"كوير وبيخير"... فنانون مغاربة في مواجهة الصورة النمطية لمجتمع الميم- عين

الأربعاء 11 أغسطس 202110:21 ص

حدث ذلك منذ سنتين، في صيف 2019، حين رُفع علم المثلية في حفل موسيقي لفرقة "مشروع ليلى" اللبنانية، بمهرجان "موازين، إيقاعات العالم" بالمغرب، فنجم عن ذلك جدل واسع في الوسط الفني والإعلامي بالمغرب، بين التجريم والتحريم.

ولم تكن تلك المرة الأولى التي تُثير فيها هذه الفرقة ضجة بفعل حدث مشابه. إذ تخضع المثلية الجنسية في المغرب للمادة 489 من القانون الجنائي، التي تنصّ على أنه "يُعاقب بالسجن من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، وغرامة من مائتين إلى ألف درهم، من ارتكب فعلاً من أفعال الشذوذ الجنسي مع شخص من جنسه، ما لم يكوّن فعله جريمة أشد".

ولا يتعلق الأمر هنا بقضية هامشية، إذ عرفت سنة 2019 على سبيل المثال اعتقال العشرات بتهمة "المثلية الجنسية". ولا يزال المجتمع المغربي يتعامل مع المثلية الجنسية على أنها انحراف يستوجب الردع والتقويم. لذلك نتساءل في هذا المقال عن دور الفن في كسر هذا الرهاب والسردية النمطية عن مجتمع المين-عين، ونخوض في الأسئلة المتعلقة بالتعددية الجنسية والجنسانية والجندر مع مجموعة من الفنانين الشباب المغاربة، الذين يحاولون ترميم وعي المجتمع وخلخلة المفاهيم حول الموضوع الكويري الذي لا يزال يثير الجدل والبلبلة.

في صيف 2019، رُفع علم المثلية في حفل موسيقي لفرقة "مشروع ليلى" اللبنانية، بمهرجان "موازين، فنجم عن ذلك جدل واسع في الوسط الفني والإعلامي بالمغرب، بين التجريم والتحريم

"حشومة"

تعد الفنانة المعاصرة زينب فاسيكي (1994) من الأسماء الأكثر إثارة للجدل في الوسط الفني مؤخراً؛ وهي فنانة قصص مصورة bédéiste مهتمة بالقضايا النسوية. ألهمتها القصص المصورة اليابانية والأمريكية لتصبح رسامة كاريكاتير وتصدر كتاب "حشومة الجسد والجنس في المغرب"، وهو دليل بسيط مرسوم يشرح الهويات الجندرية التوجهات الجنسية والجسد، وكلها مواضيع لا يمكننا تعلمها، سواء في المدرسة أو في البيت.

زينب فاسيكي

 ونقرأ في تقديمها للكتاب: "إنها دعوة للتسامح مع المغاربة لوضع حدّ للتطرّف والعنف على أساس الجندر والتوجّه والمعتقدات. حشومة هو الكتاب الذي كنت بحاجة لقراءته عندما كان عمري 15 عاماً، ولو كان لدي وقتها، لما استغرق الأمر مني سنوات لفهم جسدي في مجتمع يعاقب على أبسط الحقوق".

من أعمال زينب فاسيكي

وترى زينب فاسيكي بأن "الفن النسوي في المغرب يعود إلى القرن العشرين مع ظهور أسماء نسائية من الطبقة البرجوازية"، لكن قدوتها كانت ولا تزال الفنانة الرائدة الشعيبية طلال، وهي الفنانة الأشهر في تاريخ المغرب، عانت في بداياتها من الإقصاء والرفض وعدم تقبل الوسط التشكيلي لفنها، خصوصاً أن معظم مجايليها حظوا بتكوين أكاديمي ودرسوا التشكيل في المعاهد العليا في المغرب وأوروبا، في حين كانت هي بدوية غير متعلمة، وأرملة فقيرة تعمل خادمة في البيوت.

من أعمال زينب فاسيكي

ولا ينفصل الاشتغال الفني عند فاسيكي عن النضال النسوي، ما يجعل أعمالها تُصنّف ضمن خانة Artivism (الفن-النشيط) الذي يسعى لجعل الفن ملتزماً بالقضايا السياسية والهموم المجتمعية. وهو ما خلق لها اشتباكات دائمة مع الجمهور الذي كثيراً ما انتقد أعمالها التي تحتفي بالجسد الأنثوي وتلتقطه في كل حالاته.

وكانت فاسيكي في التاسعة عشر من العمر حين خطّت أولى رسوماتها "العارية"، إثر تحرش لفظي وجسدي تعرّضت له في مرحلة تدريبها خلال دراستها للهندسة الميكانيكية؛ فكان الرسم بمثابة الخلاص النفسي والنجاة من الانتحار كما صرّحت لرصيف 22.

تخضع المثلية الجنسية في المغرب للمادة 489 من القانون الجنائي، التي تنصّ على أنه "يُعاقب بالسجن من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، وغرامة من مائتين إلى ألف درهم، من ارتكب فعلاً من أفعال الشذوذ الجنسي مع شخص من جنسه، ما لم يكوّن فعله جريمة أشد"

وتضيف: "الفن علاج... علاج ونشوة في الآن نفسه، وفعلٌ يوازي الفعل الجنسي"، لكن لا يمكن للفن أن يكون سلاحاً للتحرّر، بالنسبة لها، بالسهولة التي تبدو، لكنه نقطة بدء، لأنه يمكّن من تجاوز مفهوم "الحشومة" (العيب والصمت والحرام في مصطلح واحد)، ولهذا لا بد من تعرية الجسد، فتاريخ الفن عامر بالأجساد العارية والأعمال التي مُنعت لكنها في آخر المطاف انتصرت وغيّرت العقليات.

كوير وبيخير"

إناس بوعلو (1994) فنانة بصرية معاصرة، اختارت الفوتوغرافيا والكولاج والمونتاج الفوتوغرافييْن مُنطلقاً للتعبير عن أفكارها ورؤيتها الفنية تجاه الجسد بكل تعدديته الجندرية.

من أعمال إناس بوعلو

تتخذ بوعلو شعاراً نضالياً أساسياً في اشتغالها الفني: "كوير وبيخير"؛ وتقول في حديث لرصيف 22: "في الواقع، كانت كلمة queer عبارة عن إهانة للإشارة إلى شخص غريب وغير سوي، وقد تبنى الناشطون في الستينيات المصطلح لنقله كي يدلّ على الفخر لا الإهانة. كوير يعني أيضاً أنك خارج الصندوق، خارج القاعدة، خارج المعياري والسائد".

وهو بالتالي نوع من الالتزام تجاه القضايا المثلية والتحررية، وتجاه اعتبار أفراد مجتمع الميم-عين جزءاً لا يتجزأ من النسيج المجتمعي بكل أطيافه.

وقد لا تكون أعمال إناس بوعلو قد تعرّضت لنفس الهجوم الذي تعرضت له أعمال زينب فاسيكي، لكنها تظل منجزة بنفس الحدّة، وتتقاطع معها في كونها نتاجاً للفن النشيط الذي يسعى إلى الخروج بأفراد نُعتوا بالأقليات، من الظل إلى الاعتراف بهم وبوجودهم في المغرب.

من أعمال إناس بوعلو

وحين نسأل إناس عن السبب وراء اختيارها للفوتوغرافيا كوسيلة للتعبير، تقول: "أعتبر نفسي شخصاً بصرياً، ولا أعرف ما إذا كان الأمر موهبة أو تقنية أو ممارسة، لكن هذا هو شغفي ومهمتي. حتى عندما لا ألتقط الصور بالكاميرا، أفعل ذلك بعيني".

لا يزال المجتمع المغربي يتعامل مع المثلية الجنسية على أنها انحراف يستوجب الردع والتقويم

وكما لا نستطيع فصل الفوتوغرافي عن الشعري لدى إناس بوعلو، لا نستطيع فصل عملها عن الجسد الذي تصفه بأنه "يخضع للتنميط والرؤية الجنسية sexualisation في مجتمع مُحبِط ومتحيّز، ينظر إلى الجسد الأنثوي باعتباره عمل شيطان.

لذلك يظل استخدام الجسد كموضوع، بمثابة المصالحة مع الأشياء والتفاصيل التي نكرهها في أعماقنا أولاً، قبل التصالح مع ضغوط المجتمع ونظرته المتفحصة الناقدة التي ترمينا في دوامة من التعب والقلق".

القلق هو الشبح العنيد الذي يطارد أفراد مجتمع الميم في البلدان العربية، وهو ما تسعى إناس بوعلو إلى محاربته بصورها الفوتوغرافية التركيبية، التي تدمج فيها جسدها بأعمال فنية أخرى في أبعاد تكعيبية سريالية، أو تجعله عارياً إيروتيكياً في مواجهة نفسه.

ضد المعايير السائدة للنوع الاجتماعي/ الجندر

لا يمكننا أن ننكر أن أيوب أو أيوبة الحمري، كما تختار هذه الشخصية الفنية المتمرّدة تسمية نفسها، تتمتع بقوة وجرأة كبيرتين. إذ تعلن هذه الفنانة (وقد اختارت أن نكتب عنها بصيغة المؤنث) نفسها أنها ليست ثنائية التوجه الجنسي وهو الأمر الذي سيرسم معالم نضالها وهويتها. وقد تخلت عن دراسة الفيزياء والكيمياء لإلقاء نفسها جسدا وروحاً في عالم الجمعيات والنضال من أجل حقوق المثليين والمثليات ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسية في المغرب.

أيوبة الحمري

أيوبة تجعل من جسدها الموديل أو الـ muse للصور والأعمال التي تنجزها، ولأعمال فوتوغرافية من توقيع فنانين آخرين، أمثال إنس بوعلو التي اشتغلت معها. وتُعرّف نفسها دائماً بأنها ناشطة من أجل القضية النسوية وحقوق مجتمع الميم.

أما عن تفضيل اسم أيوبة بدلا عن أيوب، تخبرنا الفنانة: "اخترته لأنه يعكس شخصيتي غير الثنائية بشكل كبير، ولم أكن أرغب بتغيير اسمي بشكل كامل، لأنني لم أغير شيئاً، فأنا هي أنا".

بين أيوب وأيوبة نقف أمام أعمال فوتوغرافية لا تتنصّل من الجسد بل تجعله مركزاً لها، متحرّراً من القيود من أجل جعل المثلية ظاهرة طبيعية لا أمراً يُنعت بالشذوذ، فالجسد عند أيوبة هو نوع من المقاومة التي قد تغير القوانين والعقليات، وصرخة كرامة في وجه القوانين الظالمة والمعاملة الخالية من المساواة والرقابة والانتهاكات الطبية والعنف الأسري.

إمكانية التغيير

أما بالنسبة للفنانة البصرية هاجر حسني، فالفن لا يكترث للهوية الجندرية، بل يتقبّل الجميع تحت جناحه، تقول: "أغلب الفنانين يشاركون الكوير كونهم أقلية لا يُنصفها المجتمع عادة، وينظر إليها كعضو غريب من أعضائه، لا يعلم سبب وجوده لكنه لا يستطيع استئصاله، فالفن، كان ولا يزال طريق الحالمين والمختلفين لإيصال رسالتهم".

من أعمال هاجر حسني

هكذا ترتفع أصوات كل من زينب وأيوبة وإناس وهاجر لمخاطبة الآخر البعيد، الخائف والمقهور والمتردّد، ذلك الذي يقبع في الجانب المظلم من الصورة

 الحالمون والمختلفون كلهم كوير، بالنسبة لهاجر حسني، وبالتالي مقولة "كوير وبيخير" هي اعتراف بالهوية لمن سُلبت منه هويته بسبب الاختلاف. تقول: "الكوير غالباً منبوذون من المجتمع، وفي أغلب الأحيان يعتبرنا حتى أقرب الناس إلينا عاراً. لكن يكفيك فخراً أن تكون فخوراً بنفسك، وهذا ما تعنيه هذه الجملة بالنسبة إلي".

جعلت هذه الفنانة من جسدها سلاحاً في مواجهة النمطي والمعتاد، من أجل إحداث التغيير المرجو، لأنها تؤمن بأن المغرب يمر بفترة تحوّلية مشابهة لتلك التي مرت بها أمريكا، حيث يقوم الفن تدريجياً بتغيير الأفكار الجاهزة ونشر مناخ أكثر انفتاحاً وتقبلاً للآخر.

المواجهة

هكذا ترتفع أصوات كل من زينب وأيوبة وإناس وهاجر لمخاطبة الآخر البعيد، الخائف والمقهور والمتردّد، ذلك الذي يقبع في الجانب المظلم من الصورة، كي يرى أن هناك من يُشاركه فيما يعيشه، ويمكن أن يمدّه بأدوات إضافية للمواجهة، من أجل تحدي الصور النمطية في ظلّ البطش والتنكيل وادعاء "إفساد الثقافة المحليّة بأفكار غربيّة"،  كركيزة يستغلها السياسيون ورجال الدين في خطابات كثيرة في المنطقة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard