"إله النهود والنبيذ"... قصير القامة في الحب والشغل

الأحد 25 يوليو 202103:46 م

كانت "علياء" تصغرني بـ 6 أعوام كاملة، لكنها كانت أطول مني. كان الأمر يمثل مشكلة كلما مارسنا الجنس سوياً، لطالما بدوت كطفل صغير يرقد فوق جسد والدته، ولطالما ردَّدت ساخرة من طولي: "انت ممكن تدخل كلك على بعضك جوايا"، فأضحك، وأتذكر أول مرة أردت فيها مغازلة فتاة.

كنت في الجامعة حينها، نظرتْ إليّ من أعلى إلى أسفل متفحّصة، وقالت لي: "ياختي كميلة!!"، كناية على أنني ما زلت طفلاً على المغازلة.

في الثانوية العامة، لم يمثّل قصر قامتي مشكلة. كنت أبدو بريئاً للغاية ومحبوباً بشكل عام، حتى أنني كنت أستغل ذلك لأجلس مع المدرّسات في حجرتهن الخاصة، كالدمية التي يُعجب بها الآخرون، ولكن عندما بلغت ظهرت المشاكل.

"طولك أهم من دينك"

في كتاب Freakonomics، يكتب الاقتصاديان في جامعة شيكاغو، ستيفن ليفيت وستيفن دوبنر، إن قصار القامة أقلّ احتمالية من الناحية الإحصائية لتلقي ردود على تطبيقات المواعدة، وكونك تتلقى ردوداً فهذا يعني أنك تغلبت على واحدة من أكبر الصعاب التي يمكن أن تواجهك كقصير القامة، من خلال شخصيتك المذهلة.

في تطبيق "مودة" الخاص بالزواج والمواعدة، كنت قد سجّلت طولي بـ 164 سم، وسجّلت بأني غير مهتم بالدين. الردود التي كنت أتلقاها كانت قليلة للغاية، بمعدل رد واحد كل يومين أو أكثر، وبعد الرد والتواصل كان يتم رفضي (يقومون بحظري)، وحينما بدلت الرقم لـ 175 سم، باتت الردود أكثر، بمعدل 5 ردود يومياً تقريباً، رغم أني لم أبدل خانة اهتمامي بالتديّن.

الطول مهم ليس على تطبيقات المواعدة فحسب، بل في الواقع أيضاً، أعجبتُ بإحداهن وحين صارحتها، أخبرتني صراحة ودون مواربة: "انت قصير أوي... انت بتضحكني".

قلت في نفسي: "الحمد لله لم تقل أسمر وملحد أيضاً".

كنت أبدو مع صديقتي كطفل صغير يرقد فوق جسد والدته، وكانت تردد مازحة: "أنت ممكن تدخل كلك على بعضك جوايا"، "انت قصير أوي... انت بتضحكني"، "ياختي كميلة!!"

يدفعك الواقع أحياناً للتفكير خارج الصندوق، حين واعدت تلك الفتاة من على "السوشيال ميديا"، واتفقنا على اللقاء الأول، كان ما يدور في ذهني، هو قصر قامتي، هل ستتقبله أم لا؟ اضطررت أن أرتدي حذاء بنعل عالٍ كي يساهم في زيادة طولي حتى لو سنتيمترات قليلة.

رغم ذلك، لن أنسى تلك الفتاة التي قالت لي يوماً: "لا بأس بطولك، فأنا أحببتك على كل حال، وما دمت أحببتك فلا يمثل طولك بالنسبة لي أية مشكلة"، لكن علاقتنا لم تستمر رغم ذلك، انتهت لأننا تناقشنا في الأديان، لم تعجبها آرائي، فهي كانت محافظة نوعاً ما.

إن كنت طويلاً فهم ينسبون إليك الصفات الإيجابية أما إن كنت قصيراً فكل ما هو سلبي يخصّك. راقب هذه التعبيرات الدارجة "كل قصير مكير، وكل جني هو قصير، وابتعد عمن اقترب من الأرض وابتعد عن السماء".

مجموعة من المضحكين

صورة ساهمت في ترسيخها السينما المصرية، قصار القامة مجموعة من المضحكين لا أكثر، يُستخدمون ليكونوا مادة تظهر الحسّ الكوميدي الغائب لبطل العمل الفني، مثل أحمد آدم في فيلم "الرجل الأبيض المتوسط"، أو محمد صبحي في مسرحية "الهمجي"، أو إسماعيل ياسين في فيلم ابن حميدو، حينما استهزأ من الصبي القصير بـ"دا تقاوي راجل ولا إيه".

وكذلك في فيلم "مطاردة غرامية". "أنا مش قصير وأوزعة... أنا طويل واهبل"، هذا المشهد لفؤاد المهندس تحديداً لم يرقني دوناً عن البقية، أحد التعليقات التي كنت أتلقاها دوماً، "عشان تطول، ردد: أنا مش قصير وأوزعة، أنا طويل واهبل".

بعض مما تعلمه السينما للناس، ينتقل إلى الشارع.

استوقفني ضابط في "كمين" بمنطقة رمسيس وسط البلد، وسألني عن عملي، حين أخبرته أنني صحافي، قال لي: "شكلك عيل"، لم يصدقني إلا بعد أن أبرزت هويتي، فقال لي: "الشغلانة لمت عندكو ولا إيه"، ولأنه ضابط لم أستطع الرد.

مدير قصير

كُلّفت بإدارة أحد المواقع الصحافية العربية، كانت نظرات الزملاء إليّ غريبة، تشي بأنني لا أستحق هذا الموقع، ورغم أنني كنت مؤهلاً لذلك مهنياً، إلا أنني شعرت أنهم لم يأخذوني على محمل الجد أبداً، كانوا يرفضون تنفيذ التكليفات بطريقة تشي بأنهم يستهزئون بموقعي، حتى تضطر أن تحتدّ عليهم، فيتم تحويلك للتحقيق لأنك تحدثت بأسلوب غير لائق إلى زملائك في العمل.

وفي عملي بالصحافة الميدانية، كانت مصادري في الشارع تستصغرني، وتطالبني دوماً بإبراز هويتي، للتأكد من أنني فعلاً صحافي.

وحين تتعرّض لمشكلة يصير الأمر مشكلة فعلاً. في إحدى المرات، رفض سائق أن يكمل خط سيره الذي ينتهي بالمكان الذي من المفترض أن أنزل فيه، فأخبرته أن يواصل خط سيره فرفض، فاحتدت نبرتي، فقال لي: "انزل يلا بدل ما اجي أرفعك فوق دراعي وارميك من الشباك"، أو تلك المرة التي انفعلت فيها على أحدهم، فقال لي: "أمال لو كنت طويل شوية كنت عملت إيه".

لكن الأمر ليس سلبياً على الدوام. دائماً ما أعثر على مكان لي في المواصلات، فإضافة لقصر قامتي جسدي نحيف. وألمح تلك الفرحة على وجوه من يجلسون على الكرسي حين يعلمون أنني سأجلس إلى جانبهم، فأنا رفيع ولن أزاحمهم مثلما يفعل الممتلئون، وفي الأماكن المزدحمة، ذو الجسد الصغير هو أفضل من يستطيع المناورة.

لكن ماذا لو كنت قصيراً ورفضت أن توحّد الله أيضاً، قد تُقتل يا صديقي القصير، مثل ذلك اليوم الذي كنت أطلب فيه "أوردر" من مطعم "أرابياتا" في مصر الجديدة، نشبت مشاجرة بيني وبين أحد موظفي المطعم، فقال لي آخر: "وحّد الله"، وفي ذروة غضبي أخبرته: "مش موحّد حد"، وفجأة الجميع انقلب ضدي حتى الذين هم على الحياد، أوشكوا على الاعتداء علي، لولا أنني تخفيت وراء غضبي. وتعمدت أن أظهر أن الأمر ليس مقصوداً.

إله النهود والنبيذ

"في الصف الأخير دوماً، وصمة على جبين أبي، لست ماهراً مثلهم في استخدام السيف، على كلٍ احذرني، أنا قصير لكن ظلي طويل، وبإمكان رجل صغير وظله طويل أن يفعل الكثير"، يقول تيريون لانيستر.

استوقفني ضابط في كمين بمنطقة رمسيس وسط البلد، وسألني عن عملي، حين أخبرته أنني صحفي، قال لي: "شكلك عيل"، لم يصدقني إلا بعد أن أبرزت هويتي، فقال لي: "الشغلانة لمت عندكو ولا إيه"

لا عجب أن شخصيتي المفضلة في مسلسل "لعبة العروش" Game of thrones، القزم تيريون لانيستر، هي التي تحكمت وأدارت العالم من خلف الكواليس مع سيد الهمسات، لورد فاريس.

رغم السخرية التي كان يتعرض لها طوال الوقت، وتعرضه للرفض من قبل المجتمع والعائلة وخيانة محبوبته له، وعدم إجادته القتال، والذي يعتبر العنصر الوحيد للبقاء على قيد الحياة، إلا أنه كان دائماً ما ينجو، ينجو بحدة ذكائه وإجادته العزف على أوتار الآخرين وسخريته منهم، ومن القوة التي تصوروا أنهم يملكونها، حتى أصبح مساعد الملكة.

لا سيف، لا طول، لا قوة. فقط الذكاء وأجراس الضمير.

وصل تيريون لانيستر إلى أعلى نقطة على الأرض، وتبوّل على العالم، أوّاه كم تمنيت ذلك دوماً، وغير ذلك، لم يكن يؤمن بجدوى أي إله من آلهة ويستروس أو أيسوس، بل عدّ نفسه إلهاً، "إله النهود والنبيذ".

أنقذني خيال دراما "لعبة العروش" من كل الخيالات التي تطاردني من المسلسلات والمسرحيات المصرية، بت أقول للآخرين كلاماً مقتبساً من المسلسل، "احذروني، جسدي صغير وبإمكان رجل صغير وظله طويل أن يفعل الكثير". لقد توحّدت مع شخصية تيريون لانيستر واحتفيت به بيني وبين نفسي، حتى أنني اشتريت شارة "مساعد الملكة" الخاصة به، وبت أشعر أن قصر قامته جعلت منه أسطورة، إلهاً.

لا بأس فعلاً، هناك من صنع التاريخ من قصار القامة، مثل نابليون بونابرت الذي سمّى قصار القامة على اسمه "مجمع نابليون"، وونستون تشرشل، أعظم زعيم في زمن الحرب، وميسي أعظم من لمس كرة القدم، وإسحق نيوتن، كل واحد فيهم في خيالي هو نسخة خاصة من تيريون لانيستر.

أصبحت مخيلتي ثرية الآن، فيا عزيزي إذا كنت قصير القامة، اهتد بـ"إله النهود والنبيذ"، وحده لن يشعرك فقط بأنك تشبه غيرك، لا، أنت في طريقك لتكون أسمى من البشر، ربانياً أو متألهاً، إذا جاز التعبير، أو أمكنني أن أقتبس من مصطلحات الصوفيين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard