مقابر الأحلام في سوريا أكثر من مقابر الأجساد

الأربعاء 4 أغسطس 202109:47 ص
حين أتذكر أيام طفولتي، أقرّ دائماً بأنني عشتُ طفولة سعيدة، ذلك على الرغم من أنني لم أذهب إلى مدينة الملاهي كثيراً، ولم تأخذني أمي إلى المطاعم الفخمة، أو إلى محال الماركات المسجلة، لتشتري لي الملابس والأحذية الباهظة الثمن. الحدائق العامة لم نكن نذهب إليها أبداً. كما أنني لم أمتلك مع أخوتي سلةً كبيرة من الألعاب كأطفال اليوم. بل اقتصرت ألعابنا على عدد قليل من الألعاب المُصنعة آلياً، وعدد كافٍ من العرائس، والألعاب التي صنعناها يدوياً من مواد فائضة.

أقول إنني، مع ذلك، عشت طفولة سعيدة، لأنني لا أذكر منها إلا النزهات العائلية، والعدد اللامتناهي من ساعات اللعب حول المنزل، وتحت أشجار جدّي، بالإضافة إلى مسلسلات الأطفال التي أوهمتنا أن الأشرار قليلون، وأن الحق ينتصر في النهاية. فزرعت في نفسي، كما في نفوس كثيرين من أبناء جيلي، قيماً نبيلة لامستنا من الداخل، وأملاً واهماً بأن النصر، دائماً، للأخيار.

عشت طفولة سعيدة لأنني لم أحرق هذه المرحلة كما يفعل أطفال اليوم؛ فما من جهاز خلوي سلب حياتي وحريتي، وما من مسلسلات للكبار شغلت عقلي من دون أن تتجانس مع عمري. حتى أني لا أذكر ما كان يُعرض منها، سوى مسلسل "رأفت الهجّان" الذي كان يتضارب مع ساعة برامج الأطفال اليومية، فنُحرم من نصفها، ومسلسل "كاسندرا" المكسيكي الذي سلب العقول بينما كان يعني لي: "أرجوحة خالية لي وحدي لساعة كاملة"؛ فالأولاد المنافسون كانوا يجلسون لمشاهدة المسلسل، بينما ألهو أنا بكل سعادة، مستغربةً: كيف يتركون الأرجوحة من أجل مسلسل للكبار؟

استطاعت الحرب بمساوئها وأهوالها كلها، أن تسرق ثلث تفاؤلي في الحياة، وتمكّن الحب من سرقة الثلث الثاني، واستنزافه أيضاً، وبقي لدي ثلث أخير يصارع الظلام الذي يشتدّ كل عام 

حققت لي مرحلة الطفولة توازناً نفسياً في السنوات اللاحقة، ساندها أبوان لم يُدخلا التشاؤم إلى منزلنا؛ أمّ تمتلك من التفاؤل أكثر مما تعطيه لها الحياة، ولا تيأس، وهذا أكثر ما ورثته منها. انطلقتُ إلى مرحلة الشباب بخيط يمتد إلى الأفق، أملك مظلة واسعة من الأمل والتفاؤل في الحياة، التي لم يقوَ أي شيء على ثقبها، ولو ثقباً صغيراً، حتى جاءت الحرب.

في السنوات الأولى للحرب، كنت، مثل كثيرين، أجهل ماهيتها. وكان أملي لا يزال يسير أمامي في كل خطوة، وأنا أنتظر بشائر نهايتها كي أكمل مسيرتي في الحياة. لكن ذلك لم يحدث؛ فالموت والدماء ملآ الأرض، والنفوس المتعبة صارت تحاصرنا من كل مكان، والقلوب المكسورة لم تترك لنا نافذة للتفاؤل. بل بتُّ أخجل من تفاؤلي أمام ما يحدث كله. وحين كنت أسمع تعليقات الناس بأن القادم أسوأ، كنت أرفض تصديق ذلك. أنزعج من نظرتهم السوداوية، وأرى أنهم يضخّمون الأمور أكثر مما ينبغي، لأن كل شيء سينتهي، وتعود حياتنا جميلة. إلا أنّ السواد كان أقوى، وطغى على بياض حياتنا. استطاعت الحرب بمساوئها وأهوالها كلها، أن تسرق ثلث تفاؤلي في الحياة، وتمكّن الحب من سرقة الثلث الثاني، واستنزافه أيضاً، وبقي لدي ثلث أخير يصارع الظلام الذي يشتدّ كل عام.

فكرت: كيف يمكنك، كمواطن/ة سوري/ة، أن تصنع حلماً داخل الحدود السورية؟ أعتقد أنك تحتاجُ إلى قليل من الرخاء، وإلى حقوق بديهية أصبحت اليوم حلماً يستلزم الجهاد. وبدل أن يكون النضال ضد العدو، صار في سبيل الحصول على دفء في الشتاء، وبرودة في الصيف، ونور في العتمة، وماء أيام العطش؛ كيف ستصنع حلمك، وأنت لا تجد الماء لتشرب؟

صارت مقابر الأحلام في سورية أكثر من مقابر الأجساد. والغريب أننا لا نزال نكافح لصناعة أحلامنا؛ هل لأننا فعلاً لا نزال محكومين بـ"أمل سعد الله ونوس"؟ على الرغم من أن كل متسلط أو صاحب قوة يعمل على محو أحلامنا قبل أن نبدأ بتنفيذها، وربما وهي في طور تشكلها في الدماغ.

كي تعيش في هذا البلد، عليك البحث عن عمل، وحين تنجح في ذلك، تجد أنه لا يكفيك. فتعاود البحث لتجد عملاً آخر يمنحك أملاً بحياة أفضل. لكنك تكتشف أنه أيضاً لا يكفي. وحين تسعى إلى ثالث، تدرك أن طاقتك لم تعد تحتمل، وإن كابرت وأسكتتها، تجد أن الـ24 ساعة اليومية لا تكفي لتملأها مجدداً، فتتساءل: أين الخطأ؟ هل أخطأتُ الحلم، أم اختيار المهن، أم البلد الذي أعيش فيه؟

كيف يمكنك، كمواطن سوري، أن تصنع حلماً داخل الحدود السورية؟ أعتقد أنك تحتاجُ إلى قليل من الرخاء، وإلى حقوق بديهية أصبحت اليوم حلماً يستلزم الجهاد 

هكذا يبدأ شعور بالنبذ يتولد لديك؛ تشعر أن بلدك يلفظك، لأنك عبء عليه، ولا يستطيع أن يؤمن لك ما تحتاج إليه. ما عاد قادراً على إطعامك، أو سقايتك، ولا على تأمين البديهيات التي يحيا بها مواطنو الدول الأخرى. وهنا تبدأ بتغيير مخطط أحلامك، فتمحو الحلم الجميل، وترسم مكانه حلماً بمنزل، أو سيارة، أو عمل، أو كهرباء، أو وقود، أو طعام كافٍ لك ولعائلتك، أو بمياه كافية لتستحم في هذا الجو الحارق. لقد أجبرنا على تغيير أهدافنا في الحياة لتصبح، رغم حاجتنا الأساسية لها، أقل قيمة.

اليوم، نحن لا نعرف من منا هابيل، ومن منا قابيل؛ من القاتل، ومن المقتول. فمن لا يقتل نفساً، يقتل حلماً، أو يقتل أملاً. امتهنّا القتل بشتى أنواعه، حتى عادت الغربان لتعلمنا كيف ندفن ضحايانا، وتطالبنا بمزيد من القتل: عليكم أن تقتلوا فحسب، ونحن سنعلمكم كيف توارون من قتلتموهم.

لا مهرب من أن تتحول إلى معذَّب في سوريا. فسبيل النجاة مغلق، وسفينة نوح لم تعد تتسع للجميع. لا بد أن يموت كثيرون، والنجاة لمن يدفع، ويسرق، ويقتل، أكثر.

حين سألت الله: إلى متى هذه القسوة علينا؟ متى ستنتهي معاناتنا؟ لم يجبني! فكرتُ: ربما لا يزال الوقت مبكراً؛ فالسوري ما زال يحلم، ويحتمل، ويقاوم الموت، وعلينا أن نترك قوى العالم سعيدة باللعبة؛ فهناك رابحون، والجمهور مستمتع.

كنت أعتقد دائماً أن من يدمّر الأرض يستطيع أن يبنيها حتماً. ثم وجدت أن قلة فحسب تريد البناء، والأكثرية تحب الهدم. لذا، في السنوات الأخيرة، صرتُ أسمح لآمالي بأن تتحطم، وأنا التي كنت أصنع لها الجبيرة عند كل كسر صغير. ذلك لأني حين وجدت أنها لم تعد تحتمل، تركتها لتستريح. فقد صرتُ على يقين بأن المرء كي يصنع حلماً جميلاً، عليه أن يعيش خارج سوريا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard