"اعرفونا قبل ما تعرفونا"... حملة لمواجهة خطاب الكراهية ضد مجتمع الميم-عين

الجمعة 4 يونيو 202104:28 م

يقدم رصيف22 هذه المقالة ضمن سلسلة تغطي ثلاث حملات تسلّط الضوء على أبرز الانتهاكات التي يتعرّض لها أفراد المجتمع الكويري في العالم العربي، وقد عملت عليها مجموعات مختلفة من منظمات عربية بارزة، بعد المشاركة في دورة تدريبية من تنظيم معهد صحافة الحرب والسلام IWPR.

في المنطقة العربية، كثيراً ما تعمد قنوات تلفزيونية معروفة لاستغلال قضايا مجتمع الميم-عين، لإنتاج حلقات "ساخنة" تُلهب حماس الجمهور وتثير فضوله، فتحقق نسبة مشاهدات عالية، بل قياسية، إنما على حساب المحتوى والمضمون نفسه.

ففي الكثير من الأحيان، تنطوي الحلقات التلفزيونية التي يُراد منها تسليط الضوء على قضايا وهواجس مجتمع الميم-عين، على الكثير من الإهانات الجارحة للأفراد المعنيين وتوبيخهم مباشرة على الهواء، وذلك من قبل رجال دين متشددين وأشخاص من "أهل الاختصاص" يتحدثون عن المثلية الجنسية بطريقة مسيئة، ويكرّسون من خلال خطاب الكراهية، الصور النمطية والأفكار المغلوطة عن المجتمع الكويري، بالإضافة لتعزيز التمييز وتعريض الأفراد الذين/ اللواتي لديهم/نّ هويات جندرية غير معيارية، أو توجهات جنسية وخصائص جنسية غير نمطية، للخطر.

وهكذا، تبدأ حلقة الإذلال والشخصنة، وقولبة الموضوع بما يخدم السردية المتعارف عليها والتي لا تحترم الحريات الشخصية والهويات الجنسية والجندرية للأفراد.

تعزيز الصور النمطية

عند تناول قضايا المثلية الجنسية، تعمل البرامج المرئية في الغالب على تقديم الموضوع في صيغة تعزّز الصورة النمطية للمجتمع الكويري، دون إعطاء المشاهدين/ات معلومات كافية وصحيحة عن قضايا وتحديات مجتمع الميم-عين، ودون الاهتمام بمنح الضيوف وقتاً كافياً للتعبير عن أنفسهم/نّ وتقديم هوياتهم/نّ، هذا بالإضافة إلى انتهاك الخصوصية والاستخدام المعتمد للضمائر غير الصحيحة.

في حديث لرصيف22، تقول ياسمين، التي تنشط في مجال حقوق المجتمع الكويري في لبنان والمنطقة العربية، وهي المديرة الفنية لمنظمةhaven for Artists: "يحدث أن يتفاجأ الضيف/ة مباشرة على الهواء أن الـشخص الـمُحاوِر لا يحترم الاتفاق الذي سبق أن عُقد بينهما تحت الهواء، كأن يتعمّد مثلاً مناداة الضيف/ة بضمائر المخاطب (أنتَ، أنتِ) غير تلك التي تمّ الاتفاق عليها قبل الحلقة".

ترى ياسمين أن مزاحمة وسائل الإعلام الحالية هو أمر صعب على أرض الواقع، وتميل إلى ضرورة التعاضد وخلق ميديا موازية لا تكون للمجتمع الكويري فقط، بل لكل الشرائح بخاصة تلك التي تعاني من التمييز وخطاب الكراهية.

وعليه، تعمل ياسمين ضمن فريق مكوّن من خمس مؤسسات مناهضة لخطاب الكراهية ضد المجتمع الكويري في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، هي: المؤسسة العربية للحريات والمساواة afe (لبنان)، منظمة حلم (لبنان)، مؤسسة أطياف، (مصر)، منظمة موجودين (تونس) ومنظمة haven for Artists (لبنان)، وهي مؤسسات منخرطة تحت مظلة ائتلاف اتحاد، الذي نما فيه العنوان العام للحملة: "الاختلاف ليس جريمة"، قبل أن يفرّع الفريق العنوان الخاص بحملة المناصرة المناهضة لخطاب الكراهية: "اعرفونا قبل ما تعرفونا".

تحريك الرأي العام

كثيراً ما تأمَن القنوات جانبَ الرأي العام الذي لا يحاسبها في الغالب على تجاوزاتها ومواقفها العدائية، وتتمادى في ممارسات تتنافى مع أخلاقيات المهنة المتعارف عليها أو مدوّنات السلوك المصاغة من قبل الجهات المختصة.

ثمة أمثلة كثيرة على انتهاكات ينتهجها أفراد ومؤسسات إعلامية، منها على سبيل الذكر ما يقوم به إعلامي لبناني معروف، يستضيف مثليين/ات أو شخصيات عامة يقدمها على أنها مثيرة للجدل، في حوار يُدار في قفص، يبدو كأنه قفص اتهام، في وجود سلاسل وكرسي اعتراف، ويستمر في إزعاج الضيف/ة، تارة عبر عرض آراء من الشارع يقدمها على أنها "الرأي العام"، والتي تحوي في مجملها إهانات يطلب المحاور من الضيف/ة أن يتقبلها "بلا زعل"، وتارة أخرى بعرض صور شخصية ومقاطع فيديو حساسة، يتضح من خلال عرضها أن المقدم يصر على إظهار الضيف/ة في صورة الشخص غير السوي، أو في أحيان أخرى تقديم القصة على أنها "فضيحة".


عند تناول قضايا المثلية الجنسية، تعمل البرامج المرئية في الغالب على تقديم الموضوع في صيغة تعزّز الصورة النمطية للمجتمع الكويري، دون إعطاء المشاهدين/ات معلومات كافية وصحيحة، ودون الاهتمام بمنح الضيوف وقتاً كافياً للتعبير عن أنفسهم/نّ وتقديم هوياتهم/نّ، هذا بالإضافة إلى انتهاك الخصوصية والاستخدام المعتمد للضمائر غير الصحيحة

في هذا السياق، تحدث أحد مؤسسي "أطياف" لرصيف22، وهو ناشط في مجال حقوق المجتمع الكويري في مصر، عن دور الرأي العام في الضغط على المؤسسات، أو في تساهلها إذا ما غضّ البصر عن تجاوزات المنتسبين/ات إليها: "حدث أن استعملت مُقدِّمة برامج معروفة في قناة مصرية خطاباً جارحاً لأصحاب الوزن الزائد، واصفة أن الناس (التخينة) ميتة، وأن هؤلاء الأفراد "يشكلون عبئاً على أهلهم وعلى الدولة، ويشوّهون المنظر"، فانتفض ضدها الشارع المصري، وإثر ذلك، استجاب المجلس الأعلى للإعلام بإيقاف البرنامج، وأحال المذيعة إلى التحقيق، لينتهي الأمر بقرار إيقاف ظهورها الإعلامي لمدة عام.

لكن المذيعة ذاتها، حسب ما أكد الناشط، "استضافت في مناسبات متفرقة أخرى مثليين/ات ولا دينيين/ات، وقدمتهم/نّ بصورة غير لائقة، مستعملة عبارات جارحة وخطاباً يحمل تحريضاً مبطناً، كما تعمّدت في أحد اللقاءات إهانة إحدى ضيفاتها على الهواء وتوبيخها ثم طردها من البرنامج، دون أن تتخذ المؤسسة بحقها أي إجراء".

رغم أن الكثير من القنوات، تبدو حريصة على مراعاة مدونات السلوك والتقيّد بأخلاقيات المهنة التي تنبذ التطبيع مع التحريض واستعمال تعابير جارحة، إلا أنها كثيراً ما تمارس خطاب الكراهية والتحريض ضد أفراد أو فئات محددة، غير آبهة بتجاوزات المذيعين/ات لديها ما دامت تضمن أن الرأي العام لا ينتفض ضدها، وفي المقابل يتمادى الإعلاميون/ات في ممارساتهم/نّ عن قناعة بأنهم/نّ في مأمن من الملاحقة.

في تونس ينتشر العنف الرقمي ضد المثلية الجنسية، وكثيراً ما شُنّت حملات كراهية وتحريض على المجتمع الكويري، من أبرزها حملة مكثفة عبر إنستغرام في العام 2020، معادية للمثلية الجنسية، شنّتها ناشطة تحظى بشريحة واسعة من المتابعين/ات.

كانت هذه الحملة، على غرار حملات أخرى، تنطوي على الكثير من السخرية والتشويش وحتى التحريض، غير أن تحركات حقوقية لناشطات ونشطاء، أحسنت التعامل مع الموقف، وانتهى الأمر بتجميد الحساب على إنستغرام وحذف المنشورات المحرضة على الكراهية.

أما خطاب الكراهية في القنوات المرئية التونسية، فيبدو، للوهلة الأولى، أقل وطأة من نظيره المنتشر في فوضى الفضاء الرقمي، غير أن مواقف التمييز والهلع من المثلية الجنسية تظهر بين الحين والآخر.

ومن بين الأمثلة المشهورة أيضاً، رد فعل أحد الحكام في برنامج مواهب تونسي، ضد أحد المشاركين، بحيث امتنع عضو لجنة التحكيم في البداية عن الحديث مع المشترك، مديراً ظهره له، ثم، وبعد طلب مقدم البرنامج، وجه ملاحظات قاسية على طريقة رقص المشترك التي وصفها بأنها "أنثوية"، مستعملاً عبارات جارحة لم يعترض عليها مقدم البرنامج ولا باقي أعضاء لجنة التحكيم.

المثلية ليست "انحراف"

في البرامج التي تستضيف مثليين/ات وأفراد من مجتمع الميم-عين، غالباً ما تُقدّم المثلية الجنسية على أنها سلوك خاطئ أو "انحراف" عن المجتمع يستوجب "التقويم" والإرجاع إلى جادة الصواب.

وفي المقابل، تتم استضافة رجل دين يمضي أبعد من صلاحياته ليعطي استشارة نفسية وتقريعاً أحياناً، أو أخصائي/ة في علم النفس يفتقر لأدنى المعايير والأخلاقيات المهنية ويجعل رهاب المثلية يطفو على السطح، هذا ويسهم المحاور/ة، بطريقة أو بأخرى، في تعزيز خطاب الكراهية هذا.

تتحدث ياسمين لرصيف22، عن مواقف متحاملة يحملها أخصائيون/ات في علم النفس، لا يراعون تطور التصورات الحديثة عن قضية المثلية الجنسية: "يحدث أن يركّز كل من الأخصائي/ة والمحاور/ة على القصة الشخصية للضيوف والنبش في طفولتهم/نّ لغرض إيجاد أية واقعة عنف أو استغلال، ليتم توظيفها على أنها سبب هذا (الانحراف) المفترض، دون البحث الحقيقي وراء سياق الأحداث".

في البرامج التي تستضيف مثليين/ات وأفراد من مجتمع الميم-عين، غالباً ما تُقدّم المثلية الجنسية على أنها سلوك خاطئ أو "انحراف" عن المجتمع يستوجب "التقويم" والإرجاع إلى جادة الصواب

تضيف ياسمين، بخصوص الربط بين الصحة النفسية والمثلية الجنسية: "بالتأكيد يحدث أن يعاني المثلي/ة من إشكالات نفسية ناتجة عن الضغوط المحيطة، لكن الربط المتعنّت بين الأمرين لغرض جعل المثلية اختلالاً نفسيّاً هو أمر يُراد به تعزيز السردية الشائعة ليس إلا".

وفي الختام، يشدد فريق الحملة، على ضرورة تتبع مصادر تمويل هذه البرامج التلفزيونية أو المؤسسات الإعلامية التي تنتجها، وأهمية المضي قدماً في تقديم دليل (guideline) عبر رسالة مفتوحة للقنوات والجهات الممولة، وهو الأمر الذي تقوم به حملة "اعرفونا قبل ما تعرفونا"، إذ نشرت دليلاً يضم 10 نقاط رئيسية، تمثل تنبيهات أساسية للممارسات الإعلامية الضارة الشائعة بحق أفراد مجتمع الميم-عين، مع اقتراح ممارسات بديلة.

تجدر الإشارة إلى أن معهد صحافة الحرب والسلام (IWPR)، كان قد أعدّ ورشة تدريبية أثمرت عن حملة "اعرفونا قبل ما تعرفونا"، بالتوازي مع حملة "ما عيب" التي تركز على دعم المجتمع الكويري في الوصول إلى حقه في الرعاية النفسية، وحملة "فحوص العار" التي تناهض ممارسات سلطات بعض الدول العربية لفرض الفحص الشرجي القسري.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard