القيادة الفلسطينية لم تعد تمثّل إلا نفسها... شباب فلسطينيون في قائمة سياسية جديدة

الأحد 18 يوليو 202107:10 م

تُعد الأزمة التي تمر بها القيادة الفلسطينية في الضفة الغربية، الأقسى منذ تأسيس السلطة الفلسطينيّة عام 1994، عقب اتفاق أوسلو، في حدود عام 1967. وتتمثل هذه الأزمة في الانقسام السياسي بين الأحزاب، وغياب دور منظمة التحرير الفلسطينية، وتفرد الحزب الواحد في الحكم في الضفة، أو غزة، على السواء، وتهميش الفلسطينيين في الداخل والشتات في القرار السياسي، وتعزيز الانقسام. هذه الأزمة التي تمر اليوم على القيادات الفلسطينية، تعمقت بعد إلغاء الانتخابات، والاستجابة للمطالب الاسرائيلية التي منعت إقامة الانتخابات في القدس، وفي الهبّة الأخيرة، إذ فقدت السلطات الثلاث (في الضفة، وغزة، والداخل)، ثقة الناس فيها بسبب التفرد في اتخاذ القرارات، وعدم الاهتمام بمطالب الناس وهموهم. فالسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية لا تستطيع منع الاحتلال من بناء المزيد من المستوطنات على أراضيها، وفي غزة تستميت حماس في الحفاظ على سلطتها على مليوني مواطن. وفي الداخل انشقت الحركة السياسية التي ائتلفت سابقاً تحت قائمة واحدة، "المشتركة"، إلى حركتين تتنازعان على مكانتهما في البرلمان الإسرائيلي. هذه المناكفات، والصراعات الداخلية في الشق الفلسطيني، طوال عشرين عاماً، أدت إلى تراجع ثقة الناس في الوجوه، والأشخاص، والنظام السياسي القائم. وقد تجسّد هذا التراجع من خلال تصدّر الشارع والشباب المستقلّ قيادة الهبّة الأخيرة، ودفعها إلى الأمام، ونقل صوتها إلى المجتمع الدولي. وقد أفرز هذا الحراك قائمة شبابية جديدة مستقلة تمثّل الشباب سياسياً، وتوحدهم ديمقراطياً، ضد الاستعمار الاستيطاني، والمشروع الصهيوني. فما هي رؤية هذه القائمة، التي أطلقت على نفسها اسم "جَدْ"؟ وكيف بإمكانها أن تخترق المجال السياسي الفلسطيني التقليدي؟

القيادة الفلسطينيّة جزء من الهم الفلسطيني

يقول الباحث عزيز المصري من غزة لرصيف22: "الأحزاب داخل أراضي السلطة الفلسطينية، أو في الداخل المحتل، جميعها تعاني من المشاكل والأمراض نفسها. أصبحت تشكل نسبة كبيرة من الهم الجماعي الفلسطيني، وجزءاً من المشكلة الفلسطينية. الأحزاب بمعظمها متناقضة ومتعارضة في رؤيتها للحل الوطني، وفي تناولها للقضايا المجتمعية التي تخص الشارع الفلسطيني، في غزة، والضفة، والقدس، وفي الداخل. وهذا برز بشكل جلي في الانتخابات الأربع الأخيرة في الداخل، إذ فشلت الأحزاب في تحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني. أما بالنظر إلى واقع الأحزاب في مناطق حكم السلطة الفلسطينية، وتحديداً حماس وفتح، فالعلاقة بينهما أفضت في النهاية إلى انقلاب عسكري في قطاع غزة، وسيطرة حركة حماس على الحكم فيها، وطرد السلطة وحركة فتح إلى الضفة الغربية. الانقلاب والانقسام في الشارع الفلسطيني أدخلاه في حالة من الضياع، وانعدام الأمن، وسطوة القمع الأمني، والاعتقال السياسي، وصارا عنواناً للمرحلة. وعليه أضاف الانقسام السياسي والجغرافي همّاً آخر إلى الهموم الفلسطينية بفعل الاحتلال".

"لا يمكننا القول إن حماس أو فتح تمثلان الشعب بغالبيته. كلتاهما مُدانتان أمام شريحة كبيرة من الفلسطينيين، وتتحملان بشكل أساسي مسؤولية انهيار المشروع السياسي، وهبوط سقف النضال الفلسطيني إلى قضايا حياتية وإنسانية من دون أي بُعد سياسي"

أما عن تمثيل الأحزاب في الساحة السياسية للشباب، والشعب الثائر في الشوارع، لا سيما في ظل الهبّة الأخيرة، فيضيف المصري: "لا يمكننا القول إن حماس أو فتح تمثلان الشعب بغالبيته. كلتاهما مُدانتان أمام شريحة كبيرة من الفلسطينيين، وتتحملان بشكل أساسي مسؤولية انهيار المشروع السياسي، وهبوط سقف النضال الفلسطيني إلى قضايا حياتية وإنسانية من دون أي بُعد سياسي. ففصائل اليسار انحسرت، وتقوقعت على نفسها، وأصبحت مواليةً للإسلام السياسي، وجزء منها يوالي السلطة الفلسطينية، أي أنها أصبحت تهرول نحو مصالحها الشخصية والذاتية، وليس خلف هموم الشعب الفلسطيني، وفشلت فشلاً ذريعاً في تكوين قطب ثالث يواجه قُطبي السياسة الفلسطينية؛ حماس وفتح، المسيطرتين على المشهد السياسي برمته. فشلت الأحزاب السياسية الفلسطينية كافة في معالجة أزمات الشعب الفلسطيني المجتمعية والإنسانية والثقافية، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من المشكلة، وصارت تمثل مصالح من ينتمي إليها فحسب، وحتى في هذه الجزئية، ثمة تفرقة وعنصرية بين أبناء الحزب الواحد في الاستفادة من الحزب".

نظام سياسي مهترئ

"يمكن القول إن الأحزاب جميعها فشلت في تمثيل الشعب، وتحقيق مطالبه، إلا أن التطور الأبرز في هذه المرحلة يكمن في أن شرائح واسعة من الشعب باتت تعي هذه الحقيقة، وباتت تعي أن هذه الأحزاب جزء من المشكلة، ولا يمكن انتظار الأمل منها في تحقيق مطالب الشعب الفلسطيني، من عدالة انتقالية، وشفافية، وتعددية سياسية، ولا حتى في مقاومة الاحتلال تحت سقف المتطلبات الوطنية، بعيداً عن الارتهان للمحاور الخارجية، والمال السياسي. من المهم في هذه المرحلة التأكيد من جديد على مرتكزات الهوية الفلسطينية الجامعة في أراضي السلطة، والداخل المحتل، والشتات الذي صار غير ممثل فلسطينياً بعد انحصار دور المنظمة لصالح مؤسسة السلطة الفلسطينية، ولم يعد يجد من يتحدث باسمه في الخارج بعد نكسة المخيمات في سوريا، وحالة اللجوء الثالث إلى أوروبا، أولاً. وثانياً، إعادة تعريف ماهية المشروع الوطني، ودور هذه الأحزاب وتوصيفها، في بلورة هذا المشروع وفق الحد الأدنى من الأرضية المشتركة بينها، لكي تستطيع تمثيل الشعب، والتحدث باسمه داخلياً وخارجياً"، يختم المصري.

ويقول الباحث رازي نابلسي لرصيف22 عن أحزاب الداخل الفلسطيني، ودورها السياسي: "القوى الوطنية في الداخل الفلسطيني اعتمدت تاريخياً على ثنائية الوطن والمواطنة. وبكلمات أخرى؛ المواطنة القانونية الإسرائيلية، والوطن الفلسطيني التاريخي والثقافي. هذه المعادلة التي حافظت عليها القوى السياسية كإطار للمشروع السياسي انهارت عملياً على طريق تحول إسرائيل داخلياً، نحو حسم صراعها بين ديموقراطيتها ويهوديتها، لصالح الأخيرة. والديموقراطية هي الشق الأساسي الذي تُشتق منه المعادلة أصلاً، هذا من جهة. أما من جهة أخرى، فقد قام الاحتلال بربط الحقوق المدنية المشتقة من المواطنة القانونية، بالتنازل سياسياً وثقافياً وتاريخياً وتوعوياً، عن الوطن والهوية. ومن هنا، بات استمرار مشروع الاندماج محل سؤال، إن كان ممكناً أصلاً. هذا كله يحصل في وقت لا تملك القوى السياسية أي مشروع بديل من مشروع الاندماج بين طرفي النقيض، فبات منصور عباس مثلاً (رئيس القائمة الموحّدة التي دخلت الائتلاف الحكومي)، والتنازل عن الأبعاد القومية كافة، تحصيلاً حاصلاً في واقع لم يعد فيه من الممكن الحفاظ على الثنائية. أما القوى السياسية التي لا تزال تعيش على الثنائية، فإنها في اندثار مستمر".

"وصلت القضية الفلسطينية في السنوات الأخيرة إلى طريق مسدود. خرج جيل التجديد الديموقراطي "جد"، بهدف خلق أفق سياسي وطني جديد يصنعه الجيل الشاب المهمش، والذي أُقصي من صناعة القرار الفلسطيني"

قائمة "جَدْ"... تمثيل فلسطيني جديد

وبناءً على هذه الانقسامات، وعدم تمثيل السياسيين والقيادة، الشباب، والهم الفلسطيني الجامع، وعلى إثر الانتخابات التي كانت مقررة في فلسطين خلال شهر أيار/ مايو الماضي، أطلق جيل التجديد الديموقراطي مبادرة تحت عنوان قائمة "جد" للتمثيل السياسي للشباب. تقوم المبادرة بعد توحد الشباب الفلسطيني ضد سياسات الاستعمار الاستيطاني، والفصل العنصري، بحيث ترى القائمة حاجة ضرورية إلى إعادة حشد مسار التحرر وتنظيمه بما يتوافق مع تطلعات الشعب الفلسطيني، للتغلب على التحديات والمعيقات التي يواجهها في طريقه نحو التحرر والعدالة.

وتقول منى شتية، من حراك "جد"، لرصيف22: "’جد’ هي مجموعة من الشباب الفلسطيني، في الوطن والشتات، المؤمن بالهوية الفلسطينية الجامعة، تسعى إلى خلق جسم تنظيمي شبابي يهدف إلى التجديد الديموقراطي في المنظومة السياسية الفلسطينية. وذلك عبر تفعيل المشاركة السياسية لفئات المجتمع الفلسطيني جميعها، وتحديداً لفئة الشباب، والمساهمة ببناء مشروع وطني جديد مبنيّ على حقوق الإنسان، والديموقراطية، والحرية، والعدالة الاجتماعية. القائمة مستقلة، وغير مدعومة من أي جسم سياسي، وتُمول من خلال تبرعات الأعضاء وأصدقائهم". وتضيف حول أسباب تشكيل القائمة وانطلاق المبادرة: "أثبت الشعب الفلسطيني، ومنذ انطلاق ثورته ضد الاحتلال الإسرائيلي، أنه قادرٌ على التحدي، والصمْد، والعمل بشكلٍ جماعي وشعبي، لكن وصلت القضية الفلسطينية في السنوات الأخيرة إلى طريق مسدود. خرج جيل التجديد الديموقراطي "جد"، بهدف خلق أفق سياسي وطني جديد يصنعه الجيل الشاب المهمش، والذي أُقصي من صناعة القرار الفلسطيني. وتتضمن القائمة مرشحين شباب من الضفة، وغزة، والداخل، والشتات، لتشمل بذلك أماكن التواجد الفلسطيني كلها. ويرى جيل التجديد الديموقراطي هذه الخطوة، خطوةً أولى في التعبئة نحو تحويل النظام السياسي الفلسطيني ليكون أكثر جهوزية من أجل قيادتنا نحو التحرر، وليمنح كل فلسطيني أينما وُجد، صوتاً، فيتمكن الفلسطينيون والفلسطينيات من تشكيل مستقبلهم. أما أهم أهداف إطلاق المبادرة، فهي توحيد الفلسطينيين في جسد واحد يتجاوز خط الحدود المفروضة عليه، وتوفير منصة لسماع أصوات الشباب، وتعزيز الوعي بضرورة المشاركة السياسية الفاعلة، وحشد الشباب الفلسطيني للمطالبة بتحويل النظام السياسي الفلسطيني إلى نظام جامع تمثيلي وديموقراطي".

أما مُنية ظاهر، المرشحة على قائمة "جد"، فتقول لرصيف22: "قائمة ‘جد’ هي قائمة شبابية للتمثيل السياسي، وتضم مرشحين ومرشحات فلسطينيين من أماكن تواجدهم كافة. وأنا واحدة من المرشحين الثمانية عشر على هذه القائمة. فكرة وجود منصة تجمع الشباب خلال وقت تم تهميشنا فيه، وتغييبنا عن المشاركة السياسية، هي فكرة ملحة. كان من المهم بالنسبة إليّ التمسك بدوري السياسي والوطني، وتحديداً من خلال منصة مستقلة عن الأحزاب السياسية الموجودة في الساحة، خاصةً في ظل الأجندة التي فُرضت علينا من قبل الاستعمار خلال السنوات الماضية، والتذكير بأن الفلسطيني هو فلسطيني أينما وُجد. أعتقد أن قائمة ‘جد’ هي مساحة مهمة لنا كفلسطينيين، وتجمعنا كلنا تحت سقف توقعات واحد، وتحت هم واحد، في ظل غياب مساحة جغرافية، أو سياسية، تجمعنا، وهذا هو السبب الرئيس لترشحي على هذه القائمة". وتضيف مُنية: "الأمل كبير بالنسبة لي في هذه المنصة، من أجل منح دور أكبر للشباب للتعبير عن آرائهم، وفرض رغبتهم في التغيير السياسي، خاصةً أننا كشباب فلسطينيين موجودون في العالم كله. نحن نحتاج إلى دعم الناس من خلال موقعنا، ومن خلال مبادرتنا. فمن دون دعم الناس، وفهمهم لمنطلقنا، لن تنجح الفكرة".

ويظل التحدي أمام قائمة كهذه، وإن كان مُبكراً الحديث عن الأهداف التي بإمكانها تحقيقها على الأرض، هو تحدي التغيير السياسي الحقيقي، في ظل وجود بنية سياسية فلسطينية مترهلة

العمل السياسي في ظل المنظومة التقليدية

لكن السؤال الذي يُطرح هو كيف بالإمكان أن يحقق هذا الجسم السياسي الجديد رؤيته ضمن البنية السياسية الفلسطينية الموجودة، التقليدية؟ هل سيعارضها من الداخل أم من الخارج؟ حول هذه الأسئلة تجيب مُنية قائلة: "نفكّر نحن في قائمة جَد بأننا موجودون في مرحلة نحتاج فيها إلى تمثيل سياسي للشباب ضمن نظام ديموقراطي شامل لجميع الفلسطينيين. رؤيتنا تتمحور حول هذا الأمر. لذلك نفكر بأن القائمة جاءت كبديل للانتخابات التي أُجلت سابقاً، كوننا كشباب غير قادرين في الوضع الراهن على خوض الانتخابات ضمن النظام القائم بسبب الشروط الصعبة مثل الاستقالة من العمل وتحديد جيل معين للترشح. لكنا رغم هذا نعمل على المستوين الرقمي والميداني، من خلال حملات التوعية الرقمية والمشاركة مع الناس في الشوارع من خلال المظاهرات والاحتجاجات، وأيضاً من خلال خوض الانتخابات البلديّة القادمة بقوائم شبابية.

ويظل التحدي أمام قائمة كهذه، وإن كان مُبكراً الحديث عن الأهداف التي بإمكانها تحقيقها على الأرض، هو تحدي التغيير السياسي الحقيقي، في ظل وجود بنية سياسية فلسطينية مترهلة، وفي ظل تشرذم يصعب على جسم واحد أن يعمل على ردمه، الأمر يحتاج في نهاية المطاف إلى التفاف جماهيري وسياسي وشعبي حول وحدة وطنية تنتشل فلسطين من مستنقعها السياسي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard