يشعرون بالخوف وعدم الأمان... انتهاكات "رقمية" مكثفة يتعرض لها شباب القدس وأطفالها

الخميس 8 يوليو 202101:03 م

أضاءت التطورات الأخيرة في القدس المحتلة على قمع قوات الاحتلال لكل ما هو فلسطيني: اعتداءات واستجوابات واعتقالات بسبب مناصرة الحق الفلسطيني في البقاء بالمدينة. لكن أبعاد الانتهاك الإسرائيلي للحقوق الرقمية لمواطني القدس، بمن فيهم الأطفال والشباب، تتخطى ذلك كثيراً.

ويشكّل الفضاء الرقمي مساحة رئيسية يقضي فيها الأطفال والشباب المقدسيون قسماً كبيراً من وقتهم إذ يستخدم 42% منهم الإنترنت لمدة خمس ساعات يومياً و31% يراوح استخدامهم إياه بين ثلاث وخمس ساعات. ومن المفترض أن يكون مساحة يستطيع من خلالها الشباب المقدسيون التعبير عن آرائهم وأفكارهم السياسية بأمان.

لكن الواقع أنّ 87% من الشباب المقدسيين قلما يشاركون في الحوارات السياسية على الإنترنت خوفاً من الرقابة التي تفرضها سلطات الاحتلال ومن تعرضهم إلى "انتهاكات رقمية مكثفة"، يُضاف إليها ضعف الوعي لدى الأهالي في التعامل مع حالات الانتهاك التي يتعرض لها أبناؤهم. 

هذا ما تسلط الضوء عليه ورقة بحثية أصدرتها "حملة - المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي"، وهي مؤسسة أهلية غير ربحية تعمل على مناصرة الحقوق الرقمية الفلسطينية بهدف الوصول إلى فضاء رقمي آمن وعادل وحر.

استهداف الشباب والأطفال

وتلفت الورقة إلى الانتهاكات المتعددة لحقوق فلسطينيي القدس الأساسية، المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لا سيّما الشباب. علماً أن الفئة العمرية "أقل من 25 عاماً" تمثل شريحة كبيرة من التقسيمة الديموغرافية للفلسطينيين في القدس المحتلة.

وهي تشير إلى "نتائج وخيمة" لتلك الممارسات على هذه الشريحة خاصةً أن الأرقام في عام 2019 تُظهر أنّ 81% من أطفال الشطر الشرقي من القدس يعيشون تحت خط الفقر، و33% من الطلبة المقدسيين يتسربون من المدارس. وتُسهم هذه العوامل أيضاً في حدوث تداعيات خطيرة على حقوق الإنسان على الأمدين البعيد والقريب.

ويشعر 35% من الشباب الفلسطيني المقدسي النشط على الإنترنت بالخوف من مراقبة الحكومات لنشاطهم، فيما يعاني 20% منهم من حالة دائمة من انعدام الأمان خلال التعبير عن آرائهم عبر الإنترنت، وفق الورقة. 

"انتهاكات رقمية مكثفة"... 87% من الشباب و93% من الأطفال في القدس المحتلة قلما يشاركون في الحوارات السياسية على الإنترنت خوفاً من الرقابة التي تفرضها إسرائيل

بالإضافة إلى رقابة أجهزة الاحتلال، يعاني العديد من الشباب المقدسي التنمّر الإلكتروني، أو المحتوى الإباحي، أو استغلال أو سرقة المعلومات الشخصية والحسابات على الإنترنت، أو التهديد أو الضغط والعقاب الاجتماعي والسياسي بسبب الآراء الشخصية، ناهيك بالتحرش الجنسي وأنواع أخرى من الاعتداءات.

وتشير إحصائيات إلى شيوع التنمر الإلكتروني بين الشباب والأطفال المقدسيين؛ قال 58% من المشاركين إنهم تعرضوا للاعتداء اللفظي من خلال استعمالهم للإنترنت، بينما تعرض 24% منهم للتنمر و13% للابتزاز و10% للتحرش الجنسي الإلكتروني.

وتزداد هذه الانتهاكات خطورة بسبب افتقار الأهالي في القدس الشرقية للوعي الكافي حول طرق الحماية من الاختراق وتسريب المعلومات والتنمر الإلكتروني. وهي المعرفة التي يفتقر إليها أيضاً معظم مقدمي الرعاية الأساسية ومرشدي المدارس من أجل حماية الشباب والأطفال على الإنترنت. ويُقر 51% من الأمهات و82% من المرشدات بأنهن لا يمتلكن القدرة لمتابعة نشاط الأطفال والشباب على الإنترنت.

إجراءات مُنتهِكة لحقوق المقدسيين

معروف أن القمع الإسرائيلي لحقوق المقدسيين مدعوم بالإجراءات النظامية. عام 2014، وافقت حكومة الاحتلال على قرار رقم 1775 الذي حدد إستراتيجية مزعومة لرفع مستوى "الأمن" في الشطر الشرقي من القدس وفي الداخل الفلسطيني.

وفي العام التالي، رصدت خطة شرطة الاحتلال استثمارات بقيمة 48,9 مليون شيكل (نحو 15 مليون دولار أمريكي) لمنطقة القدس لرفع مستوى السيطرة على المدينة من خلال شراء كاميرات وأدوات مراقبة حديثة.

ومنذ كانون الثاني/ يناير حتى نيسان/ أبريل 2021، اعتُقل 230 طفلاً فلسطينياً في القدس الشرقية المحتلة فقط، فيما وُضع 27 آخرين قيد الحبس المنزلي. أما أسباب الاعتقال، فتراوح بين إلقاء الحجارة والنشر على منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يعكس استهداف الشباب المقدسي أكثر من غيرهم ويُظهر خطورة موقفهم.

على الرغم من المخاطر، وغياب إحصائية دقيقة، يواصل شباب مقدسيون توثيق جرائم الاحتلال وفضحها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وضمن جهود دولة الاحتلال الأخيرة لتهجير وطرد سكان القدس الشرقية، حققت الحملة الشعبية لحماية حي الشيخ جراح تفاعلاً واسعاً عبر الإنترنت وفي الواقع منذ شهر نيسان/ أبريل الماضي، بعدما كثّف الشباب الفلسطيني النشر حول التهجير القسري لأهالي الشيخ جراح وحي سلوان.

الفضاء الرقمي مساحة رئيسية يقضي فيها الأطفال والشباب المقدسيون قسماً كبيراً من وقتهم؛ 42% يستخدمون الإنترنت خمس ساعات يومياً و31% بين ثلاث وخمس ساعات. لكنهم يشعرون بـ"الخوف" و"عدم الأمان" للحديث بحريّة

رداً على الصدى الهائل للحملة، قمعت سلطات الاحتلال الاحتجاجات السلمية واعتقلت  العديد من الشباب/ ات المقدسيين/ ات، وحظرت محتوى العديد منهم/ن.  وثقت "حملة" 668 حالة حذف محتوى وتقييد صفحات وحسابات وإغلاقها وغيرها من الانتهاكات عبر جميع منصات التواصل الاجتماعي، خلال أيار/ مايو الماضي فقط.

كذلك أطلقت الشرطة الإسرائيلية حملة اعتقالات ضخمة في القدس، زاعمةً أنها تهدف إلى "استعادة السيطرة والردع". وقد اعتقل أكثر من 1900 فلسطيني في الداخل والأراضي المحتلة منذ بداية الحملة، 90% منهم بسبب النشر على منصات التواصل الاجتماعي.

وزاد الاحتلال رقابته على منصات التواصل الاجتماعي بشكلٍ ملحوظٍ جداً، مع بداية التصعيد الإسرائيلي، إذ حذف مئات المنشورات دون أي تبرير، ما مثّل إسكاتاً ممنهجاً للناشطين الذين وثقوا انتهاكات حقوق الإنسان. وكان مركز مدار الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية قد رصد حظر 20 حساباً لصحافيين شباب، إثر مراقبة نشاطهم الإلكتروني عن قرب.

في غضون ذلك، أبلغت الوحدة الإلكترونية التابعة لوزارة العدل الإسرائيلية عن عشرات آلاف المنشورات والحسابات لشركات التواصل الاجتماعي دون أي إجراءات قانونية.

وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل قدمت 19606 بلاغات للشركات بغرض حذف المحتوى عام 2019.

وقالت "حملة" إنّ "هذا النوع من القوة التي تمتلكها سلطات الاحتلال دون قيد أو رقابة يسمح لها بأن تتحكم بشكل الخطاب على الإنترنت وإسكات كل من لا تتناسب آراؤه مع آراء الاحتلال ويستهدف بشكلٍ أساسي المستخدمين الفلسطينيين".

دعوة إلى تحرك على عدة جبهات

إلى ذلك، تُعد معاناة الأطفال الفلسطينيين أكبر. عبّر 93% منهم عن عدم شعورهم بالأمان واعتبروا أنفسهم عرضة لخطر الهجوم، ما يدفع العديد منهم نحو تصرفات "تدمير الذات"، كالالتحاق بمجموعات تشعرهم بالحماية. 

ينبغي تثقيف الأطفال حول طرق حماية أنفسهم من الأذى على الإنترنت عبر تطوير دليل أمن رقمي يقدم النصائح في ما خص الحفاظ على الأمن الرقمي والتعامل مع حالات التحرش والتنمر والعنف القائم على النوع الاجتماعي.

لحماية حقوق الأطفال الرقمية، توصي "حملة" بعدة إجراءات على الصعيدين المحلي والدولي. لعل أبرزها تثقيف الأطفال حول طرق حماية أنفسهم من الأذى على الإنترنت عبر تطوير دليل أمن رقمي يقدم النصائح في ما خص الحفاظ على الأمن الرقمي والتعامل مع حالات التحرش والتنمر والعنف القائم على النوع الاجتماعي.

وحثت المؤسسات الأهلية الفلسطينية على العمل مع الشباب لمساعدتهم على فهم حقوقهم الرقمية وسبل الحماية عند استخدام الإنترنت أيضاً. والأمر نفسه في ما يتصل بالأهالي والمرشدين العاملين مع الأطفال والشباب.

وأشارت إلى ضرورة إطلاق حملات تطالب بتغييرات في سياسات وممارسات السلطات التي تنتهك الحقوق الرقمية، ولا سيما الحق في الخصوصية. مع تطوير إستراتيجية شاملة لمناصرة وحماية الأمن الرقمي للأطفال والشباب الفلسطينيين في القدس. علاوة على تطوير قدرة مؤسسات المجتمع المدني على رصد هذه الانتهاكات وتوثيقها. 

أما دولياً، فناشدت حماية حقوق الأطفال والشباب الفلسطينيين الرقمية من خلال الضغط على إسرائيل للالتزام بقرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard