أُبقيَ عليها لتفصل بين قوتين عظميين... الدول الحاجز في التاريخ الإسلامي؟

الثلاثاء 23 نوفمبر 202108:40 ص

عرف التاريخ الإنساني أشكالاً عدة من الكيانات السياسية تباينت مع بعضها البعض من حيث أسباب ظهورها وطرق تطورها. واحدة من تلك الأشكال، هي التي اصطُلح على تسميتها بـ"الدولة الحاجز" Buffer Zone، ويقصد بها ذلك الكيان السياسي الذي أوقعته الأقدار بين دولتين عظيمتين، فأبقي عليه، عمداً، في سبيل الحفاظ على قدر معيّن من الهدوء والاستقرار في مناطق التخوم.

عرف التاريخ القديم الكثير من الحالات التي ظهرت فيها الدول الحاجز، ومن ذلك فينيقيا القديمة التي لعبت دور الحاجز بين الممالك الكبرى في بلاد الرافدين ومصر وبلاد فارس.

وأيضاً، عرفت شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام بعض الأمثلة على ذلك النوع من الدول، ومنها دولتا المناذرة والغساسنة اللتان خضعتا بشكل كامل للإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية على الترتيب.

في السياق نفسه، عرف التاريخ الإسلامي ظهور بعض التجسيدات للدولة الحاجز، ومن ذلك دولة الأغالبة في المغرب، ودولة الخزر في بحر قزوين، والدولة الزيرية في القيروان، فضلاً عن دولة بني هود في سرقسطة.

الأغالبة... حاجز بين العباسيين ودول الشيعة والخوارج

تمكن العباسيون من إسقاط الدولة الأموية عام 132هـ/ 749م، وعملوا بعدها على فرض سيطرتهم على الولايات الإسلامية الكثيرة، التي تناثرت بين المشرق والمغرب.

الفوضى التي سادت في بلاد المشرق، تزامناً مع أحداث الصراع المرير بين العباسيين والأمويين، انعكست نتائجها على الأقاليم المغربية، فعمل أهلها على الثورة على سلطة الخلافة، وظهرت فيها مجموعة من الدول المعادية للعباسيين.

على سبيل المثال، أسس الأمير الأموي الهارب عبد الرحمن بن معاوية بن هشام، والمعروف بعبد الرحمن الداخل، إمارة أموية جديدة في الأندلس عام 138هـ/ 756م، أما عيسى بن يزيد الأسود فأسس دولة بني مدرار التي ستتبنى المذهب الصفري، أحد مذاهب الخوارج، وذلك في منطقة سجلماسة الواقعة في المغرب الأقصى، عام 140هـ/ 757م.

الخوارج الإباضية أيضاً وجدوا لأنفسهم موضع قدم في المغرب الأدنى، وذلك بعد تأسيس عبد الرحمن بن رستم للدولة الرستمية عام 160هـ/ 776م، لينشر المذهب الإباضي في منطقة طرابلس وجبل نفوسة؛ هذا في الوقت الذي ظهر فيه العلويون في فاس وما حولها، بعد تأسيس إدريس بن عبد الله لدولة الأدارسة عام 172هـ/ 788م.

كل تلك الدول التي ظهرت في المغرب الكبير في القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي، رفضت الانصياع للخلافة العباسية، وروّجت كل منها لنفسها على أنها البديل الأفضل للحكم العباسي، الأمر الذي حدا بالخليفة العباسي هارون الرشيد ليوقن بأن المغرب خرج تماماً من قبضته، وبأنه لا سبيل للسيطرة على تلك الأقاليم، ولهذا أقدم عام 184هـ/ 800م على خطوة مهمة، عندما عيّن أحد القادة الأقوياء الموالين للدولة العباسية، وهو إبراهيم بن الأغلب، والياً على إفريقية، ومنحه سلطات واسعة في تلك المنطقة.

كان الرشيد يعرف أن تبعية دولة الأغالبة للعباسيين لن تزيد عن كونها تبعية اسمية، وأن ابن الأغلب سيؤسس دولة مستقلة يتوارثها أبناؤه وأحفاده من بعده، ولكنه رأى في الوقت ذاته أن الأغالبة سيقفون كحائط صد منيع ضد الدول المعادية للعباسيين، والتي تطمع في التمدد ناحية المشرق، وهو الأمر الذي تحقق فعلياً في ما بعد، إذ نجحت دولة الأغالبة من الصمود لما يزيد عن المئة عام أمام جميع التحديات التي واجهتها، حتى سقطت أخيراً على يد الفاطميين عام 297هـ/ 909م.

يهود الخزر... الحد الفاصل بين العباسيين والإمبراطورية البيزنطية

رغم الأهمية البالغة الذي لعبها اليهود الخزر في العصور الوسطى، فإن تاريخهم مُحاط بالكثير من الغموض واللبس.

يتفق الباحثون على أن الخزر هم قبائل تركية الأصل، كانت تسكن أولاً في آسيا الوسطى، وكانت تعهد حياة التجوّل من مكان إلى آخر، ثم استقرت في منطقة بحر قزوين وجبال القوقاز، وتمكنت في ما بعد من تأسيس دولة قوية امتدت على مساحات شاسعة بين الإمبراطورية البيزنطية غرباً، والقبائل الروسية شرقاً، فيما امتدت حدودها الجنوبية لتتلاقى مع أراضي الخلافة العباسية.

في ظروف غير معروفة، تحوّلت تلك القبائل من الديانة الشامانية، إحدى الديانات الوثنية البدائية التي كانت معروفة ومنتشرة في آسيا الوسطى وروسيا، إلى اليهودية، وتحالف الخزر مع البيزنطيين ضد الإمبراطورية الفارسية الساسانية الضعيفة في القرن السادس الميلادي، وبعد سقوط الفرس وصعود نجم العرب، وجد الخزر أنفسهم قبالة دولة الخلافة القوية، لتقع الكثير من الحروب بينهم وبين المسلمين، وليتبادل الطرفان النصر والهزيمة.

يُصطلح على تسميتها بـ"الدولة الحاجز" Buffer Zone، ويقصد بها ذلك الكيان السياسي الذي أوقعته الأقدار بين دولتين عظيمتين، فأبقي عليه، عمداً، في سبيل الحفاظ على قدر معيّن من الهدوء والاستقرار في مناطق التخوم

يذكر د. م. دنلوب، في كتابه "تاريخ يهود الخزر"، أن الخليفة الأموي الأخير مروان بن محمد نجح في إنزال هزيمة ساحقة بخاقان الخزر، وأُجبر الأخير على اعتناق الإسلام وطلب الهدنة، ولكنه عاد مرة أخرى إلى اليهودية وهاجم الأقاليم الإسلامية في أرمينيا وأذربيجان مستغلاً انشغال الأمويين بالثورة العباسية.

وبعد صعود العباسيين إلى السلطة، هدأت وتيرة الصراع مع الخزر، إذ ارتأى خلفاء بغداد الإبقاء على مملكة الخزر لتكون حائط صد أولي ضد البيزنطيين. هذا التوجه سيتم تدعيمه من جانب الإمبراطورية البيزنطية نفسها، فبحسب دنلوب، سينظر البيزنطيون إلى الخزر على كونهم حاجزاً بشرياً قوياً يمنع تقدّم المسلمين إلى البحر الأسود وشرق أوروبا.

الأمر المهم الذي تجدر ملاحظته هنا أن بقاء الخزر على الدين اليهودي كان تعبيراً دينياً مهماً عن وضعهم السياسي الحرج، إذ كانت تلك المملكة اليهودية تمثل الحد الفاصل بين العباسيين المسلمين من جهة والبيزنطيين المسيحيين الأرثوذكس من جهة أخرى، ما يوضح كيفية تفاعل الديني مع السياسي في العصور الوسطى.

الدولة الزيرية... حاجز بين الفاطميين والأمويين

ظهرت الدولة الفاطمية في نهايات القرن الثالث الهجري/ بدايات القرن العاشر الميلادي، وتمكنت في سنواتها الأولى من السيطرة على بلاد المغرب الأوسط، ليمد خلفائها عيونهم إلى مصر بعد ذلك.

الفاطميون الذين فشلوا في الاستيلاء على مصر لأكثر من مرة، تمكنوا أخيراً من تحقيق بغيتهم عام 358هـ/ 969م، في عهد الخليفة الفاطمي الرابع المعز لدين الله، ليقرر المعز الانتقال إلى مصر، ويبني مدينة القاهرة، لتكون عاصمةً جديدة لدولته.

في تلك الأثناء، كانت الإمارة الأموية في الأندلس قد تحولت إلى خلافة قوية ذات بأس ونفوذ على يد الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر، وكان الأمويون يتوسعون في بلاد المغرب الأقصى ويمنون أنفسهم بضم الكثير من الأقاليم والولايات المغربية.

عرف المعز لدين الله أن مغادرته للمغرب الأوسط ستسهل من مهمة الأمويين، ولذلك كلّف واحداً من كبار القادة المغاربة، وهو بلكين بن زيري الصنهاجي، بولاية المغرب، وأمره بأن يحلف له بأن يبقى، ومن بعده أبناؤه، على الولاء المطلق للخلفاء الفاطميين.

عرف التاريخ الإسلامي ظهور بعض التجسيدات لمفهوم "الدولة الحاجز"، ومن ذلك دولة الأغالبة في المغرب، ودولة الخزر في بحر قزوين، والدولة الزيرية في القيروان، فضلاً عن دولة بني هود في سرقسطة

خطة المعز نجحت بشكل كبير لفترة طويلة، إذ تصدى الزيريون للنفوذ الأموي من جهة، كما حافظوا على تبعيتهم للبيت الفاطمي من جهة أخرى، وكانوا حريصين على إظهار ولائهم للخلفاء الفاطميين في كل المناسبات، ومما يشهد على ذلك أن بني زيري كانوا يرسلون الهدايا والأموال إلى الخلفاء الفاطميين، كما أن الفاطميين كانوا يطلقون على الولاة الزيريين العديد من الألقاب التشريفية، الأمر الذي أشار إليه تقي الدين المقريزي في كتابه "اتّعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء".

عام 435هـ/ 1043م، وقع التحوّل الأهم في العلاقات بين الزيريين والفاطميين، عندما قام عموم أهل القيروان، من أتباع مذهب أهل السنّة والجماعة، بالتعرّض للطبقة الأرستقراطية الشيعية الإسماعيلية، فقُتل الكثير من أتباع المذهب الشيعي الإسماعيلي الموالين للفاطميين، ونُهبت أموالهم وأملاكهم، ولم يستطع المعز بن باديس، الوالي الزيري الرابع، أن يفعل شيئاً أمام ذلك الحراك الشعبي الذي أنتجته الكثير من الدوافع الاجتماعية والمذهبية.

المعز بن باديس، والذي كان متأثراً بالفقه المالكي، أعلن عن مساندته للجماهير السنّية، وخلع طاعة الفاطميين، وتحوّل لاعتناق مذهب الإمام مالك، وعدّه المذهب الرسمي للدولة، كما أنه أمر بأن يُخطب على المنابر للخليفة العباسي بدلاً من الخليفة الفاطمي، الأمر الذي استغله خليفة بغداد القائم بأمر الله، حين أرسل مرسوم بتعيين المعز على ولاية إفريقية، حسبما يذكر حسن عبد الوهاب في كتابه "خلاصة تاريخ تونس".

هذه الخطوة قطعت العلاقة بين القيروان، عاصمة الزيريين، والقاهرة بشكل كامل، وتبعها إرسال الخلافة الفاطمية لعشرات الآلاف من المقاتلين من القبائل العربية (بني هلال والزغابة وبني سليم) لاجتياح القيروان، الأمر تسبب في وقوع فوضى عارمة في بلاد المغرب الأدنى.

بنو هود في سرقسطة... حاجز بين ممالك الشمال المسيحية والمرابطين

في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، ظهرت دولة المرابطين القوية في المغرب، والتي سرعان ما تمكنت من التوسع المطرد، لتفرض نفوذها على مساحات واسعة من المغرب الكبير.

العاهل المرابطي الشهير يوسف بن تاشفين، تحرك على رأس قواته عام 479هـ/ 1086م، ليمد يد العون إلى ملوك الأندلس الضعفاء، وليحارب معهم في موقعة الزلاقة الفاصلة، وينقذهم من خطر السقوط أمام مملكة قشتالة القوية.

بعد مرور بضعة سنوات على الزلاقة، غيّر يوسف من سياسته بعدما وردته فتاوى من جانب كبار علماء المشرق، من أمثال أبي حامد الغزالي وأبي بكر الطرطوشي، لتطالبه بالاستيلاء على أرض الأندلس، وإسقاط ملوك الطوائف الذين دأبوا على التحالف مع العدو الصليبي، وإرسال الجزية له.

بناءً على تلك الفتاوى، تحرك ابن تاشفين إلى الأندلس مرة ثانية عام 484هـ/ 1091م، وتمكن من الاستيلاء على ممالك الطوائف في كل من غرناطة ومالقة وقرطبة وإشبيلية وبلنسية وبطليوس، وغير ذلك من المدن التي يحكمها المسلمون في شبه الجزيرة الأيبيرية، ولكنه رغم ذلك ترك مملكة بني هود في سرقسطة دون أن يحاول الاستيلاء عليها.

السبب في ذلك أن سرقسطة التي تقع في الشمال الشرقي من إسبانيا الحالية، كانت محاطة بالممالك المسيحية من كل جانب، إذ تتاخمها إمارة برشلونة من الشرق، ومملكتي أراغون ونافار من الشمال، بينما تقع مملكة قشتالة القوية على حدودها الغربية. هذا الموقع الجيوبوليتيكي الصعب لسرقسطة حدا بيوسف بن تاشفين ليزهد في الاستيلاء عليها، إذ كان يعرف أن ضم هذه المدينة لأملاكه الواسعة سيجبره على خوض الكثير من المواجهات ضد أعدائه من المسيحيين، ولذلك اختار أن يترك تلك المدينة لتقف كحائط صد وحاجز منيع بينه وبين ممالك الشمال، كما عمل على تقوية حكامها ودعمهم بكل وسيلة ممكنة.

هذه السياسة ستبقى قائمة حتى اللحظات الأخيرة من عمر ابن تاشفين، بل وسترد بشكل واضح في وصيته لابنه وولي عهده علي بن يوسف.

فبحسب ما ورد في كتاب "الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية"، أمر يوسف ابنه بأن "يهادن بني هود وأن يتركهم حائلاً بينه وبين الروم". وعلى الرغم من انصياع علي لأمر والده لبضع سنوات، إلا أن الظروف أجبرته على غزو سرقسطة في 503هـ/ 1109م، عندما أيقن أنها توشك أن تقع في يد ممالك المسيحيين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard