"أكثر من مجرد احتفال"... ماذا يقول الناشطون/ات في مجتمع الميم-عين عن مسيرات الفخر؟

الاثنين 7 يونيو 202105:59 م

تندرج هذه المقالة ضمن مشروع "رصيف بالألوان"، وهي مساحة مخصّصة لناشطين وناشطات وأفراد من مجتمع الميم-عين أو داعمين لهم/نّ، للتحدّث بحرية ودون أي قيود عن مختلف التوجّهات الجنسية والجندرية والصحّة الجنسية، للمساهمة في نشر الوعي العلمي والثقافي بقضايا النوع الاجتماعي، بمقاربات مبتكرة وشاملة في آن معاً.

يحتفل مجتمع الميم-عين (يشير هذا الاختصار للمثليين والمثليات وثنائيي الميول الجنسية والعابرين والعابرات جنسياً وجندرياً، أيضاً يسمون بالمجمل "أشخاص كوير")، في مختلف أنحاء العالم في يونيو/حزيران من كل عام، بشهر الفخر، حيث تخرج مسيرات احتفالية، يعبّر فيها المجتمع عن فخره بنفسه وبتعبيره عن نفسه وعن ميوله وظهوره في المجتمع.

تعتبر مسيرات الفخر هذه، مضادة للعنصرية الجنسية وتتصدى لرهاب المثلية والعبور، ويقوم خلالها الناشطون/ات برفع أعلام قوس القزح التي ترمز للتنوع والاختلاف، للاحتفال وتكريم تاريخهم/نّ وإنجازاتهم/نّ والاحتفاء بمن لقوا حتفهم بسبب العنف من المجتمع ودعم مجتمعاتهم/نّ، وتجديد الالتزام بالدفاع عن حقوقهم/نّ.

رفع علم قوس قزح خلال مسيرة للاحتفال باليوم العالمي للمرأة في العاصمة بيروت ، في 8 مارس 2020- المصدر: AFP

كيف بدأت مسيرات الفخر في العالم؟

يعود تاريخ شهر الفخر لأحداث ستونوول التي وقعت في العام 1969 في مانهاتن، نيويورك، حيث اقتحمت الشرطة نزل ستونوول Stonewall Inn، وهو بار شعبي لمجتمع الميم-عين، وألقت القبض على بعض ممن كانوا فيه، ما دفع المجتمع المحلّي إلى الردّ على عنف الشرطة عبر احتجاجات قادتها نساء عابرات جنسياً واستمرت ثلاثة أيام، وأصبحت إلهاماً لمسيرات الفخر اليوم حول العالم.

ورغم أن القوانين في أغلب بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تجرّم المثلية الجنسية، وتوجه تهم الآداب العامة والتشبه بالجنس الآخر وغيرها للعابرين/ات جنسياً، وغيرهم من الأشخاص غير المعياريين في تعبيراتهم الجنسية أو الجندرية، إلا أن محاولات الاحتفال بهذا الشهر تنوّعت بين تنظيم فعاليات على أرض الواقع أو عبر الإنترنت.

يحتفل مجتمع الميم-عين في مختلف أنحاء العالم في يونيو/حزيران من كل عام، بشهر الفخر، حيث تخرج مسيرات احتفالية تسمى بـ"مسيرات الفخر"، يعبّر فيها المجتمع عن فخره بنفسه وبتعبيره عن نفسه وعن ميوله وظهوره في المجتمع

ففي بيروت مثلاً، كانت هناك محاولات منذ العام 2017 لتنظيم مسيرة في شوارع بيروت، سُميت ببرايد بيروت (Beirut Pride)، إلا أن الجهات الأمنية لم تسمح بمثل هذه المسيرة، كما تعرّضت الفعاليات المصاحبة للهجوم من قبل مؤسسات دينية وأيضاً من ناشطين/ات لحقوق مجتمع الميم-عين وتوجيه انتقادات للأجندة وطريقة التنظيم.

في حين اقتصر إحياء شهر الفخر في بقية الدول على فعاليات عبر الفضاء الإلكتروني، تتضمّن نقاشات ونشر الصور بأعلام قوس قزح وغيرها من مظاهر الاحتفال.

أكثر من مجرد احتفال

يعتبر الاحتفال بشهر الفخر احتفاء بالأشخاص ومجتمع الميم-عين، كما أنه فرصة لتسليط الضوء على القمع والظلم الذي يتعرّض له هؤلاء الأفراد.

من هنا يعيب الكاتب المغربي المثلي هشام طاهر، على "إننا في القرن الواحد والعشرين، ومع ما وصلت إليه البشرية والعلم من تطورات، لا زلنا نمنع أفراداً من المجتمع أن يحبوا من يريدون، أو يعبّروا عن الجندر الموافق لهم/نّ".

وقال طاهر في حديث لرصيف 22: "أرى أن مسيرات الفخر مهمة جداً، كوننا لا نعيش في عالم طوباوي".

هذا واعتبر هشام طاهر أن مسيرات الفخر هي أكثر من مجرد احتفال: "إنها نضال وصوت أفراد لطالما وُضعوا في آخر اللائحة في أحسن الأحوال، أو غير معترف بهم كما هو الحال في العديد من الدول، كما أنها رسالة للدول التي تطالب أفراد مجتمع الميم-عين بدفع الضرائب كالجميع، وأن يعملوا حتى يكونوا أفراداً كاملين ونافعين للمجتمع، دون أن يكون لهم في المقابل حقوق كالجميع".

"إننا في القرن الواحد والعشرين، ومع ما وصلت إليه البشرية والعلم من تطورات، لا زلنا نمنع أفراداً من المجتمع أن يحبوا من يريدون، أو يعبّروا عن الجندر الموافق لهم/نّ"

واللافت أنه في مصر تبدو القبضة الأمنية على أفراد مجتمع الميم-عين أعنف وأشرس من سائر الدول، فقد تمّ القبض على أكثر من 50 شخصاً في العام 2017 خصعوا لاستجوابات ومحاكمات، وذلك في حملة انتقامية أعقبت رفع شخصين علم قوس قزح خلال حفلة غنائية.

من هنا رأت الناشطة النسوية المصرية العابرة جنسياً ملك الكاشف، أن "مسيرات الفخر هي وسيلة قوية للتحدث بصوت مسموع بشأن قضايا مجتمع الميم-عين. إنها آلية ظهور واحتجاج تتحدّث عن الوضع السيئ لمجتمع الميم-عين وتعكس مطالبه والعنف الواقع عليه، والقمع السياسي الممارس عليه من قبل الحكومات".

وأضافت لرصيف22: "أثناء اعتقالي في العام 2019، رفع مشاركون في مسيرة الفخر في مدينة نيويورك لافتة ضخمة تحمل اسمي وصورتي، وهو ما لفت انتباه الصحافة والمجتمع الدولي لوضعي في السجن ووضع العابرين/ات جنسياً في مصر، ما ساهم في الضغط على الحكومة المصرية. هذا مثال بسيط عمّا يمكن أن تقوم به مسيرات الفخر".

وفي حين أن مسيرة الفخر هي وسيلة لتوعية المجتمع عمّا يعانيه أفراد مجتمع الميم-عين، فهي أيضاً تُذكّر هؤلاء بأن هويّاتهم ليست معيبة، وفق ما قال حمادة، المدير التنفيذي لمنظمة "ظلال الأبنوس"، وهي مجموعة سودانية لمناصرة حقوق مجتمع الميم-عين، لرصيف22: "يجب أن نحتفل بمن نحن كالكثيرين حول العالم، ولكن خاصة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث نمر بمرحلة من كراهية الذات والشعور بالذنب بسبب نظرة المجتمع لنا".

وبدوره، رأى ألفن، وهو عابر جنسي من السعودية، وناشط في مجال حقوق مجتمع الميم-عين، في حديثه مع موقع رصيف22، أن مسيرات الفخر "ساهمت بنشر الوعي مجتمعياً، وأعطت مساحة أمان لأفراد مجتمع الميم-عين في الدول الآمنة، للتعبير عن ذواتهم/نّ ومشاركة المساحات العامة علناً مع أناس يلتقون معهم/نّ بنقاط نضالية معينة، ما يعود عليهم/نّ بتصالح ذاتي واطمئنان مجتمعي".

أما أميمة الدرمومي، مؤسسة منظمة "نسويات" المغربية، فقد اعتبرت أن "هذه اللحظات مهمة جداً، تذكرنا بأهمية النضال وكل ما مررنا به كمجتمع ميم-عين حتى الآن"، وأضافت لرصيف22: "في المغرب، ما زلنا نُعتبر كمجرمين/ات، ولهذا السبب، فإن مسيرات الفخر المختلفة التي شاركت فيها تجعلني أشعر بالحرية وبالفخر، أشارك فيها من أجل كل الأشخاص المضطهدين الذين لا يستطيعون القيام بذلك".

احتجاج خارج مركز شرطة حبيش في بيروت في 15 مايو 2016، للمطالبة بإلغاء المادة 534 من قانون العقوبات اللبناني-المصدر: AFP

الابتعاد عن الجوهر

للأسف، تحوّلت مسيرات الفخر في بعض الدول التي تسمح بها وتستضيفها إلى مهرجانات احتفالية بالكثير من الأزياء والأعلام الملونة، بالإضافة للموسيقى والرقص من مختلف أفراد المجتمع ومنظمات المجتمع المدني وليس فقط مجتمع الميم-عين، كما تشارك فيها بعض الحكومات وممثلون عن الأحزاب السياسية والشركات الكبرى التي لا تتوافق سياساتها بالضرورة مع ما يدعو له الحِراك نحو العدالة والحقوق للجميع.

ورداً على ذلك، اعتبر المؤسس والمدير التنفيذي لمنظمة "عراق كوير"، أمير عاشور، في حديثه مع رصيف22، أن مسيرات الفخر "مناسبات رمزية مهمة نستطيع من خلالها إرسال إشارة واضحة بأن حراك مجتمع الميم-عين موجود بقوة"، معرباً في الوقت نفسه عن أسفه لما وصلت إليه الأمور في السنوات الماضية: "ركّزت بعض المسيرات على الاحتفالات واستضافة المشاهير أكثر من الرسالة الحقيقية لها، وهي إيصال صوت المجاميع المهمشة وتحدّي السلطات التعسّفية".

وعليه، دعا عاشور منظمي/ات مسيرات الفخر حول العالم بأن يتذكروا/ن الهدف الرئيسي لهذه التحركات: "الاحتفالات مهمة ليحتفي أفراد مجتمع الميم-عين بإنجازاتهم خلال العقود الماضية، لكن يجب أيضاً تخصيص مساحات كبيرة للتحدث عن الانتهاكات التي تحدث".

بدوره، اعتبر مهدي شرف الدين، المدير المشارك ورئيس قسم الأمن في "المؤسسة العربية للحريات والمساواة"، بأن "الرأسمالية طغت على مسيرات الفخر في الكثير من البلدان كما تطغى على كل شيء"، مشدداً لرصيف22، على أن مسيرات الفخر هي "ردّ على الانتهاكات التي يواجهها المجتمع، كما أنها تعطي فسحة أمل وبقعة ضوء لأفراد يعيشون في الظل".

 "سنستمر بالتواجد والظهور وسنعمل على قضايانا حتى تصبح أمراً واقعاً أمام المجتمعات والأنظمة بشكل لا يمكن تجاهله، حتى تُحذف القوانين المجحفة، فيصبح تواجدنا في بلداننا أكثر أماناً، دون أن تعتبرنا المجتمعات والأنظمة مجموعة من الخارجين عن القانون"

وعن دعم السياسات والأنظمة القمعية لمجتمع الميم-عين وتهميش فئات معينة من المجتمع، قالت الباحثة الاكاديمية في دراسات الجندر والجنسانية اللبنانية هيفاء علي، لرصيف22: "أحترم تاريخ مسيرات الفخر الثوري، فهي جاءت للمطالبة بالحقوق وتغيير الخطاب حول الجنسانية والجندر، كما أن مسيرات الفخر انطلقت بنساء عابرات، وهنّ اللواتي دفعن ولا يزلن يدفعن الثمن في مقدمة الصراع الذي نخوضه سياسياً واجتماعياً".

وأضافت: "كما جاءت هذه المسيرات كردّة فعل على عنف الشرطة الذي نراه اليوم يتكرّر في أماكن مختلفة، في فلسطين، الولايات المتحدة الأميركية ضد السود، وفي لبنان ضد المتظاهرين/ات، ولكنه للأسف أصبح في بلدان العالم الشمالي (أوروبا وأميركا الشمالية) مهرجاناً للرجال المثليين، وتم تفريغه من طابعه السياسي، فقط لأن فئة معينة أخذت حقوقها، كما منحت المسيرات الفرصة لبعض الأنظمة لتبييض صورتها والتطبيع مع سياسيات سيئة".

 أثناء المشاركة في مظاهرة مناهضة لرهاب المثلية الجنسية في بيروت في 30 أبريل 2013-المصدر: AFP

رسائل مجتمع الميم-عين

نظراً لعدم قدرة أفراد مجتمع الميم-عين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على الخروج في مسيرات الفخر، أحب بعض الناشطين/ات توجيه رسائل هادفة، عبر رصيف22.

فقد توجه هشام طاهر في حديثه لأفراد في مجتمع الميم-عين، بالقول: "أنتم/ن موجودين/ات. حياتكم/نّ مهمة. وأصواتكم/نّ أصبحت تُسمع بفضل تقبلكم/نّ لأنفسكم/نّ. سيأتي اليوم المشرق، حيث لن نخاف من الخروج، من الحياة ومن الحب. أحبوا أنفسكم/نّ، حب الآخرين سيأتي فيما بعد، تقبلوا أنفسكم/نّ، تقبل الآخرين سيأتي فيما بعد".

يدفعنا كرهكم/نّ لنصبح أقوى وألا نتخلى عن قضيتنا وهوياتنا أبداً

وأكدت ملك الكاشف: "سنستمر بالتواجد والظهور وسنعمل على قضايانا حتى تصبح أمراً واقعاً امام المجتمعات والأنظمة بشكل لا يمكن تجاهله، حتى تُحذف القوانين المجحفة، فيصبح تواجدنا في بلداننا أكثر أماناً، وحتى نحصل على حقوقنا في مواطنة كاملة في بلداننا، وحقوقنا الاقتصادية والاجتماعية وحق المشاركة في الحياة السياسية، دون أن تعتبرنا المجتمعات والأنظمة مجموعة من الخارجين عن القانون".

ونظراً لكون مجتمع الميم-عين يحارب النظرة الذكورية التي تمنح أفراداً تبعاً للجنس الذي يولدون به أدواراً اجتماعية معينة وامتيازات أقل أو أكثر، حسب المعايير الاجتماعية، دعا مهدي شرف الدين لاحترام حقوق الإنسان من خلال دمج الجميع في عملية صنع القرار دون تهميش أي فئة، مشيراً إلى أن "المعايير الاجتماعية السائدة لا تفيد سوى طبقة واحدة من المجتمع، ولا تصبّ إلا في خانة الذكورية الأبوية التي دمّرت بلاداً وشرّدت شعوباً".

وفي الختام، وتعليقاً على انتشار رهاب المثلية ورهاب العبور الذي تعبر فيه بعض المجتمعات عن كراهيتها وتمييزها ضد هذه الفئة، في ظل قوانين لا تحفظ حقوق الأفراد، قالت الناشطة أميمة الدرمومي: "يدفعنا كرهكم/نّ لنصبح أقوى وألا نتخلى عن قضيتنا وهوياتنا أبداً، نحن جميلون/ات ونحن محبوبون/ات كما نحن ولن نكون وحدنا أبداً".

هذا المشروع بالتعاون مع المؤسسة العربية للحريات والمساواة AFE وبدعم من سفارة مملكة هولندا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard