نوستالجيا التسعينيات... هل كانت بيروت أكثر تحرّراً؟

الجمعة 23 يوليو 202110:13 ص

قبل أسابيع، عاد إلى الحياة أحد أبرز المهرجانات اللبنانية خلال التسعينيات، بعد توقف دام لعشرين عاماً، من خلال معرض بعنوان "مسارات"، يستند على أرشيف ضخم يضمّ مقالات، صوراً ومقاطع فيديو. شكّل المهرجان، خلال فترة تنظيمه بين عامي 1997 و2001، تكثيفاً للحركة الفنية التي حصلت في بيروت بعد انتهاء الحرب الأهلية، وعند انطلاقه، كان المهرجان الأول في المنطقة المتخصص حصراً بالأعمال الفنية المفاهيمية والتجريبية الخارجة عن التقاليد (الفن الأدائي، التجهيز، الرقص المعاصر، المحاضرات الأدائية...).

 تناول المهرجان يومها مواضيع لم يتطرّق لها الفنانون كثيراً في السابق، كالعلاقة مع الجسد، الجنس، الاغتراب المكاني، المثلية الجنسية، موقع الجثة في المجتمع اللبناني... بطريقة غير مباشرة غالباً، شكّلت استفزازاً للجمهور الذي كان في حالات كثيرة يغادر الصالة جماعات، كما تخبرنا منظّمة المهرجان، باسكال فغالي، في ندوة على هامش معرض "مسارات".

ملصق معرض مسارات

طبعا لم يأت المهرجان فجأة، بل سبقه نهضة ثقافية وفنية حصلت بعد الحرب، قادها أفراد من أجيال شابة عادوا حديثاً من جامعات في الخارج، وقد اشترك معهم فنانين من أجيال أكبر قليلاً، عاشوا الحرب بشكل جزئي، أبرزهم ربما محمد سويد وغسان سلهب.

لطالما أراد النظام اللبناني "تكريس النسيان كدين دولة"، وفق تعبير الراحل لقمان سليم، ما يعني إقفال ملف المفقودين وإخفاء المقابر الجماعية التي تكاثرت تحت بيروت خلال الحرب. لذلك، كان على الفنانين والمثقفين العمل بشكل مضاد

جمع هؤلاء رغبة مشتركة بتحطيم الأساطير السائدة والتقاليد الفنية الحداثية، بالإضافة لميل للتحرر واستعادة المجال العام المسلوب لفترة طويلة من الميليشيات والطوائف المتحاربة. لعبت مشاريع إعادة الإعمار أدواراً في زيادة التركيز على المجال العام، خاصة مع مصادرة "سوليدير" لمناطق كاملة وشروعها في محو ذاكرة المدينة المكانية.

أراد النظام اللبناني يومها "تكريس النسيان كدين دولة"، وفق تعبير الراحل لقمان سليم، ما يعني إقفال ملف المفقودين وإخفاء المقابر الجماعية التي تكاثرت تحت بيروت خلال الحرب. لذلك، كان على الفنانين والمثقفين العمل بشكل مضاد، من أجل المحافظة على الذاكرة، والعمل على استعادة الفضاء العام.

شهدت مثلا تلك الفترة تركيزاً كبيراً على الأرشيف مع فنانين مثل أكرم الزعتري، الذي عمل على نبش أرشيف استديوهات التصوير العاملة في صيدا وبيروت خلال القرن العشرين، ما مكّنه من إعادة تأريخ المجتمع اللبناني بطريقة تعيد الاعتبار للفئات المهمّشة، كالنساء والمثليين.

من الفنانين الآخرين الذين ركزوا على الأرشيف أيضاً، ربيع مروة، القادم من خلفية يسارية سمحت له بالوصول إلى أرشيف منظمات يسارية شاركت في الحرب، حيث قدّم مجموعة أعمال من بينها "ثلاثة ملصقات" في "مهرجان أيلول"، تناول المادة الخام لفيديوهات المقاتلين التي كانت تذاع على التلفزيون قبل استشهادهم.

يلاحظ المتابع لأعمال تلك الفترة زيادة ملحوظة أيضاً للعروض في الساحات والحدائق والفضاءات العامة، خاصة التي تمتلك رمزية عند السكان. من أول عروض التجهيز مثلاً بعد الحرب، عرض لزياد أبي اللمع عام 1992، قدّمه بالقرب من مكب للنفايات في شاطئ أنطلياس، يبعد أمتاراً قليلة عن مكان يستعمل عادة من قبل الطبقات الشعبية للاستجمام والسباحة "سان بلاش".

ضم التجهيز أجزاء من أسلحة وصواريخ ملأها الصدأ، بالإضافة لمولد كهربائي تم وصله بمعدات لإضاء المكان (كان اللبنانيون قد بدؤوا يومها بالتخلّي عن المولدات، متأملين بعودة كاملة للكهرباء في زمن السلم).

تمركزت الحياة الثقافية في بيروت في التسعينيات في منطقة رأس بيروت والحمرا والوسط، التي شكلت مدينة واحدة متصلة، أما اليوم فالحياة الثقافية مشتتة بين مدن مختلفة في مدينة واحدة، متباعدة ولا تتكلم غالباً مع بعضها البعض

انقلب تجهيز أبي اللمع على تقاليد النُصُب والفنون التشكيلية، حيث استخدم مواد قابلة لإعادة التدوير، يمكن إيجادها في أي مكان، كما اختار منطقة شعبية تقع عملياً في ضواحي بيروت وليس في مركز المدينة الذي تخلى عن موقعه المحوري في حياة العاصمة.

قدم التجهيز أيضاً فضاء مصغراً عن البلد الخارج حديثاً عن الحرب، ما ينطبق على عرض آخر حصل في نفس العام أيضاً، لكن هذه المرة في وسط بيروت، كان عبارة عن مسيرة دفن شارك فيها مجموعة فنانين حملوا تابوت بداخله الفنان الأدائي عماد عيسى، حيث جالوا به في شوارع وسط بيروت التي كانت حينها مكانا مهجوراً ومدمراً.

ليس من الصعب ربما فهم مغزى هذين العملين، خاصة أننا نتحدث عن فترة مصيرية من تاريخ لبنان، انتهت فيها الحرب الأهلية بشكل رسمي، وصدرت خلالها قرارات مثل العفو العام عن مجرمي الحرب، الذي اعتبره كثيرون تشجيعاً للقيام مستقبلاً بمزيد من الجرائم.

يذكر هنا أن بيروت شهدت قبل أيام حدثاً شبيهاً بمسيرة الدفن، ضمن مظاهرات أهالي شهداء المرفأ الذين حملوا توابيت فارغة وجابوا بها شوارع يعيش فيها مسؤولون لبنانيون، للتذكير بجريمة المرفأ وللمناداة بالمحاسبة.

اليوم، يمكننا القول إن هذا الميل للعرض في المجال العام تراجع بشكل كبير، مقابل تفضيل الفضاءات الخاصة والغاليريهات والمراكز الثقافية. يدلّ هذا على تراجع الحريات العامة والاعتراف الضمني بسيطرة الطوائف والأحزاب على أحياء المدينة وساحاتها. لعب الإنترنت هنا دوراً سلبياً، فعوض تشجيع التواصل الاجتماعي، ساهم بتعزيز انغلاق مجموعات الفنانين على بعضهم البعض، وتحويلهم إلى شبه "عصابات" متحاربة.

من ناحية أخرى، تمركزت الحياة الثقافية في بيروت خلال تلك الفترة في منطقة رأس بيروت والحمرا والوسط، التي شكلت مدينة واحدة متصلة، أما اليوم فالحياة الثقافية مشتتة بين مدن مختلفة في مدينة واحدة، متباعدة ولا تتكلم غالباً مع بعضها البعض.

تجهير لناجي عاصي من موقع أشكال ألوان

الياس خوري والملحق الثقافي

شارك في تنظيم "مهرجان أيلول" الروائي اللبناني الياس خوري، الذي لعب دوراً محورياً خلال تلك الحقبة، من خلال إدارته لفضائين ثقافيين هما مسرح بيروت، الذي شجع واستقبل فناني المشهد المحلي منذ افتتاحه عام 1994، والملحق الثقافي في جريدة النهار، الذي عاد بعد انتهاء الحرب ليكون فضاء للنقد الثقافي والفني، ومكاناً للتفكير الحر بمواجهة الهيمنة المخابراتية السورية التي نشرت الرعب بين شرائح المجتمع اللبناني (يعتبر الملحق الثقافي أول صفحة ثقافية تكسر هيمنة المجلات الأدبية والثقافية خلال الستينيات، عندما كان يرأس تحريره الشاعر أنسي الحاج).

من الأعمال الهامة التي شهدتها فترة التسعينيات، فيلم محمد سويد "سينما الفؤاد" الذي يُعتبر أول فيلم كويري لبناني، ذكّرنا فيه اليوم مهرجان يحمل نفس الاسم، ينظمه في بيروت ناشطون وفنانون لعرض ودعم الأفلام التي اصطلح على تسميتها بالكويرية

يذكر هنا أن الملحق نشر أيضاً مقالات لصحفيين ومعارضين سوريين سيصبحون لاحقاً جزءاً مما سمّي بربيع دمشق، وهي فترة قصيرة من النشاط السياسي حصلت بعد وفاة حافظ الأسد عام 2000، ضمت حلقات نقاشية ومنتديات (أو صالونات سياسية) لم تكن قد شهدتها سوريا منذ عقود طويلة.

من بين الصحفيين السوريين الذين كتبوا في الملحق، علي الأتاسي الذي نشر بشكل دوري مقالات حول مواضيع مرتبطة بحقوق الإنسان والسجناء السياسين. دخل والد علي الأتاسي (الرئيس السوري السابق نور الدين الأتاسي) الى السجن عندما كان ابنه طفلاً لم يتخط السنة. حصل ذلك بعد انقلاب حافظ الأسد عليه عام 1979، وقد بقي في السجن لمدة 22 عاماً انتهت قبل أسبوع من وفاته بالسرطان عام 1992.

لذلك، أخذ هذا الموضوع اهتمام الأتاسي الابن، الذي سيقدم أول أفلامه في مهرجان أيلول عام 2001 (بتشجيع من الياس خوري الذي أعطاه كاميرا وأمّن له لاحقاً ميزانية متواضعة لإنتاج فيلم وثائقي) عن رياض الترك، الأمين العام للحزب الشيوعي السوري/ المكتب السياسي، الذي كان قد أمضى 18 عاماً من حياته في السجن.

تناول الفيلم الظروف التي عاش فيها الترك داخل السجن، مفسراً قدرته على احتمال الوحدة القاتلة بدون تقديم أي تنازلات لنظام الأسد.

قبل أيام من عرض الفيلم، دخل رياض الترك مجدداً إلى السجن بسبب مقابلة أجراها مع الجزيرة وصف فيها حافظ الأسد بالديكتاتور. كان العرض ضمن مهرجان "أيلول" مقرراً في مسرح المدينة، لكن قبل أيام، قررت إدارة المسرح التراجع عن الموافقة، تحت ضغط النظام الأمني السوري اللبناني، ممثلاً حينها بجميل السيد، الذي كان مديراً للأمن العام (يخبرنا هذه التفاصيل على الأتاسي، في ندوة حوارية جرت على هامش معرض "مسارات").

لذلك، لم يكن لدى إدارة مهرجان أيلول سوى اللجوء لمسرح آخر هو مسرح بيروت، ثم إرسال دعوة لموظفين وسفراء بلدان أوروبية من أجل مشاهدة الفيلم، ما يمكن أن يؤمن الحماية ويسمح بإجراء العرض. وضعت إدارة المهرجان خطة بديلة في حال حصول المنع، هو أن يتم عرض الفيلم على أحد جدران المباني في منطقة الروشة.

طبعا، لم يجرؤ جميل السيد على الدخول إلى المسرح، خوفاً من تواجد السفراء، لكن ذلك لم يمنعه من وضع دبابتين أمام المدخل لترهيب الموجودين.

اليوم عند مشاهدة مقاطع بصرية من الأرشيف يمكن رؤية بعض الشخصيات التي قرّرت المجيء إلى العرض رغم كل التهديدات، من بين هؤلاء لقمان سليم وسمير قصير اللذان سيدفعان حياتهما ثمناً لوقوفهما إلى جانب حرية الشعبين السوري واللبناني بعد سنوات.

سينما الفؤاد

من الأعمال المهمة التي شهدتها فترة التسعينيات أيضاً، فيلم محمد سويد "سينما الفؤاد" الذي يُعتبر أول فيلم كويري لبناني، ذكّرنا فيه اليوم مهرجان يحمل نفس الاسم، ينظمه في بيروت ناشطون وفنانون لعرض ودعم الأفلام التي اصطلح على تسميتها بالكويرية.

يخبر الفيلم قصة شاب عابر جنسياً، اضطر خلال مراهقته للهروب من مدينته حلب، بسبب الاضطهاد الذي تعرض له من قبل عائلته وزملائه في المدرسة، حيث عمل في البداية كراقصة في أحد كازينوهات دمشق خلال الثمانينيات، مؤدياً هواية لطالما حلم بتحويلها إلى مهنة، قبل أن ينتقل إلى بيروت، وتحديداً الوسط الذي كان خط تماس يفصل بين الشرقية والغربية، ومنطقة عبور غير محسوبة على أي من الميليشيات المتحاربة.

أكمل الشاب عمله في الرقص الشرقي في أحد كباريهات بيروت، من أجل تجميع مبلغ يكفي لإجراء عملية تحويل جنسي من ذكر إلى أنثى. هكذا، عاش حياتين، الأولى كأنثى اقتربت من الاكتمال خلال الليل، بسبب تراجع الهيمنة المفروضة اجتماعياً على عوالم المدينة السفلية التي كانت أكثر تسامحاً مع الاختلاف، والثانية كذكر ممسوخ خلال النهار، مسجون في جسد ليس جسده، يضطر للبقاء في المنزل وإغلاق الشبابيك، لتقليل الاحتكاك قدر الإمكان مع العالم الخارجي.

يبقى الجزء الأكثر إثارة من الفيلم، حديث الشاب عن قصة الحب التي جمعته بمقاتل يساري أغرم به خلال وصلات الرقص الليلية. لكن هذه القصة لن تلبث أن تتحوّل إلى التراجيديا بسبب الإحباط والخوف والقلق من انغلاق الأبواب أمام الحبيبين، حيث سيقرران القيام بعملية استشهادية في الجنوب، أصيبا إثرها بجراح، وكادت تقتلهما لولا وقوعهما في أيدي مقاتلين من حزب الله!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard