"الصين عجزت عن منافستنا"... حكايات صناع الشيشة في القاهرة الفاطمية

الاثنين 29 يونيو 202003:35 م

في قلب القاهرة القديمة، وبين شارعي المعز لدين الله الفاطمي والجمالية، تقع حارة "التمكبشية"، التي تخصَّص أهلها لفترة طويلة في صناعة وصيانة الشيشة، هنا يقف زوار الحارة يشاهدون ما تبقى من عظمة الأزمنة السابقة، لكن أكثر ما يشغلهم هو الاسم وماذا تعنى تمبكشية؟

على مقعده، وفي الجهة المقابلة لباب المحل، يجلس عم محمد العمدة، يحتسى شاي الصباح بعد وجبة إفطار تقليدية، فول وبيض وجبن، اعتاد العمدة على تفاصيل مهنته، واعتاد أيضاً على الإجابة على هذا السؤال الذي لا ينتهي، ماذا تعني تمبكيشة؟

يقول عم محمد لرصيف22: "اسم الحارة جاء من "تمباك"، وهو التبغ، حيث كان يُصنع ويقطع هنا لفترة طويلة، حتى توقف كل شيء في الستينيات من القرن الماضي".

يكمل عم محمد الذي تربى على مهنة صيانة الشيش: "الفرق بين دخان المعسّل العادي والتمباك، إن الأول مخلوط بمواد غير طبيعية، أما التمباك فهو طبيعي وأقرب إلى العشب، حتى أن البعض كان يقول إنه مُدرج على قائمة المواد المخدرة قبل أن يثبت العكس".

وعن الفروق بين الشيش وبعضها البعض: "في أكثر من نوع، أبرزها النحاس والكريستال والكروم والزجاج والستانلس، لكن الإقبال الأكبر كان على النحاس لجودتها ولأن سعرها مناسب، أما الزجاج فهي تناسب أكثر من يبحث عن اقتناء شيشة في المنزل، وهي مرفوضة من قبل أصحاب المقاهي لأنها هتتكسر تاني يوم مش هتعيش معاه وهتخسره".

"طول عمرنا في الشغلانة دي، محدش قدر ينافسنا فيها، حتى الصين اللي بتعرف تعمل كل حاجة وصدرت لنا عجينة الطعمية وسجادة الصلاة والفوانيس معرفتش تعمل الشيش"

يتفاخر عم محمد بعمله في صناعة الشيش، ويصنفها من الصناعات المحلية التي لم تستطع الصين أن تؤثر عليها أو تنافسها، يقول: "طول عمرنا في الشغلانة دي، محدش قدر ينافسنا فيها، حتى الصين اللي بتعرف تعمل كل حاجة، وصدرت لنا عجينة الطعمية، وسجادة الصلاة، والفوانيس معرفتش تعمل الشيش، بس الظروف حكمت، وجاء فيروس كورونا ليضرب الكلّ، ويجبرنا على وقف تجارتنا بسبب إغلاق المقاهي".

في البدء كانت المحلات

سامي ربيع، صنايعي شيشة في الشارع التاريخي، ويحفظ أسراره أباً عن جد، يقول لرصيف22: "في بداية إنشاء وتخطيط الحارة، زي ما نسمع يعني لم يكن موجوداً سوى المحلات، وبمرور الوقت وبدلاً من استهلاك الوقت في الذهاب والحضور إلى هنا يومياً، بنى كل تاجر غرفة فوق الدكان الخاص به، وبمرور وقت أكثر وأكثر اصطحب هؤلاء زوجاتهم ثم جاء الأبناء، فاحتاج التجار إلى بناء أكثر من طابق حتى رأينا بعض العمارات التي شوهت شكل الحارة، وطابعها الأثري".

يضيف ربيع لرصيف22: "السياح في فترة من الفترات كانوا رايحين جايين على الشارع، حتى اللي مش بيشتري منهم كان بيجي عشان يتصور ومنهم ناس كانوا بيتواصلوا معنا بعد ما يسافروا، وأذكر في مرة واحد خواجة بعت لنا عشان نشتغل مع بعض، ونصدر له شيش بس حصل اللي حصل في 2011 بقي والدنيا اتعطلت".

بسبب الاضطرابات السياسية ومرور الزمن، غير ربيع وزملاؤه تجارتهم، وتوسعوا في "الأدوات النحاسية من المباخر والأدوات الخاصة بعمل الشاي والقهوة، منها ما هو للزينة، ومنها ما يمكن الاعتماد عليه فعلياً في أي مطبخ مصري، ولا أعرف صراحة بعد انتهاء أزمة كورونا ما إذا كنت سأعود للشيش أم سأكمل في هذه التجارة... ربما أجمع بينهما".

"أهم حارة تجارية في الماضي"

على بعد أمتار قليلة من محل سامي، قابلنا عم خليل الذي رفض أن يغير نشاط محله الذي يفتحه يومياً للقاء الأصدقاء، أو حتى الجلوس وحيداً لاسترجاع أيام حلوة مضت، ويمني النفس بأيام أحلى تنتظره، يقول عم خليل لرصيف22: "يستحيل أغير جلدي، إحنا ورثنا الشغلانة وحبها عن جدود الجدود، ولو الحال مش ماشي اليومين دول أكيد الوضع هيتعدل قريب".

عن يومياته، يحكي خليل أنه في صباح السبت من كل أسبوع، يتلقى قطعاً نحاسية مستخدمة من أحد المصانع لتصنيع الشيش، ومعه 5 صبيان يجمعون القطع ويلحمونها، قبل أن يبيعوها للسياح وأصحاب المقاهي.

يتنهد خليل مكملاً حديثه لرصيف22: "مر علينا الكثير من الظروف الصعبة، لكن ما حدث مع أزمة كورونا كان مؤثراً جداً، حيث تأثرت تجارتنا كما تأثر العالم كله، الدنيا كلها حالها وقف هتيجي علينا إحنا؟".

"أغلقت المقاهي، وأصبحنا بلا عمل، ثم أغلق المصنع الذي يمدنا بالنحاس".

استغنى خليل عن صبيانه، تبقى معه واحد فقط، يقول: "أصبحنا الآن بلا عمل، المقاهي مغلقة، الأمر الذي أدى بالضرورة إلى غلق المصنع الذي كنا نحصل منه على القطع النحاسية، لكن مع عودة الأمور إلى ما كنت عليه، سأعيد الصبيان جميعاً، أصلى مش بحب قطع الأرزاق".

أما مؤمن إبراهيم (20 سنة)، أحد شباب الصنايعية في الحارة، فقد قرر أن يتعامل مع الموقف ويغير نشاطه.

على بعد 500 متر من الحارة التي نشأ فيها، يحكي إبراهيم عن عمله المؤقت لرصيف22: "اتفقت مع مصنع وأخذت منه مجموعة من الطرح والشنط الحريمي، لبيعها لسكان المناطق المجاورة، صحيح أغلب الصناعات والنشاطات تأثرت بسبب كورونا، بس الستات مش بتبطل تشتري، يبقى في كوارث ووباء والناس كلها قاعدة في بيوتها وهما لازم ينزلوا يشتروا".

ولكن عادل مطاوع، صنايعي شيشة، لم يستسلم هو الآخر لما فرضته الظروف، وقرر أن يتاجر في الأواني والأدوات النحاسية، مؤكداً لنا أنها مرحلة وستمر، وأنه طالما أن "الشغل مش عيب ولا حرام يبقى مفيش ضرر من تغيير مؤقت للنشاط لحد ما الأزمة تمر بسلام، ليعود إلى صناعه الشيش مرة أخرى".

"الفرق بين دخان المعسّل العادي والتمباك، إن الأول مخلوط بمواد غير طبيعية، أما التمباك فهو طبيعي وأقرب إلى العشب، حتى أن البعض كان يقول إنه مُدرج على قائمة المواد المخدرة قبل أن يثبت العكس"

وبحسب الخبير الأثري، محمود راسم، اشتق اسم الحارة من الكلمة التركية "تمباك"، وكانت في البداية معروفة باسم، "تمبكجية" ثم حُرفت إلى "تمبكشية" نسبة إلى تجار "التمباك" أو التبغ.

يضيف راسم لرصيف22: "التمبكشية كانت من أهم الحارات التجارية الكبرى بالقاهرة في العصر العثماني، وشهدت الكثير من التحولات على مستوى الأنشطة التجارية، بمعنى أنها كانت مخصصة في وقت ما لتجارة البن، وبعد فترة ركود تحول أصحاب المحلات بها إلى تجارة الأخشاب، ثم الصابون النابلسي الذي كان يتم استيراده من نابلس في فلسطين، وكانت فترة ازدهار الحارة وقت تجارة التمباك".

وعن موقع الحارة الجغرافي، يقول راسم: "تمتد الحارة بين شارعي الجمالية جنوبا والمعز شمالاً، ويقع على جانبيها الكثير من المباني الأثرية، أبرزها جامع الأقمر وجامع جمال الدين، كما يوجد بها العديد من الوكالات، وأشهرها وكالة بازرعة التي تعد أحد أشهر الوكالات التي شيدت في مصر خلال فترة الحكم العثماني، وكانت معدة لبيع الأخشاب، وتضم 25 مخزناً".

ويشدد الباحث الأثري على أن ذروة ازدهار الحارة التجاري كان وقت تجارة التمباك، لذا سميت على اسمه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard