"أنت مسيحي، مالك ومال فلسطين؟"

الاثنين 24 مايو 202102:49 م

إن ما تفعله "حماس" اليوم، في اختزال القضية الفلسطينية بجعلها قضية "عقائدية"، وليست قضية "قومية" وإنسانية، واستبدالها العلم الفلسطيني الشهير بعلم الحركة على أجساد الشهداء، هو أمر غاية في الخطورة على القضية الفلسطينية، والمؤمنين بها، والمتعاطفين معها أيضاً. ليس فقط في أعين الشعوب الغربية وإعلامها، بل الأكثر خطورة أمامنا نحن المسيحيين في الشرق، وخصوصاً في مصر.

إن الأمر لا يختلف كثيراً في رأيي عما يفعله الكيان الصهيوني بإصراره على "تهويد القدس" بالقوة منذ وعد "بلفور" وحرب فلسطين. فالأولى تصر على أن فلسطين "إسلامية"، والثانية تروّج أنها "يهودية"، وعاصمة أبدية لدولتها. وبين الاثنتين، نقف مكتوفي الأيدي نحن الذين نؤمن بالقضية، وندافع عنها من أجل الحق والإنسانية، وعن الشعب الفلسطيني الذي يتعرض لكل أشكال الظلم والقهر. وسنبقى نؤمن فقط بإنسانيتنا التي تؤرّق نومنا، ولن نسامح أنفسنا لو صمتنا أو نسينا.
في عام 2000، كانت المرة الأولى التي أشارك خلالها في مظاهرة لدعم القضية الفلسطينية، التي وُلدت وكبرت وأنا أسمع عنها في نشرات التلفزيون والصحف. كان عمري تسعة عشر عاماً، وكانت قد بدأت "انتفاضة الأقصى"، وسقط عدد كبير من الشهداء الفلسطينيين، أشهرهم الطفل محمد الدرّة، الذي تحوّل إلى أيقونة فلسطينية بعد مقتله على يد قوات الاحتلال وهو في حضن والده. بكيت مثل ملايين شاهدوا موت طفل في حضن والده. فقررت أن أشارك في مظاهرات أُعلن عنها أمام جامعة القاهرة. يومها سألني أحد رجال الأمن الذين ألقوا القبض على بعض من شاركوا، وكنت منهم، سألني بغضب: "لمّا أنت مسيحي، مالك ومال فلسطين؟". ما جعلني أستغرب السؤال، وأعيده على نفسي مراراً: "هل فعلاً مالي ومال فلسطين؟". أليست فلسطين هي مهد المسيحية في الأساس؟ فيها ولد المسيح وعاش وصنع معجزاته وصُلب وقام. أليست القدس قِبلة المسيحيين الأولى في العالم كله؟ ألم يمت جدي وهو يحلم بزيارة "قبر المسيح" وكنيسة القيامة ليحمل لقب "مقدس" مثل والده الذي زار المدينة أكثر من مرة، وحكى له عن فلسطين وبرتقالها وزيتونها، لدرجة جعلت شقيقه يترك مصر والصعيد في ثلاثينيات القرن الماضي، ويذهب للرهبنة في "دير السلطان" القبطي الذي يخضع للكنيسة الأرثوذكسية المصرية حتى اليوم؟ ولم يزل كل مسيحي مصري يحلم بهذه الزيارة، وأنا منهم.

إن ما تفعله "حماس" اليوم، في اختزال القضية الفلسطينية بجعلها قضية "عقائدية"، وليست قضية "قومية" وإنسانية، واستبدالها العلم الفلسطيني الشهير بعلم الحركة على أجساد الشهداء، هو أمر غاية في الخطورة

في الفترة نفسها تقريباً، بدأت تيارات دينية في مصر ترفع شعار "فلسطين إسلامية"، وهي التي كانت دائماً بالنسبة إلي "عربية"، ما جعلني أشك في أحقيتي في المشاركة في دعم قضية إنسانية في المقام الأول، والوقوف في صف الحق أمام الباطل، نصرةً لأصحاب الأرض الحقيقيين مقابل المحتل المعتدي، على الرغم مما كان يؤكده دوماً البابا شنودة الراحل، أننا لن نذهب لزيارة القدس إلا بصحبة إخواننا المسلمين، حتى لا يعطي شرعية دينية للمحتل الصهيوني، وتأكيده في أكثر من حديث، ومن بعده البابا تواضروس الثاني، أن بني إسرائيل لم يعودوا "شعب الله المختار" كما هو موجود في "التوراة". فبعد مجيء المسيح لم يعودوا كذلك، وأنهم ليسوا أصحاب "أرض الميعاد"، فالرب لا يقف بجانب المغتصب والقاتل، فالكنيسة المصرية ناصرت القضية الفلسطينية طوال تاريخها، والبابا شنودة زار مخيمات "اليرموك"، ومشى على قدميه وسط آلاف الفلسطينيين الذين هتفوا له "يا بابا شنودة أهلاً بيك... شعب فلسطين بيحييك". يومها حصل البطرك الراحل على لقب "بابا العرب" الذي اشتُهر به.

إن مسألة اختزال القضية الفلسطينية في كونها معركة بين المسلمين واليهود، كثيراً ما ضرّت وتضرّ الشعب الفلسطيني وقضيته. الغريب أن المحتل الغاشم هو المستفيد الوحيد من هذا الأمر. والأكثر غرابةً، أنه طوال الوقت، ومنذ بداية احتلاله لأرض فلسطين، يحاول جعلها قضية دينية، محاولاً التفرقة بين المسلمين والمسيحيين الفلسطينيين، الذين انتبهوا لخطورة الأمر منذ البداية. كما رفض رجال المقاومة والسياسة المسيحيين في فلسطين ذلك التمييز، وحملوا شعلة المقاومة جنباً إلى جنب مع أشقائهم المسلمين. فنيران المحتل الغاشم ورصاصه لم يفرّقا بين المسلم والمسيحي في فلسطين. أنظر بعينك ما يفعلونه بالرهبان والقساوسة، واقتحامهم للكنائس والأديرة والمساجد بلا تفرقة. وبالنظر في تاريخ المقاومة الفلسطينية، لا يمكننا أن ننسى راهبها المطران الراحل هيلاريون كابوتشي، الذي كان يساعد المقاومة في تهريب السلاح، إلى أن أُلقي القبض عليه، وحكم عليه بالسجن لمدة 12 عاماً في سجون الاحتلال، ثم بالنفي إلى خارج وطنه حتى رحيله، ولا المناضلين جورج حبش ووديع حداد؛ اللذين شاركا في تأسيس حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ونايف حواتمة؛ مؤسس الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وشاعر حركة فتح "كمال بطرس ناصر"، وغيرهم مئات المناضلين العظام، وآلاف الشبّان المسيحيين داخل فلسطين وخارجها. وإن كانوا قد تعرضوا لمضايقات كثيرة دفعت عدداً كبيراً من مسيحيي فلسطين للهجرة إلى أوروبا وأمريكا الجنوبية تحديداً، فهم لا يزالون يحتفظون بمفاتيح بيوتهم في فلسطين، ويعلّقون صورها في بيوتهم، وتحلم الأجيال الجديدة منهم بالعودة من المنفى إلى الوطن الذي لم ترَه.

نيران المحتل الغاشم ورصاصه لم يفرّقا بين المسلم والمسيحي في فلسطين. أنظر بعينك ما يفعلونه بالرهبان والقساوسة، واقتحامهم للكنائس والأديرة والمساجد بلا تفرقة

عبر التاريخ، ناضل ويناضل المصريون دعماً للقضية الفلسطينية جنباً إلى جنب، من دون النظر إلى الاعتبارات الدينية. ويقف المسلم والمسيحي في صف واحد، كما وقفا دائماً في وجه المحتل في حروبنا الطويلة مع الكيان الصهيوني، بدءاً من حرب 48، مروراً بنكسة 67 وصولاً إلى نصر 73. كذلك في مظاهرات الانتفاضات الفلسطينية للتنديد بالمجازر الصهيونية، وإحراق العلم الإسرائيلي في الميادين. أسماء عديدة مثل: سلامة موسى، وسمير غطاس، وميلاد حنا، ووداد متري، وغالي شكري، وفخري لبيب، وسمير مرقص، والقس ويليام سيدهم، وغيرهم الكثيرين، الذين لم يسأل واحد منهم إن كانت القدس إسلامية أم مسيحية. هم يؤمنون بأنها عربية فحسب، وهي من حق الشعب الفلسطيني حتى انقضاء الدهر.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard