتم الخلط بين رهاب النوم Somniphobia والأرق insomnia غير ان هذا الارتباك قد يجعل من الصعب تشخيص الحالة وإيجاد طرق فعالة للشفاء، مع العلم بأن الشخص المصاب بالأرق قد لا يعاني من رهاب النوم، في حين أن الشخص الذي يعاني من هذا النوع من الرهاب من المؤكد أنه يعاني أيضاً من مشكلة الأرق، لأنه ببساطة يخاف من النوم.

ولكن ما هي العوامل الكامنة وراء رهاب النوم؟

لسوء الحظ، فإن رهاب النوم مرتبط بالعديد من العوامل التي غالباً ما يتم تجاهلها.

ففي العادة يحدث هذا الاضطراب نتيجة ضغط ما بعد الصدمة، كما أنه يمكن أن يتطور لدى الأشخاص الذين عانوا من حالة مؤلمة في مرحلة الطفولة، وعندها يصبح النوم مرتبطاً بالشعور بالخوف الناتج عن التجارب المؤلمة، على غرار حادث سيارة وقع أثناء النوم أو الاستيقاظ في غرفة مظلمة في غياب الوالدين، مع العلم بأن الأطفال يمكن أن يطوروا هذا النوع من الرهاب تحت تأثير القصص المرعبة والصور التي تبث القلق والذعر في نفوسهم.

أما السبب الآخر وراء رهاب النوم فهو تعرض الشخص المعني لكوابيس متكررة وما يصاحبها من "شلل النوم"، وهي حالة فيزيولوجية تتمثل بتجمد الجسم بشكل مفاجئ، وعدم القدرة على الحركة مع شعور بضيق في التنفس، واللافت أنه على مر القرون، أضافت الثقافات لمسة خاصة بها على هذه الظاهرة، مثل الاعتقاد بأن "الشياطين" تجلس على صدر الشخص النائم، وغيرها من السيناريوهات الكابوسية المروعة.

وبالتالي يمكن أن تسبب مثل هذه التجربة خوفاً شديداً من الاستسلام للنوم، هذا ويمكن أن يزيد الإجهاد المزمن الأمور سوءاً، بخاصة في حال كان المرء يرزح تحت قلق فقدان السيطرة، التحدث أو المشي أثناء النوم.

في المرحلة الأولى من رهاب النوم يمكن ملاحظة أن الشخص المصاب قادر على العمل بشكل طبيعي خلال النهار، أما الشعور بالقلق فينتابه مع تزايد الظلام واقتراب موعد النوم.

وفي حين أن نوع وشدة أعراض الخوف من النوم تعتمد على الخصائص الفردية، فإن أكثر الأعراض شيوعاً هي: تسارع دقات القلب، زيادة الضغط، التعرق المفرط، آلام في الأطراف، أوجاع في البطن، ضيق في التنفس، غثيان وصداع.

واللافت أن حالة الذعر هذه قد تزداد مع الوقت وتمنع الشخص المعني من النوم تماماً، لكن قبل حدوث ذلك يختبر المرء انخفاضاً حاداً في المزاج وحالة غير مسبوقة من اللامبالاة، بحيث تشكل الأنشطة العادية، مثل الاعتناء بالمنزل، رعاية الأطفال والقيام بالواجبات المهنية أو الحفاظ على التواصل مع الآخرين، أعباء إضافية عليه، الأمر الذي يجعل الشخص المعني يدور في حلقة مفرغة مسببة للاكتئاب وتفاقم مشكلة النوم.

في حديثه مع موقع رصيف22، تحدث الأخصائي في علم النفس هاني رستم عن هاجس فقدان السيطرة الذي قد يكمن وراء رهاب الموت: "كبشر نتطلع دائماً لكي يكون لدينا سيطرة على حياتنا وعلى شكل روتيننا وعلى كيفية أن نكون فعالين في المجتمع".

وأضاف رستم: "عندما يكون هناك صدمة معيّنة خارجة عن نطاق سيطرتنا، فإنها تولد ردات فعل متعددة، من بينها الخوف والحذر من النوم، لكوننا لا نستطيع السيطرة عليه وعلى أنفسنا وأحلامنا وأحاسيسنا وجسمنا"، وتابع بالقول: "هيدا بيعمل trigger (محفزات) مخزنة في رأسنا من ذكريات وصور وخبرات عشناها في السابق بسبب موت وصدمات معيّنة".

من هنا شدد هاني على أهمية فهم جوهر المشكلة الكامنة وراء رهاب النوم، واللجوء إلى أخصائي/ة للمساعدة في إعادة دمج الماضي بطريقة صحيحة: "من الأهم أن نتصالح مع التجارب القديمة والصعبة التي مررنا بها في السابق، والتي لم تتم معالجتها بشكل صحيح".

طرق العلاج

من الممكن علاج معظم أسباب رهاب النوم من خلال اتباع تغييرات بسيطة في طريقة التفكير أو الروتين.

تغيير طريقة التفكير: العقل البشري قوي، ومن خلال تغيير طريقة التفكير فإنه يمكن حل مشكلة رهاب النوم. إذا كنتم من الأشخاص القلقين بشأن ما سيحدث لكم عندما تكونون منخرطين في النوم، ذكروا أنفسكم أنه لن يحدث شيء رهيب إذا كنتم قد اتخذتم الاحتياطات المناسبة. أخبروا أنفسكم أنه من المقبول قضاء ليلة سيئة أو ليلتين، وأنه مهما كانت العراقيل التي تواجهونها أثناء الليل، فستتمكنون من التعامل معها.

من خلال الاعتراف بأن وقت نومكم قد ينقطع، وحتى توقعه، يبدأ الدماغ في الاسترخاء ويسمح لكم بالحصول على الراحة التي تحتاجون إليها.

ممارسة عادات نوم جيدة: عادة ما تكون عادات النوم السليمة هي أول سبل العلاج. تتضمن هذه الممارسة الذهاب إلى الفراش والاستيقاظ في نفس الوقت كل يوم، تجنب الكافيين في فترة ما بعد الظهر والمساء، إبقاء غرفة النوم مظلمة وتجنب القيلولة بعد الغداء.

يمكن أن يساعد اتباع روتين ليلي في إرسال إشارة للجسم بأن وقت النوم قد حان. من هنا يُنصح بالقيام قبل النوم بأشياء مريحة وبشكل منتظم، مثل تناول كوب دافىء من الأعشاب كل ليلة، أو قراءة صفحات من كتاب ممل... من خلال فعل الشيء نفسه كل مساء قبل النوم مباشرة، سيتمكن المرء من تدريب نفسه في النهاية على النوم بشكل تلقائي.

العلاج الطبي: أحياناً يكون العلاج الطبي هو الخيار الأفضل. قد يتمكن الطبيب/ة أو الأخصائي/ة من تشخيص مشكلة رهاب النوم، والتوصية ببرنامج علاج سريع نسبياً. قد يشمل العلاج السلوكي المعرفي، الأدوية أو حتى العلاج القائم على إعادة مراجعة الكوابيس، بحيث يكتب المريض ويتدرب على نسخة جديدة من كابوسه خلال النهار حتى يتمكن من استعادة السيطرة والتغلب على مخاوفه.

احتضان المخاوف: في بعض أفلام الرعب، يهزم البطل الوحش من خلال مواجهته وجهاً لوجه والتغلب على جميع المخاوف، وعليه يمكن تجربة نفس النتيجة من خلال مواجهة المخاوف التي تراودنا أثناء الليل، الاعتراف بها وحتى احتضانها.

هذا ويمكن التحدث عن هذه المخاوف بصوت عال، فمن خلال إعطاء صوت لما يزعجنا، قد نجد بأن هذه الأمور لم تعد تخيفنا، كما أنه ومن خلال نطق الكلمات بصوت عال فإن العقل يصبح قادراً على التخلي عن الخوف والسماح للجسم بالاستسلام للنوم.

في بعض أفلام الرعب، يهزم البطل الوحش من خلال مواجهته وجهاً لوجه والتغلب على جميع المخاوف، وعليه يمكن تجربة نفس النتيجة من خلال مواجهة المخاوف التي تراودنا أثناء الليل، الاعتراف بها وحتى احتضانها

ومن أجل المساعدة في السيطرة على المشاعر السلبية، يوصى باستخدام تقنيات الاسترخاء والتأمل، وقد تكون البطانيات ذات الوزن الثقيل مفيدة أيضاً لكونها تقلل من مستوى هرمون التوتر، تنظم عمل الجهاز العصبي وتقلل من الشعور العام بالتوتر والقلق. هذا ويُنصح بشدة بزيادة النشاط البدني، لأنه يتسبب بشكل طبيعي بالإرهاق ويجعل عملية النوم أسهل.

في الختام، إن النوم هو حق لكل إنسان، والخوف من النوم هو ظاهرة نفسية مقلقة تنطوي على عواقب جسدية ونفسية وخيمة للغاية، ولهذا فإن هذه المشكلة تتطلب التشخيص والعلاج الفوري. ومع ذلك، لا يوصى باستخدام العلاج الدوائي طويل الأمد الذي يخمد الأعراض ولا يقضي على مصدر المشكلة، إذ يجب أولاً استشارة معالج/ة نفسي/ة للمساعدة في تحديد أسباب الخوف، ثم وضع منهج دقيق لكيفية تغيير السلوك والتفكير السام الذي يطرد النوم من الجفون.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard