التضامن مع فلسطين مع وقف التنفيذ

الاثنين 14 يونيو 202102:42 م

يعود الفلسطينيون لإيقاد الشعلة مرة أخرى، وبقوة لم نتخيل أنها لا تزال موجودة عندهم بعد. يعودون بعد الخيبات العديدة والمتكررة، وانطفاء الشعلات الثورية في نفوس غالبية الشعوب العربية، واستسلام البعض للواقع المفروض، ونكوص البعض الآخر، وتطبيعه مع الاحتلال بشكل علني أو حتى سرّي رخيص، ما حدا ببعض الشباب للاعتقاد بأنّ التطبيع قد يكون حلاً للخروج من المأزق السياسي أو الاقتصادي الذي نعيشه. وفي هذه العودة، وجدنا تضامناً عربياً وعالمياً يعيد لنا بعضاً من الأمل الذي فقدناه.

وصل التضامن ببعض الدول الشقيقة حدّ أن عرّض الشباب أنفسهم إلى خطر كبير، حين حاولت مجموعات منهم اقتحام الحدود الفاصلة بينهم وبين هذا الكيان، في سبيل قضية كبرنا ونشأنا على إيماننا بأحقيتها، وعدالتها لعقود، حتى ترسخت في وجداننا الجمعي بكونها "أم القضايا". في حين أننا نلحظ في الجانب الآخر تهاوناً وصمتاً مقززين من قبل أنظمتنا العربية.

يعود الفلسطينيون لإيقاد الشعلة مرة أخرى، وبقوة لم نتخيل أنها لا تزال موجودة عندهم بعد. يعودون بعد الخيبات العديدة والمتكررة، وانطفاء الشعلات الثورية

سوريا، بتاريخها النضالي الحافل، تأخرت، على غير عادتها، في إظهار هذا التضامن على أرض الواقع، ما أشعل على مواقع التواصل الاجتماعي حرباً إلكترونية لم يسبق لها مثيل. دفعت الحمية بعض الشباب لإنشاء مجموعات إلكترونية يتساءلون فيها عن سبب هذا التأخر، ليأتي الجواب الذي أكاد أجزم بأنه هز قلوب من يدعمون القضية الفلسطينية كلهم، وإن لم تعترف الغالبية بذلك: "موافقة أمنية". هذا ما تحتاجه في سوريا لكي تظهر تضامنك مع أية قضية إنسانية في الشارع.

الخوف هو العصا السحرية التي تضرب بها الأنظمة القمعية جميعها للسيطرة على شعوبها. ولكن من قال إن هذا الخوف مقتصر على الشعوب وحسب. فلكل فعل رد فعل معاكس، ومساوٍ له في الشدة. كذلك فإن الخوف الذي تعمل هذه الأنظمة على زرعه في عقول شعوبها، يتشكل نظير مشابه له من الإرادة الشعبية التي قد تكسر في أي لحظة قوالب الخوف التي ترزح تحت ربقتها. الفرق هو أن خوف الشعوب هش، وقابل دوماً للتلاشي، ولو بعد عقود. أما خوف السلطة القمعية فيستمر معها طوال فترة وجودها، ويلازمها حتى اللحظة التي ستفقد فيها سيطرتها.

عندما تم الاتفاق بين الشبّان والشابات على التجمع إلى جانب الجامع الأموي في أول وقفة تضامنية في دمشق، لم تكن الموافقة الأمنية قد صدرت بعد، ما شكل لدى المفرزة الأمنية المسؤولة عن المنطقة توجساً وحيرة تجاه هذه التجمعات غير المبررة بالنسبة إليهم، خاصة في خضم "العرس الوطني" الذي يخيم على بلادنا تزامناً معه. قامت العناصر الأمنية بفض هذه التجمعات بهمجية ليست جديدة علينا، ما استفز بعض الشبان، ودفعهم إلى الهتاف بشعارات تضامنية مع إخوتهم في فلسطين، ليتمّ على إثرها اعتقال ثلاثة منهم، وهذا أيضاً ليس جديداً.

لا يمكن أن تكون داعماً للقضية الفلسطينية، ومندداً بالاحتلال من جهة، وأن تهلل لجهات أخرى تمارس الإجرام نفسه، والفساد، من جهة أخرى

ثم تصل الموافقة بسلام أخيراً، وأكاد أجزم أن المسؤولين عن توقيع هذه الموافقة رأوا في هذه المسيرات التضامنية، تنفيساً مناسباً للشباب تحديداً، ورغبةً في امتصاص حنقهم على السلطة ومؤسساتها، والذي بدا واضحاً وملموساً للجميع في الآونة الأخيرة.

القضية الفلسطينية ليست شأناً يخص الفلسطينيين وحدهم. إنها قضية تمس معالم الإنسانية كلها التي ينادي بها الإنسان على مر التاريخ ضد الظلم والأنظمة الاستبدادية والاستعمارية بأشكالها كافة. ولا يجوز أن تتجزأ القضايا الإنسانية تحت أي ظرف كان. فلا يمكن أن تكون داعماً للقضية الفلسطينية، ومندداً بالاحتلال من جهة، وأن تهلل لجهات أخرى تمارس الإجرام نفسه، والفساد، من جهة أخرى.

وصلت الموافقة أخيراً وتم الإفراج عن الشبان الثلاثة بعد إثبات حسن نواياهم، والتأكد من أنّهم لم يريدوا إلا الهتاف للقضية الفلسطينية، لا أكثر. لذا، قامت ثلة من الشبان والشابات برفع شعارات موالية للسلطة كعلامة شكر وامتنان، ما أدى إلى انشطار المسيرة التضامنية إلى قسمين: قسم هلل للسلطة بعد سماحها لهم بالخروج في هذه المسيرة، وقسم آخر خرج أصلاً لمناصرة قضية إنسانية بعيدة كل البعد عن أي توجه ديني أو سياسي -أو هكذا يفترض- فوجد نفسه في خضم مسرحية رخيصة تهدف إلى كل شيء، ما عدا القضية الإنسانية.

تكرر شعار "افتحوا الحدود" خلال المسيرة، في إشارة إلى المطالبة بالذهاب الى حدود الجولان الذي لم تكلف دولتنا نفسها عناء المحاولة لتحريره على مر عقود

لو نظرتَ إلى هذه المسيرة من الأعلى، فسوف تتسلل السعادة إلى قلبك لا شعورياً، خاصةً عندما ترى فئات مجتمعية مختلفة وبعيدة عن بعضها كل البعد، وقد جمعتهم قضية كهذه، بدءاً من "الأزعر"، وانتهاء بالمثقف، والمثليين جنسياً، والذين لا يزالون يتعرضون للرفض من مجتمعنا. لكن نظرة عميقة ومتفحصة من الداخل ستجعلك تتلمس فوضى عجيبة، وخليطاً من مواقف لا ناظم لها، تسود هذه المسيرة، وتمزّق شعاراتها. فعندما يهتف البعض للسلطة، تجد آخرين وقد امتعضوا. وعندما يهتف آخرون لأبي عمار كرمز للنضال الفلسطيني، تجد أنّ من يعدّه خائناً قد عقد حاجبيه. يصيح آخرون بشعارات دينية، فيقف الملحدون جانباً. وهنا نتساءل: متى سنتخلص من عقدة تقديس الأشخاص والأديان وغيرها، ونبدأ بمناصرة الإنسان فحسب، من دون أي اعتبارات أخرى؟ وأي فتات هو ما آلت إليه مجتمعاتنا؟

 

الإعلام المسيس لا يكاد يفوّت فرصة لاستغلال ما يجري في الشارع لمصلحة من يسيسه، وكذلك إعلامنا السوري، الذي يتميز بأنه الأرخص والأقدر على استغلال الأحداث بشكل مثير للشفقة في أحيان كثيرة. تكرر شعار "افتحوا الحدود" خلال المسيرة، في إشارة إلى المطالبة بالذهاب الى حدود الجولان الذي لم تكلف دولتنا نفسها عناء المحاولة لتحريره على مر عقود طويلة، في رغبة منهم لاقتحام هذه الحدود كما فعل أشقاؤنا في البلدان المجاورة. تنتهي المسيرة عند حدود ساحة الأمويين، حيث مبنى الإذاعة والتلفزيون، فيسارع صحافيو التلفزيون، ومصوروه، للنزول إلى الساحة بكامل عتادهم التقني لتوثيق هذه المسيرات، وعرضها على شاشاتهم بقشورها الخارجية فحسب، كما اعتادوا أن يفعلوا خلال سنوات الحرب، من دون الغوص في التفاصيل المخفية وراء تلك القشور.

هنا، تكتشف أنك مجرد أداة إعلامية لا أكثر، جرى توظيفك ضمن مسرحية هزلية. إن كنت لم تلحظها فتلك مصيبة، وإن كنت ممن خطط لها، وشارك في كتابة فصولها، فأنت من صناع المصائب الكبرى.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard