بعد انقلابهم على العلويين... كيف وظّف العباسيون العقيدة لدعم السلطة؟

الأحد 15 مارس 202011:11 ص

لم ينفصل الإسلام عن السيف منذ الهجرة المحمدية إلى المدينة المنورة، ومذاك يحضر العامل السياسي بقوة في التدين الإسلامي وعلوم الدين، فيما تشغل العقيدة الحيّز الأكبر؛ كونها أساس تحديد من يستحق الانتماء أو الطرد من مجتمع يقوم على أساس الدين، لا على أساس المواطنة.

تدخلت السلطة السياسية في معركة العقيدة؛ فالسلطة نفسها نشأت كفرقة منتصرة على الفرق الأخرى، منذ تمّ حسم الصراع لصالح الأمويين، وهكذا انتقل صراع السيف إلى صراع العقيدة، فكان للسلطة عقيدتها وللمعارضة عقيدتها.

قاد الشيعة الثورة العباسية ونجحوا في الوصول إلى السلطة، لكن فريق من العباسيين استأثر بالأخيرة دون بني عمومتهم العلويين، الأكثر شريعةً وقبولاً شعبياً، فكان على السلطة العباسية دخول المعركة مع رفاق الأمس، حول الشرعية وبمعنى آخر حول العقيدة.

زادت أهمية العقيدة كون النظرية السياسية كانت جزءاً منها، فمنذ عهد الأمويين لم يكن اختيار الحاكم أمراً دنيوياً بل كان جزءاً من العقيدة، ما جعل السلطة مُطالبة بمراقبة العقائد، كونها تحرك الجماهير، وتصنع الثورات. 

الدعوة لآل البيت

يقول الباحث في التاريخ الإسلامي وتاريخ الذهنيات حسن حافظ لرصيف22: "قامت الدولة العباسية كدعوةٍ سريةٍ ارتبطت بالرضا لآل محمد، في استمرارٍ لتداخل الديني مع السياسي، والذي أصبح جزءاً من أبجديات الدولة الإسلامية، منذ الأمويين الذين اتخذوا من فكرة ′الجبر′ في القضاء والقدر مسوغاً لأفعالهم، ووصولهم إلى الحكم".

وبينما تقول الرواية العباسية إن شرعية الدعوة انتقلت من أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب إلى أبي عبد الله محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وفق وصية أبي هاشم نفسه عندما حضره الموت، لم تكن الوصية كافية لحصر الدعوة بالعباسيين (دعوة أحقيتهم بالحكم)، ففي البيت الشيعي دعوات أقوى لنسل الحسين بن علي والحسن بن علي، وقد خرج أفراد من هذين الفرعين على السلطة الأموية، وهم أحق شرعاً وعُرفاً، فهما أبناء فاطمة الزهراء بنت النبي محمد، بينما ابن الحنفية من أم يمنية.

بعد انتصار الثورة على الأمويين، استأثر العباسيون بالحكم دون العلويين، لكن هؤلاء لم يستسلموا فقادوا ثورات عدة، منها ثورة إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور، عام 145 هـ، وظلوا يشكلون خطراً على الدولة العباسية، وفق كتاب "المحنة – بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام" لفهمي جدعان.

يضيف حافظ شارحاً: "بعد وصول العباسيين للحكم، انقلبوا بشكلٍ كاملٍ على الدعوة العباسية، وتخلصوا من معظم الفاعلين في جهازها السري، مثل أبي سلمى الخلال، وأبي مسلم الخراساني وغيرهم. وهكذا انسلخوا تماماً عن أبجديات الدعوة المنحازة للشيعة".

ونظراً لأن الدولة العباسية استمدت شرعيتها من نظرية الإمامة في الاعتقاد الشيعي، فقد فُرض عليها إيجاد تنظير ديني للسياسة، وبحث عن الشرعية بغطاء ديني. يقول حافظ: "أدرك الخلفاء العباسيون حاجتهم إلى شرعية دينية، فحاول أبو جعفر المنصور محاربة الشيعة بنفس سلاحهم، مروّجاً لابنه محمد بن عبد الله على أنه المهدي، ثم روّج لاحقاً لفكرة أن آل العباس هم وحدهم ورثة النبي".

احتكار الإسلام

بعد انقلاب العباسيين على الدعوة الأولى، بقي التفكير العباسي واقعاً تحت تأثيرها، فخارج العراق لم تكن الدعوة الشيعية ذات تأثير كبير بفعل السيطرة الأموية التي أفسحت المجال لنموذج من التدين قوامه الفقهاء وأهل الحديث، وأصحاب المواقف الموالية للسلطة أو غير المشتغلين بالسياسة، والمهتمين بتدين المجتمع وأحوال المسلمين كأفراد.

ساعد على التحول السابق التغيرات الاجتماعية في الدولة، فلم يعد جميع العرب فاتحين لهم حق في العطاء مثلما كان الحال حتى بداية العهد الأموي، وتزامن مع ذلك حلول المجتمع المسلم محل العرب، وإن كانت السيادة للغة العربية.

"عمل الخليفة أبو عبد الله المهدي على تأسيس مرجعية دينية قائمة على الحفاظ على الإسلام والدفاع عنه، لتصبح الدولة هي المتحكمة بماهية الدين". 

من رحم ذلك سيظهر المجتمع الإسلامي، وسيعبر عن نفسه كقوة اجتماعية وسياسية في الصراع بين الأمين والمأمون على السلطة، من خلال تدخل مجتمع بغداد لصالح الأمين، ما دفع السلطة للاهتمام بعقائد هذه القوة الكامنة.

يتلاقى حديث حافظ مع ذلك، فيقول: "عمل الخليفة أبو عبد الله المهدي على تأسيس مرجعية دينية قائمة على الحفاظ على الإسلام والدفاع عنه، لتصبح الدولة هي المتحكمة بماهية الدين، وفي إطار ذلك جرى تأسيس ديوان الزنادقة الذي تولى مطاردة الزنادقة، خصوصاً أتباع المانوية في إيران".

كان الانتصار للإسلام ضد الزنادقة من الأمور التي حصد المهدي الثناء لأجلها من فقهاء المسلمين، أصحاب التأثير على الناس.

والمانوية من العقائد الثنوية أي التي تقوم على معتقد أن العالم مركب من أصلين قديمين أحدهما النور والآخر الظلمة، وتقول بعقيدة الخلاص؛ أي تحرير الروح من سجنها الجسدي، لذلك تبنت عدة طقوس تدعو للزهد والرهبنة.

تابع الرشيد سياسة من سبقه، وإن ظلت أزمة الشرعية مطروحة إلا أنها تراجعت في ظل نجاحات الدولة، دون أن تختفي، وقد ظهرت لاحقاً بعد وفاة الرشيد، مع الصراع بين ابنيه الأمين والمأمون على الحكم، وتجدد ثورات العلويين.

المأمون وأهل الحديث

يثير سلوك المأمون بامتحان (سؤال عما يعتقدون) الفقهاء والمحدثين والقضاة ورجال الدولة في مسألة خلق القرآن أسئلة عديدة، أهمها لماذا قرر ذلك؟ وهل كان الأمر ترفاً فكرياً؟ أم كان خضوعاً لتأثير معتزلي؟

تندرج الإجابة السطحية التي روّج لها التيار الحنبلي-السلفي إلى اليوم في اتهام المعتزلة بذلك، وإصدار أحكام التضليل والتفسيق، بينما لا تتفق الدراسة الموضوعية التي تُدخل الأبعاد الاجتماعية والسياسية وغيرها في دراسة الحادثة مع هذه النظرية، إذ تُقدم رؤية أخرى تبدأ مع الصراع السياسي بين الأمين والمأمون، في بيئة العصر العباسي الجديدة.

تناول فهمي سعد في كتابه "العامة في بغداد- في القرنين الثالث والرابع للهجرة" التحولات الاجتماعية في بيئة المجتمع البغدادي، وأثرها في الحياة السياسية، فيقول: "عرف المجتمع العباسي تحولات أساسية، إذ اختفت العصبيات القبلية شيئاً فشيئاً، وحل محلها التضامن الديني الذي شكل درعاً لحماية حقوق الجماعة".

انقسم المجتمع البغدادي إلى طبقتين أساسيتين: طبقة الخاصة وطبقة العامة، وإلى جانبهما ظهرت فئات اجتماعية أخرى شُبّهت بكل منهما، فقيل: أشباه العامة، وأشباه الخاصة. والعامة هي خلاف الخاصة، والخاصة تضم الخليفة وأصحابه من بني العباس والعرب وكبار رجال الدولة، ثم أُلحق بها المشاركون في السلطة، لاسيما بعد أن كبرت طبقة أصحاب النفوذ حتى باتت تعني النخبة، وفق كتاب فهمي سعد.

بعد وفاة الرشيد، تمت مبايعة ابنه الأمين، وولي عهده أخيه المأمون، إلا أن الأمين لم يف بعهد والده، وأعلن البيعة لابنه موسى، وبدأ في حرب مع أخيه المأمون، لتنشب حرب أهلية (809 م -813 م) انتهت بقتل الأمين. وكان عامة بغداد قد وقفوا بجانب الأمين حتى النهاية، ودافعوا عن مدينتهم مدة تسعة أشهر.

لم ينس المأمون موقف عامة بغداد، فظل حذراً منهم، أو من رؤسائهم وهم أهل الحديث أو من سيُعرفون لاحقاً بالحنابلة. ولكونه ورث دولة شبه مُفككة، سعى المأمون لرأب الصدع الداخلي بطريقتين: القوة من جهة، وسلاح العقيدة من جهة أخرى.

يقول جدعان: "أوصى المأمون لعلي الرضا (الإمام الثامن عند الشيعة الإثني عشرية) بالخلافة من بعده، من أجل تهدئة ثورات الطالبيين (العلويين) التي اندلعت في بداية حكمه".

وبينما نجح المأمون المقيم في خراسان في تهدئة العلويين، إلا أنه أغضب البيت العباسي حين أخرج الخلافة منه، فانقلب العباسيون في بغداد عليه وبايع العامة وأهل الحديث هناك عمه إبراهيم بن المهدي خليفةً، فكان ذلك صداماً ثانياً مع العامة ورؤسائهم من أهل الحديث.

انتهى الانقلاب العباسي بتوجه المأمون لبغداد بجيشه، وهروب عمه، ثم مات علي الرضا، وانتهت الأزمة.

"أدرك الخلفاء العباسيون حاجتهم إلى شرعية دينية، فحاول أبو جعفر المنصور محاربة الشيعة بنفس سلاحهم، مروّجاً لابنه محمد بن عبد الله على أنه المهدي"... كيف وظّف العباسيون العقيدة لدعم السياسة بعد استئثارهم بالسلطة؟

تمكّن المأمون من ضبط الجبهة الداخلية، وشرع في التوسع عسكرياً بالحرب مع الإمبراطورية البيزنطية. يرى جدعان أن المأمون كان رجل دولة من الطراز الأول، وابناً باراً للأسرة العباسية؛ فلم تكن بيعته لعلي الرضا محسومة بعد، ووفاة الرضا الغامضة تدعم ذلك.

وجد المأمون أنه في حاجة إلى جمع الجبهة الداخلية خلف الخليفة العباسي، فعمل على تأديب مخالفيه، وعلى رأسهم أهل الحديث، بحكم الخوف على دولته منهم، فهو لم ينسَ "مشاركة أصحاب الحديث والآثار في خروج محمد بن عبد الله بن الحسن، ومع ابنه إبراهيم، في خلافة أبي جعفر المنصور"، وفق جدعان.

أما المأمون نفسه، فيقول جدعان: "كان فوق كل المذاهب والفرق والنحل، فلا هو ينتمي إلى الاعتزال، ولا إلى التشيع، ولا إلى أصحاب الحديث، ولا الفقهاء، ولا إلى الفلاسفة أو غيرهم".

يقول حافظ: "اختار المأمون أفكار المعتزلة، لأنهم مثلوا الفكر الحر، وقاعدة كلامية مناهضة بشكل واضح وصريح لأفكار الزنادقة، وقدرة على الدفاع عن الدولة العباسية، بشكل جدلي وكلامي من ناحية".

يعكس ذلك اختيار المأمون نموذجاً لدين إسلامي يخدم السلطة، ويحمي الدين، بحسب حافظ الذي يوضح: "إضافةً إلى ما سبق كان اختيار المعتزلة كونهم القادرين على مواجهة الصعود القوي لعلماء أهل الحديث الذين هيمنوا على الشارع؛ ومالوا إلى العصبية العربية".

أما عن أسباب هيمنة أهل الحديث، فيقول جورج طرابيشي في كتابه "مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام": "كانت المدارس الفقهية الأخرى موقوفة على الاختصاصيين. والمدارس الكلامية من معتزلة وأشاعرة كانت تتوجه إلى النخبة المثقفة، أما الحنبلية فكانت تستند سوسيولوجياً إلى الجمهور العريض، أو إلى العامة كما كان يقال حينئذ. وكانت تجند دعاتها من صفوف المحدّثين والوعاظ والقصّاص ممن هم على صلة بالطبقات الشعبية العميقة. وعلى هذا النحو امتلكت طاقة تعبوية لم تُتح لأية فرقة سنية أخرى".

وصلت هيمنة أهل الحديث على الشارع أن بلغ حضور مجلس المشاهير منهم عدة آلاف، وعمل المحدثين على إشباع نهم الجمهور للقول المنسوب للنبي باختلاق أحاديث تتماشى مع كل مناسبة حياتية، وفق حديث حافظ.

وكان جدعان قد كتب الآتي حول أهل الحديث: "كان المأمون ينكر على أهل الحديث قوتهم المتنامية المستحوذة بصورة متصاعدة على أفئدة العامة وإراداتهم. فإذا أقررنا بهذه القوة الموازية أنها قوة أموية الهوى بعامة، تبينا مقدار الخطر الذي كان ينتظره المأمون من مثل هذه القوة على الدولة".

يؤكد على أموية هوى أهل الحديث احترامهم لمعاوية بن أبي سفيان، وجعل الطعن فيه سبباً للردة والقتل، بنصّ الاعتقاد القادري.

امتحان خلق القرآن

لا يتسع المجال لبحث مدى تورط المعتزلة في امتحان خلق القرآن، إلا أن من الإنصاف القول إن هناك فريقين منهم: الأول من أهل التقوى، وقد رفض الصلة بالعباسيين، والثاني اتصل بالعباسيين، مثل اتصال بقية الفرق، ومن بين هؤلاء قلة تورطت في أحداث امتحان خلق القرآن.

أما مسألة خلق القرآن، وملخصها خلاف حول هل القرآن كلام الله مخلوق؟ أم قديم أزلي في اللوح المحفوظ؟ فقالت المعتزلة والجهمية والشيعة وغيرهم إنه مخلوق، وقال أهل الحديث والأشاعرة إنه كلام الله القديم.

"تبنى المتوكل أيديولوجية أهل الحديث، وأنفق عليهم، وأمرهم بالتحديث في الجوامع، وقمع خصومهم، فعلا شأنهم مرةً ثانيةً"... العباسيون وتوظيف العقيدة في خدمة السياسة

لم يكن القول بخلق القرآن سوى قضية واحدة من قضايا المعتزلة، ولم يكن أصلاً من أصول مذهبهم، كما أنهم اشتركوا فيها مع غيرهم، فلماذا اختارها المأمون تحديداً؟ يقول جدعان: "اختار خلق القرآن لأنها قضية تكشف عن أهل الحديث، وتمسهم فقد كانوا يكفرون الجهمية لقولهم بها". هكذا كان اختيارها في إطار الحرب مع أهل الحديث، لا انتصاراً للمعتزلة.

في أواخر عهده، بدأ المأمون بامتحان القضاة والفقهاء ورجال الدولة وخصومه السياسيين بمسألة خلق القرآن، فمن قال إنه مخلوق بقي على وظيفته أو مكانته، ومن قال إنه غير مخلوق كان مصيره السجن، واستمر ذلك الامتحان في عهدي خليفته المعتصم، ثم عهد الواثق. بذلك كان المأمون أول من حاول فرض عقيدة رسمية على المسلمين.

يقول جدعان: "مسوّغ الامتحان كان عملياً وليس نظرياً أو عقائدياً مقصوداً لذاته. بدليل أن المأمون طلب سبعة من كبار أهل الحديث إليه في الغزو، ثم ردهم إلى بغداد بعد أن أعلنوا أن القرآن مخلوق، ليشهروا ذلك على الملأ بهدف أن يكون إقرارهم بمثابة انصياع للسلطة، وانقياد تام لها من وجه أول، وبمثابة سقوط أخلاقي وعقيدي واجتماعي عند العامة والجمهور من وجه ثان".

"اتسعت دائرة الامتحان لتشمل عملياً جميع المتصدرين لتوجيه العامة في أمور دينهم ودنياهم، واتساع دائرة الامتحان لم يكن في الحقيقة إلا اتساع سيادة الخليفة وسلطته أي اتساع سيادة الدولة وسلطتها"، بحسب جدعان.

انقلاب المتوكل

بعد وفاة الواثق تولى المتوكل الخلافة، وكان مُبغضاً لما عليه أسلافه الثلاثة السابقين، ويُرجع البعض ذلك لحساسيات شخصية منه تجاههم، كونهم عاملوه بدونية. فبعد أشهر من خلافته، أعلن وقف امتحان خلق القرآن، وأطلق سراح بن حنبل، ومنع الناس من الجدال، وشدّد على الشيعة، وأهل الذمة، وقرّب المقصيين إليه، وعزل الوزير أحمد بن دؤاد المعتزلي.

تبنى المتوكل أيديولوجية أهل الحديث، وأنفق عليهم، وأمرهم بالتحديث في الجوامع، وقمع خصومهم، فعلا شأنهم مرةً ثانيةً، لكن هل فعل ذلك بسبب الخصومة الشخصية السابقة؟

يقول جدعان في كتابه: "كان المتوكل قد أدخل عملياً هذه النكبة في باب استرضاء العامة وأصحاب الحديث والسنة، طلباً لنصرتهم في المعركة التي كان يخوضها بشكل خفي مع مراكز القوى التركية في دار الخلافة، وهي المعركة التي اشتدت بالتخلص من الحاج إيتاخ، وانتهت بقتله هو والفتح بن خاقان على أيدي الأتراك عام 237 هـ".

منذ دخول الأتراك كجنود في عهد المأمون، ثم في عهد المعتصم بكثرة، أصبح لهم دور فاعل في تولية وعزل الخلفاء، واصطدموا بالعوام، ونشبت بينهم صراعات، حتى اضطر المعتصم لبناء مدينة "سُرّ من رأى" (سامراء لاحقاً)، واتخذها عاصمةً لهم، للفصل بينهم وبين عامة بغداد. وفي سامراء وجد المتوكل نفسه أسيراً بيد الجند التركي، دون قوة موالية له، فعمل على تجييش العوام في صفه، وصف دولة العباسيين.

بجانب ذلك، هناك أسباب أخرى يذكرها حافظ بقوله : "كان المتوكل كارهاً لعلي بن أبي طالب، وآل البيت، فدمر مقام علي في الكوفة، ونكل بآل البيت، وانحاز لأهل الحديث؛ باعتبارهم أيديولوجية تؤكد على شرعية الحاكم، ولا تسمح بالخروج عليه".

ناسب عدم الخروج على الحكام المتوكل، في وقت بات الجند التركي يتلاعب بالخليفة، حتى قتله لاحقاً.

لم تكن خطوة المتوكل حباً في أهل الحديث، فعندما أفرج عن أحمد بن حنبل الذي اعتقل في محنة خلق القرآن، منعه من الحديث، وفرض عليه الإقامة في بيته، وكان على وشك حبسه مرةً أخرى، وفق كتاب جدعان الذي يشير إلى أن المتوكل لم يحل المشكلة تماماً، بل "عدّل فقط من طريقة أسلافه في معالجة المشكلة، التي كان المأمون قد شرع في الامتحان من أجلها، وهي مشكلة الصراع مع ′السلطة الموازية′".

سيادة الحنابلة

منذ تلك اللحظة تبنى العباسيون عقائد الحنابلة، حتى نهاية دولتهم. ويقول حافظ: "ظل الحنابلة العامود الفقري للدولة العباسية حتى سقوطها على يد المغول، ولكن حصلت انقطاعات لظروف خارجة عن إرادة الطرفين، تمثلت في ضعف الخلافة الذي أدى إلى سيطرة البويهيين الزيدية، وانتصارهم للمعتزلة وللشيعة وللفلاسفة، فظهر مناخ من الحرية أدى إلى انكماش مرحلي للحنابلة، ورافق ذلك ظهور أبي الحسن الأشعري، مؤسس المذهب الأشعري في بغداد".

العقيدة القادرية تكاد تكون بيان كتبه الحنابلة لمفهوم الإيمان بشكل عام، وقد فُرض على كل الخصوم من شافعية وأشاعرة ومعتزلة وأحناف. وكان جزءاً من مخطط الخلافة العباسية لاستعادة وضعها الاستقلالي". 

عندما بدأت السلطة البويهية في الضعف، استردت الخلافة العباسية قوتها نسبياً، واستعاد الحنابلة معها نفوذهم، وكان ذلك على عهد الخليفة القادر بالله الذي حكم لمدة 41 عاماً، بين 381 و422 للهجرة.

توج القادر بالله انتصاره لأهل الحديث بإصدار وثيقة الاعتقاد القادري عام 420 للهجرة والتي انتصرت لأهل الحديث على المعتزلة والشيعة والأشاعرة وبقية الفرق الإسلامية، وتسببت هذه الوثيقة في إزهاق أرواح العشرات، وسبق الوثيقة ذم الفاطميين عام 403 هـ، واستتابة للمعتزلة عام 408 هـ.

يوضح حافظ بقوله: "العقيدة القادرية تكاد تكون بيان كتبه الحنابلة لمفهوم الإيمان بشكل عام، فرض على كل الخصوم من شافعية وأشاعرة ومعتزلة وأحناف. وكان جزءاً من مخطط الخلافة العباسية لاستعادة وضعها الاستقلالي، عن طريق استعادة نفوذها في الشارع بإعادة حلفائها الدينيين إلى الواجهة".

في كتابه "الاجتهاد الكلامي" كتب عبد الجبار الرفاعي: "كان الاعتقاد القادري أخطر وثيقة تصادر حق التفكير وحرية فهم العقيدة، جرى تداولها مدة ليست قليلة، وصارت من التقاليد المتعارف أن تتكرر تلاوتها كل مرة في المناسبات الهامة وقتئذٍ، وحرصت السلطة على إسباغ المشروعية على هذا الاعتقاد، عبر حشد فتاوى وآراء جماعة من الفقهاء والمحدثين، ففي عام 460 هـ تلا الاعتقاد القادري، في الديوان بناء على طلب الفقهاء وأعيان الحديث، الذين أجمعوا على أن من لا يُكفّر من يُكفّرهم الاعتقاد فهو كافر".

عُرفت هذه الوثيقة باسم "الاعتقاد القادري-القائمي" نسبة إلى القادر بالله، وابنه وخليفته القائم بأمر الله، وظل الحنابلة يُطالبون بقراءتها في دار الخلافة، والجوامع كلما علا صوت خصومهم، فكانت كالسيف المسلط على رقاب من يخالفهم قيد أنملة.

الأشعرية عقيدة السلاطين

دخلت الدولة السلجوقية بغداد عام 447 هـ، في عهد القائم بأمر الله، بعد انتصار السلاجقة على البويهيين. ومال السلطان طغرلبك إلى عقيدة أهل الحديث، وقام باضطهاد الأشاعرة إرضاءً لعامة بغداد طمعاً بوقوفهم في صفه. ومع استقرار السلاجقة، انتقلت الدولة إلى دعم الأشاعرة على حساب الحنابلة.

يقول حافظ: "كان السلاجقة سنة، على المذهب الحنفي، ولم يسعوا لفرض مذهب معين، لكن انتصر الوزير القوي نظام الملك للأشاعرة، كفكرة أيديولوجية تحمي سلطنة السلاجقة، إذ لم يكن بإمكانه التحالف مع أهل الحديث الموالين للعباسيين، فبحث عن حلفاء جدد من أهل السنة، وأعداء لأهل الحديث، فاختار الأشاعرة والشافعية، ولم يختر المعتزلة لانحيازهم في ذلك الوقت للشيعة".

أسّس نظام الملك المدارس الدينية لتدريس العقيدة الأشعرية والفقه الشافعي، لمواجهة الشيعة أولاً، والحنابلة الموالين للعباسيين بدرجةٍ ثانيةٍ، وكُتب للتحالف السلجوقي مع الأشاعرة – الشافعية الاستمرار لقرونٍ، مع الدويلات التي خرجت من رحمهم، من زنكيين وأيوبيين ومماليك، ما أدى، بحسب حافظ، إلى ترسيخ العقيدة الأشعرية، وانعزال الحنابلة عن الشارع. وهي كذلك إلى اليوم في مؤسسات دينية رسمية منها الأزهر الشريف في مصر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard