كلما تذكرت كلمات الشيخ، تخيلت صديقتي ماري والنيران تأكلها

الخميس 29 يوليو 202102:48 م

سمعت شهادة محمد حسين يعقوب في القضية المعروفة إعلامياً بخلية داعش إمبابة، بعد أن قال عناصر التنظيم المضبوطين إنهم اعتنقوا الفكر الإرهابي بسبب فتاويه. ظننت أن الناس سيفرحون لفضح هذا الرجل الذي يستخدم الدين مطية لجني المكاسب المادية والمعنوية. لكني صُدمت بتقديس مريديه له، والذين يعدّون توجيه دعوة إليه للشهادة إهانة، ولم يلتفتوا إلى تلك الأكاذيب كلها التي صدرت منه أمام المحكمة.

هل تعرفون معنى عدم جواز تهنئة المسيحيين في مناسباتهم الدينية التي تحدث عنها المدعو يعقوب في خطبه؟ إن ذلك بمثابة فصل المجتمع، وتقسيمه، ونشر الكراهية بين أفراده، حتى أصبحت هي أولى الجرائم التي بثها في الذين وثقوا فيه وسلموا له مفاتيح قلوبهم لمجرد أنه رجل دين. وعندما يُسأل عن فتاويه المتشددة يقول: أنا لست عالماً، ولست مفتياً، ولست رجل دين". إذاً، فلماذا اعتليت منابر المساجد، والتلفاز، لتفتي في أمور ليست من تخصصك؟ لماذا ظللت أكثر من 40 عاماً توهم الناس أنك مبعوث الله إلى المسلمين؟

هذه طبيعة البشر الذين شاؤوا للحب عيداً يحتفون به. لكن المدعو يعقوب أفتى بتحريم عيد الحب، بل أفتى بعدم جواز الحب نفسه.

حدثتني زميلة لي في الجامعة، عن خلاف نشب بين المسلمين والمسيحيين في القرية التي تعيش فيها في محافظة المنيا. سألتها عن السبب، فقالت لي إن المشكلة وقعت بعد إفصاح مجموعة من الأسر المسيحية هناك عن رغبتهم في بناء كنيسة. قلت: وما المشكلة في ذلك؟ أليست هناك في القرية مساجد والناس يصلون فيها ويمارسون طقوسهم الدينية؟ فأجابت: نعم، لكنهم قلة، ونحن لا نرغب في وجود كنائس داخل بلدتنا. لم يكن ردها صادماً بقدر قول شخص آخر لي بالحرف الواحد: "نحن المسلمين أحق من المسيحيين بكل شيء في هذه الحياة، أحق منهم حتى في الأرض التي نمشي عليها".

كل منا يعيش في هذا العالم باحثاً عن الحب. يفتح أبواب قلبه لمن يشعرونه أن في داخلهم ذرة حب واحدة له. هذه طبيعة البشر الذين شاؤوا للحب عيداً يحتفون به. لكن المدعو يعقوب أفتى بتحريم عيد الحب، بل أفتى بعدم جواز الحب نفسه.

الكتاتيب في القرى كانت واحدة من وسائل نشر العلم، قبل أن يخرج علينا المتشددون، والمتعصبون، وناشرو الكراهية، ودعاة الفكر التكفيري، فيقسمون الناس بين الجنة والنار، كأنهم أولياء الله على الأرض. هناك في قرية "عزبة الكاشف"؛ وهي إحدى قرى مركز ديرمواس في محافظة المنيا، كان يأتي شيخ غليظ اللحية، عبوس الوجه، يُدعى خالداً، ويعمل محفّظاً للقرآن في كُتّاب القرية. كنت أسمعه يقول دائماً: "المسيحيون لهم الدنيا فحسب، ونحن المسلمين لنا الآخرة، هم سيدخلون النار ونحن سندخل الجنة". كان شديد الحقد على المسيحيين، إذ يتحدث باستمرار عن أموالهم، والأثرياء منهم، وأطبائهم، ونبوغهم في مختلف العلوم، وجمال نسائهم وأولادهم، وأن النعم كلها التي يعيشونها ليست سوى براءة ذنب الإله منهم، حتى يدخلهم النار وهو مطمئن أنه لم يقصر في حق أحدهم.

تعرفت على فتاة تدعى ماري، حين كنت في الثانية عشرة من عمري. كانت تلك المرة الأولى التي أعرف فيها فتاة مسيحية. تأثرت بهذه الزميلة المجتهدة المتفوقة حتى أصبحنا أصدقاء حتى يومنا هذا. حملت لها في قلبي معزة غالية. وكلما تذكرت كلمات الشيخ، ترتسم صورة ماري في مخيلتي والنيران تحرقها، إلى أن وصل الأمر إلى رؤيتها دوماً في أحلامي.

لا يمكن لأطفال في هذا العمر أن تخرج منهم عنصرية كهذه، إلا بسبب دروس يوم الخميس التي كان يلقيها تلامذة المدعو يعقوب في مساجد القرى داخل أقاليم مصر، وكتاتيبها

عندما يأتي العيد، كانت تحضر لي ماري كعكاً من صنع أمها. وكنت أرى بعض زميلاتي المسلمات ينظرن إليّ نظرات مليئة بالاشمئزاز. تقدمت إحداهن ونصحتني بألا أتناول كعك المسيحيين. ما الضرر فن تناول مسلمة لكعك المسيحيين؟ هل هذا الكعك يغضب الرب؟ لا يمكن لأطفال في هذا العمر أن تخرج منهم عنصرية كهذه، إلا بسبب دروس يوم الخميس التي كان يلقيها تلامذة المدعو يعقوب في مساجد القرى داخل أقاليم مصر، وكتاتيبها.

كان المتطرفون يندسون في هيئة شيوخ، يلبسون العمة والجلباب، ويعتلون المنابر فيخطبون في المساجد، من دون إذن، أو تصريح، ليبثوا في قلوب المصلين الكراهية. ثم يتجولون في القرى مجموعاتٍ، يدعون الناس إلى الخروج في سبيل الله، وإلى دفع الشباب إلى الجماعات الجهادية. يخرج من كل أسرة فرد واحد على الأقل ليقضي مع هذه المجموعة نحو عشرين يوماً، ينتقلون فيها من مسجد إلى آخر في مختلف القرى، من دون أن يشعر بهم أحد. كنت أراهم من نافذة المنزل وهم يترددون على المقاهي، ليلتقطوا منها الجالسين، ويخدعوهم بملابسهم البيضاء، ورائحة المسك التي تفوح من أحذيتهم. ثم يلتفون في دائرة أمام كل دكان أو مقهى، حيث يقف كبيرهم، ويبدأ خطبته الطويلة بهدف إقناعهم بالذهاب إلى المسجد. ومن هناك تبدأ رحلة التحفيز على الجهاد.

كنت في إجازة الصيف، وكان ذلك تحديداً يوم فض اعتصامَي رابعة والنهضة. لم أكن أعي حجم التوتر الذي كان يحدث من حولي. ذهبت إلى المدرسة بصحبة أخي الأصغر، وفي طريقي وجدت دخاناً كثيفاً يخرج من إحدى الكنائس في قرية دلجا، وقد فُتحت أبوابها على مصراعيها، والناس يختطفون ما فيها إلى بيوتهم. شاهدت طفلاً صغيراً في الحادية عشرة من عمره تقريباً. يحمل لوحاً خشبياً كبيراً يهرول به إلى بيته. التقى بشاب آخر يعرفه فقال له: "حرقوا الكنيسة إلحق خد حاجة منها".

أكملتُ أنا طريقي خائفةً ومذعورةً، ربما من الأدخنة السوداء التي خرجت من كل بيت عُلّق على بابه صليب، أو كُتبت على واجهته جملة "الله محبة"

فرد الشاب: "حرام عليك اللي انت واخده ده نار". لم يأبه الطفل لكلامه، وأكمل مسرعاً حاملاً ما يحمل. وأكملتُ أنا طريقي خائفةً ومذعورةً، ربما من الأدخنة السوداء التي خرجت من كل بيت عُلّق على بابه صليب، أو كُتبت على واجهته جملة "الله محبة"، أو من محال المسيحيين التجارية التي تُسرق، وتُحرق أمام عيني، أو من الفزع الذي أراه في أعين أخي، وهو يصرخ. لم أعرف كيف سنعود إلى المنزل ثانية. ظل الخوف متعلقاً بقدمينا حتى وصلنا إلى المدرسة، وسألت عن موسى؛ معلم الرياضيات، فلم أجده. ثم عرفت أن ابنه، وابن أخيه أصيبا بطلق ناري حينما حاولا الدفاع عن كنيستهما بعد تعرضها لهجوم من قبل جماعة الإخوان المسلمين في القرية.

أخذت من أحد الجدران مخبأً لنا، حتى استطعنا الهرب من هذا المشهد المفزع الممزوج بالرعب، كأنني أشاهد ويلات يوم القيامة، وعذاب القبر. كلما أغمضت عيني تراءت لي الأدخنة، والنساء الخائفات. أنا لا أنكر أن الكثيرين من أهل القرية دافعوا عن جيرانهم المسيحيين من جرائم عناصر جماعة الإخوان، لكن ليس بإمكان ذلك أن يمحو من ذاكرتي تلك المشاهد المفزعة كلها. في الوقت نفسه، كان المدعو يعقوب يحرّض المواطنين المسلمين على تخريب مصر عندما قال: إن الإعلام المصري الفاجر يحاول تشويه صورة الإخوان، ولن يسكت المسلمون على ذلك. وكأن الإسلام حكر على الجماعة وحدها. لم يقل إن الجماعة أو قيادتها أو أنصارها لن يصمتوا، بل المسلمين عموماً. وعندما سئل في المحكمة عن الجماعة، قال إنه لا علاقة له بهم، وإن حسن البنا أسس الجماعة من أجل الوصول إلى الحكم. تبيّن أن هناك ملايين الأشخاص قد سلموا عقولهم لهذا الشيخ، ولأمثاله المنافقين، المدّعين، شيوخ الضلالة. ربما يكون الأمل الوحيد هو محاربة الفكر المتطرف بأشكاله كلها، وليس محاربة رموزه فحسب. لم يبق أمامنا إلا أن نحب الحياة، مقابل خطاب هؤلاء الشيوخ الذين يكرهونها ويكرهون الحب ويدفعون الناس إلا حبّ الآخرة المجهولة فقط. لم يبق أمامنا إلا أن نحب الحياة ونحب أنفسنا ونسعد بعيشنا. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard