المخرج اللبناني كريم قاسم... بيروت كشخصية رئيسية في فيلم

الاثنين 28 يونيو 202103:31 م

"طول عمره لبنان فيه مشاكل وطول عمرنا نحنا اللبنانيين بنعرف نعيش"، هذه هي الصورة العامة عن لبنان، بعد التجارب القاسية التي مرّ بها على مدار عقود طويلة، وأثرت على حياة أجيال متتالية: بلد جميل ومتنوّع وينهار تدريجياً، ولكن هذه الصورة تحوّلت إلى مادة ملحّة للبحث والتعمق إنسانياً وفكرياً وفلسفياً واجتماعياً، هل هي صورة صحيحة، وما الذي تخفيه وراءها؟

"ملعب البحث"

يعود مخرج شاب إلى مسقط رأسه بيروت بعد سنوات من الغياب، فتكون هذه الكلمات أول ما يسمعه من سائق التاكسي في طريق عودته من المطار إلى المنزل، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن أزمته النفسية التي يحاول إخفاءها خلف هذه الكلمات، وهي أنه من أبناء الشعب اللبناني الفقير الذي علق في الحرب الأهلية، وقضى أجمل سنوات عمره في مرحلتي الطفولة والمراهقة، وسط أصوات القنابل ومشاهد الدمار.

والآن يشعر بمرارة وهو يرى أبناء الجيل الجديد الذين لم يعانوا مثل هذه الصدمات وفضّلوا السفر إلى الخارج، فهم، من وجهة نظره، يعودون كالأغراب، متباهين بأموالهم ويرون أنفسهم أفضل من الشعب الفقير الذي بقى ليحافظ على البلاد!

يأخذنا المخرج اللبناني الشاب كريم قاسم، من خلال فيلمه الوثائقي الطويل الأول "Only the Winds"، الذي شارك به مؤخراً في احتفال مهرجان روتردام السينمائي الدولي بدورته الخمسين، في رحلة غريبة ربما تشبه رحلة الفراشة التي يتحدث عنها في قصيدة تحمل اسم الفيلم.

المخرج كريم قاسم في فيلمه الطويل الأول "Only the Winds" يعود إلى بيروت "ملعب البحث"، باحثاً عن أماكن وأفكار وإجابات عن تساؤلات قديمة

لا يوجد حدث رئيسي أو قصة بعينها تحكم الفيلم ببداية ووسط نهاية، وإنما رحلة بحث تقفز من فكرة إلى أخرى، وتقسم الفيلم إلى 3 أجزاء أو مراحل مختلفة، يربطها إطار واحد، وهو المخرج العائد من نيويورك إلى مسقط رأسه بيروت، باحثاً عن أماكن وأفكار لتصوير فيلمه، حتى أنه يطلق عليها في أحد مشاهد الفيلم "ملعب البحث".

يتتبع الجزء الأول من الفيلم عودة كريم إلى بيروت التي غادرها منذ عام 2012، وهي عودة مؤقتة مرتبطة بفيلمه الجديد، ويشغله سؤال أساسي يوجّهه لكل من يقابله، عما تغير في لبنان خلال هذه السنوات، وهل الأحوال أفضل أم أسوأ من الماضي؟

سائق التاكسي يعتبر هذا المخرج من أبناء الجيل الجديد الهاربين إلى أوروبا وأمريكا ولا يعرفون شيئاً عما يقاسيه لبنان، وصديق كريم يرى أنه ربما تكون الحرب أفضل من الأحوال الاقتصادية المتردية التي تعيشها البلاد، لأنها تزداد سوءاً يوماً بعد يوم ولا يوجد أمل بالتغيير.

الأمكنة كشخصيات رئيسية

تعتبر بيروت بشوارعها وجبالها وتفاعلاتها شخصية رئيسية في الفيلم، سواء على مستوى الصورة أو شريط الصوت، فالكاميرا تتجوّل في شوارع بيروت لتستكشف معالمها في الكثير من المشاهد، نتحرك مع السيارات على طريق الجبل، أو مع دراجة بخارية تحمل المخرج وأحد أصدقائه في وسط المدينة، وأصوات التظاهرات في الخلفية، داخل كنيسة صغيرة وبين الأطلال القديمة.

ونسمع في الخلفية دائماً أصوات نشرات الأخبار واللقاءات التلفزيونية مع المتظاهرين المطالبين بإسقاط النظام، بعد أكثر من 40 عاماً من المعاناة، تدهورت فيها أحوال البلاد من سيء إلى أسوأ، بسبب الفساد والصراعات.

تعتبر بيروت شخصية رئيسية في الفيلم،  نتحرك مع السيارات على طريق الجبل، أو مع دراجة بخارية تحمل المخرج وأحد أصدقائه في وسط المدينة، وأصوات التظاهرات في الخلفية، داخل كنيسة صغيرة وبين الأطلال القديمة

ويبدأ الفيلم مع شخصية غامضة لا نعرف عنها إلا القليل، ميكانيكي حزين يناجى ربه داخل جدران كنيسة، يدقّ أجراسها ثم يعدّ العدّة للانتحار في ورشته، لكنه يتراجع عن قراره في النهاية، فهو يمثل الجانب السوداوي ولحظات اليأس التي يعيشها البعض تحت وطأة الظروف وضغوط الحياة.

ويركز الجزء الأول من الفيلم على رحلة المخرج كريم قاسم لإعادة استكشاف مسقط رأسه ووعيه بما يحدث حوله بالتزامن مع فقده لواحدة من حواسه الخمس، وهي حاسة البصر.

استخدم قاسم تجربة سابقة مر بها أثناء المشاركة في مسلسل "الشحرورة" الذي تم تصويره في مصر عام 2011، كأساس للفكرة التي انطلق منها في هذا الفيلم، وهي فقدان البصر بشكل مؤقت لأيام قليلة، نتيجة لخضوعه لعملية جراحية لإزالة أكياس أسفل العين تسببت فيها التهابات، ليطرح من خلالها تساؤلات عن البصر والبصيرة والوعي بما حولنا وتأثيره على حياتنا، وهو ما يقوده للجزء الثاني من الفيلم، وهو التصوير في مدرسة للأطفال المكفوفين أعلى الجبل، والتعرّف على حياتهم.

وبينما يمتلئ الجزء الأول من الفيلم بتفاصيل تلقى بظلالها على الثورة اللبنانية في شوارع بيروت وتأثيرها على حياة الناس، نشعر في مدرسة المكفوفين المنسية أننا في مكان منفصل تماماً عن العالم خارج أسوار هذه المدرسة، ووسط عدد من الشخصيات الموهوبة الحالمة والقادرة على التعامل مع الحياة بوعي مختلف، ليس له علاقة بالصراعات الخارجية، يتعلّم بينهم فن الاستماع ليستفيد من تجاربهم.

معلمة كفيفة تخطت الستين، تشعر بالرضا عن نفسها لأنها استطاعت أن تحقق حلمها بالرغم من كل الظروف، فأصبحت معلمة تنفع بعلمها أطفالاً يعانون مما عانت منه في الصغر، وتساعدهم على استكشاف قدراتهم، ورفيق، المراهق صاحب الصوت الجبلي الحساس، يهوى الغناء وتقليد الأصوات.

وأخيراً لين، بطلة المرحلة الثالثة من الفيلم، فتاة مرحة وموهوبة سرعان ما تتوطد علاقتها بالمخرج ويجذبها التصوير، رغم أنها لا ترى بعينيها ما تلتقطه من صور خلف عدسة الكاميرا التي أهداها لها المخرج، وتدفعها رغبتها في الاستكشاف إلى الخروج من المدرسة خفية، وكأنها تبحث عن مغامرة خارج الأسوار التي اعتادت عليها.

فيلم "Only the Winds" غير محدود بفكرة أو قصة واحدة، فهو فيلم غير تقليدي، وكأنه يسير مع التيار أينما يأخذه، تحمله الرياح لمناطق وطبقات مختلفة

وفي نهاية الفيلم، تجتمع لين في سيارة واحدة مع الميكانيكي ذي النزعة الانتحارية، وهي رمزية للحياة ولحال لبنان والإنسان بشكل عام، بين قوة لين ومرحها وانفتاحها على الحياة، والجانب المظلم المتمثل في هذا الرجل الذي يئس من الحياة للحد الذي يدفعه للتفكير في الانتحار، فكل إنسان يحمل الجانبين وعليه المواجهة ليحدد مصيره.

بين الوثائقي والروائي

يمزج الفيلم في أجزائه الثلاثة بين الروائي والوثائقي، فبعض المشاهد ممثلة وتعتمد على نصّ مكتوب أو مرتجلة في إطار الفكرة العامة، ويتمثل هذا في أغلب مشاهد الجزء الأول والثالث من الفيلم، بينما يعتمد الجزء الثاني الذي تم تصويره داخل مدرسة المكفوفين في أغلبه على مشاهد حقيقية، ترصد تفاعلات المخرج مع الأطفال ومحاولاته للتقرب منهم والتعرف على عالمهم.

ترك كريم قاسم الأفق مفتوحاً أثناء العمل على الفيلم، فلم يحدّه بفكرة أو قصة واحدة، فهو فيلم غير تقليدي، يتنقل فيه من فكرة إلى أخرى ليتعمّق في البحث داخله وفيما يحدث من حوله، وكأنه يسير مع التيار أينما يأخذه، تحمله الرياح لمناطق وطبقات مختلفة. إصابة عينه دفعته للتفكير بطريقة فلسفية حول فكرة فقد البصر وتأثيرها على درجة الوعي وعلاقتنا بالحياة.

وبالصدفة، تزامنت رحلته إلى بيروت وتصوير الفيلم مع أحداث الثورة، لتضيف طبقات جديدة لها علاقة بنظرة جيل الحرب للأجيال الجديدة وبمعاناة الشعب اللبناني. وربما يكون طول مدة الفيلم سبباً في بعض الملل، ولكن مرح وجمال أرواح طلبة مدرسة المكفوفين وانفتاحهم على العالم، بالإضافة إلى كادرات التصوير الحيوية، سواء بين المناظر الطبيعية أو داخل ممرات المدرسة، كان كفيلاً بجذب انتباه المشاهد.

ويُذكر أن كريم قاسم يعمل حالياً على فيلمه الطويل الثاني وهو فيلم روائي صامت بعنوان "أوكتبوس" عن زمن ما بعد انفجار بيروت الأخير.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard