هل باع الأمير عبد القادر الجزائر لفرنسا؟

الأحد 27 يونيو 202103:50 م

لا زال الجرح غائراً في صدر الجزائريين. لا زالت الذاكرة الجماعية لشعب عاش تحت وطأة الاستعمار الفرنسي مثقلة بالغضب والقهر. وحدها صورة الأبطال الذين ساقوا الجزائر خطوة بعد أخرى نحو الحرية، تضمد الجرح وتحصّن الذاكرة من وطأة إحساس الظلم الذي توارثته الأجيال. ولهذا، لا تقبل الذاكرة الجماعية أن تُخدَش صورة الأبطال، الصورة التي يحملها الجزائري دائماً في وجه فرنسا ليذكرها بهزيمتها أمامه. ربما، لهذه الأسباب، ثار الشعب خلال الأيام الماضية، في وجه السياسي نور الدين آيت حمودة، نجل الشهيد عميروش قائد الولاية التاريخية الثالثة، حين أدلى بتصريحات يخوِّن فيها الأمير عبد القادر، مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة.

من هو عبدالقادر؟

يعتبر الأمير عبد القادر الجزائري أحد أهم رموز المقاومة في القرن التاسع عشر. بايعه الجزائريون عام 1832 أميراً لمقاومة الاستعمار الفرنسي. قاد الأمير طيلة خمس عشرة سنة حرباً ضروساً ضد الجيش الفرنسي قبل أن يستسلم سنة 1847 ويسجن في آمبواز بإقليم اللوى بفرنسا مدة خمس سنوات.

قرر نابليون الثالث بعدها إطلاق سراحه، لينتهي به المطاف في مدينة دمشق. ولعل الأمر الذي جعل من الأمير عبد القادر شخصية تاريخية كسبت احترام الكثير من القادة من مختلف الجنسيات بما فيها الفرنسية، هو كونه دافع عن أكثر من 15 ألف مسيحي بعد أحداث الفتنة التي اندلعت بينهم وبين مسلمي دمشق سنة 1860.

ككل الشخصيات التاريخية التي رسخت أسماءها في الذاكرة الشعبية. لم يسلم الأمير عبد القادر، أحد أبرز رموز المقاومة الجزائرية، من محاولات التخوين التي لا تكاد تخمد إلا لتشتعل مرة أخرى

من هنا بدأ الجدل

ككل الشخصيات التاريخية التي رسخت أسماءها في الذاكرة الشعبية. لم يسلم الأمير عبد القادر، أحد أبرز رموز المقاومة الجزائرية، من محاولات التخوين التي لا تكاد تخمد إلا لتشتعل مرة أخرى، سواء من داخل التراب الوطني أو من خارجه. هذه المرة، كان دور النائب البرلماني السابق ونجل العقيد عميروش ليفجر جدلاً بين مختلف فئات المجتمع الجزائري، بعد أن وجه عدة اتهامات للأمير عبد القادر.

ولا يمكن الحديث عن مفجر هذا الجدل دون التطرق للقيمة التاريخية التي كسبها والده، العقيد عميروش أثناء ثورة التحرير الجزائرية التي اندلعت عام 1954. كان عميروش من أوائل المشاركين في الثورة وأثبت تفوقه في التخطيط والقيادة العسكرية، قبل أن يستشهد في اشتباك عنيف مع القوات الفرنسية.

ويفسر نجل العقيد عميروش في إحدى مقابلاته الصحفية، أن القيمة التاريخية التي اكتسبها والده هي من تخوله البحث في التاريخ والتصريح بما اكتشفه. فقد خرج في مقابلة تلفزيونية أثارت الكثير من الجدل بما وصفه بالأدلة والوثائق التي تثبت ما يقول.

يجلس نور الدين في ضيافة إحدى القنوات، ويستعرض حفنة من الوثائق والصور، ويجزم أن الأمير عبد القادر باع الجزائر للحاكم الفرنسي، "لقد باع الأمير عبد القادر الجزائر للحاكم الفرنسي، أخبره أنه سيترك له شمال الجزائر، وأمضى على تسليم جزء من الأرض للعدو في معاهدة التافنة (1837)".

يحمل عميروش الابن لوحة فنية تظهر فيها امرأة منحنية، ليقول إنها "صورة" لزوجة الأمير عبد القادر وهي تقبل يد نابليون الثالث، ويحمل وثيقة يدعي أنها تبين الإعانات التي تقدمها فرنسا لأحفاد الأمير عبد القادر إلى يومنا هذا، وأنها جزاء لتعاونه معهم.

يسترسل المتحدث في صب الاتهامات، الواحدة تلو الأخرى. معتمداً بصورة كبيرة - حسب ما جاء به- على قصاصات من جرائد فرنسية. يقارن قرارات عبد القادر الجزائري في القرن التاسع عشر بقرارات أبطال ثورة التحرير في القرن العشرين، أمثال والده الذي استشهد في ساحة المعركة، والشهيد كريم بالقاسم الذي وقع اتفاقيات إيفيان التي انتهى على إثرها الاستعمار الفرنسي، في صورة وصفها الكثيرون بكونها تثبت أن الرجل لا يربطه بالتاريخ سوى قصاصات الجرائد التي اعتاد على جمعها والاعتماد عليها في تحليله للأحداث التاريخية. فكيف تقارن بين رجالٍ تفرقهم الظروف والأزمنة والسياقات التاريخية وموازين القوى وغيرها من المؤشرات العلمية، التي تجعل المقارنة بين الرجال الثلاثة ضربا من الجنون؟

يحمل عميروش الابن لوحة فنية تظهر فيها امرأة منحنية، ليقول إنها "صورة" لزوجة الأمير عبد القادر وهي تقبل يد نابليون الثالث، ويذهب أبعد من ذلك في سلسلة الاتهامات، ليحمل وثيقة يدعي أنها تبين الإعانات التي تقدمها فرنسا لأحفاد الأمير عبد القادر إلى يومنا هذا، وأنها جزاء لتعاونه معهم.

بين البطل الخارق والخائن العميل، يُنسى الإنسان


الأمير عبدالقادر الجزائري على حصانه - المصدر: ويكي كومونز

يعتقد كثير من الكتاب والأكاديميين أنه لفرط ما أحاط الجزائريون أبطال موجات المقاومة الشعبية بهالة القداسة، أمسى من الصعب تقبل أن البطل يحدث أن ينهزم، يحدث أن يستسلم وأن يُأسر كغيره من البشر.

يتناسى كثير من الجزائريين أن الأبطال ما هم في النهاية إلا بشر، قد لا يتفق الجميع مع قراراتهم بالضرورة. ولهذا يحصر البعض الشخصيات التاريخية

بين صفتي البطل الخارق الذي لا يخطئ وبين الخائن العميل وفقاً لما يجدونه مبرراً لإصدار أحكام، متجاهلين الجانب الإنساني للشخصية التاريخية. يحمل الجزائريون الشهداءَ عبء الصورة الذهنية لـ"سوبرمان"، وهم بهذا يجعلونهم عرضة لأي محاولة للتشويه والتخوين، لأن "سوبرمان" لا يستسلم، ولأنه دائما يرضي جمهور المتفرجين.

يذهب آخرون إلى الجزم بأن الطبيعة لا تقبل الفراغ. فمن الطبيعي جداً أن تترك الساحة لكل من هب ودبّ لتأويل التاريخ واختلاق أحداث وصور وأرقام، نظراً للغموض الذي يحوم حول التاريخ الجزائري، لأن الجزائر دولة تفتقر لأرشيف يحمي ذاكرتها. الأرشيف الذي لا تزال غالبيته حبيسة أدراج السلطة الاستعمارية. فتهاون السلطات الجزائرية وكذا المؤرخين في سد ثغرات التاريخ واسترجاع الضائع منه، ترك الفرصة لكل أنواع التأويلات التي تأتي لتسد الفراغ. وهذا ما ذهب إليه الكاتب سعيد خطيبي في رده على نور الدين آيت حمودة، يقول خطيبي "عام 2016، بينما كنت يا سيد نور الدّين نائباً في البرلمان، كان أرشيف الأمير عبد القادر يُباع في مزادات علنية في فرنسا. أين كنت يومها؟ لماذا لم تقم بدورك كممثل للشّعب وتلزم الحكومة بشراء ذلك الأرشيف؟ لو أن ذلك الأرشيف كان متاحاً للجزائريين لبلعت لسانك ولم تتجرأ على كلامك ضدّ مؤسس الدّولة. بما أننا في بلاد بلا أرشيف فمن حقّك الثّرثرة كما يحلو لك".

حين يغضب الجزائريون

وبقدر الاحترام الذي يكنه الجزائريون للعقيد عميروش، أحد أبرز شخصيات ثورة التحرير الوطني، فقد كشّر الشعب عن أنيابه في وجه ابنه محاولين جهدهم ألا يمسوا بصورة الأب. لا يكاد يخلو حساب أي ناشط جزائري على مواقع التواصل الاجتماعي من نص يندد فيه بما جاء في تصريحات نور الدين، ومذكراً بإنجازات الأمير عبد القادر. وهناك من اكتفى بصب جام غضبه على المتحدث، ومن تبنى نظرية المؤامرة. وراح الكتاب والصحفيون يصححون المعلومات التي جاءت في اللقاء الصحفي.

وتساءل صاحب "كتاب الأمير"، الكاتب الجزائري واسيني الأعرج "هل بدأت حرب الرّموز؟ أن تدمّر أمة رموزها التّاريخيّة، فهي تقوم بتعرية جسدها للمنتهكين وفرسان المحو". ويضيف واسيني أنّه من حقّ آيت حمّودة أن يفكّر كما يشاء؛ لكن عليه على الأقلّ أن يعرف موضوعه أو يترك ذلك للمؤرّخين. ووضح الكاتب بعض التفاصيل التّي يقول إنّ نور الدّين آيت حمّودة جانب فيها الحقيقة التاريخية، كالصّورة التّي قال عنها إنّها لزوجة الأمير وهي منحنية أمام نابليون الثّالث، "هي أوّلًا لوحة وليست صورة، والتّي تظهر فيها أمّ الأمير التّي كانت منحنية الظّهر بسبب كبر سنّها. ثمّ هي رؤية الرّسّام الكولونياليّ يا سيد آيت حمودة. موقف الأمير من المسيحيّين في الشّام نابع من إنسانيته. رجل بحصانه وبندقيته وحفنة من أنصاره، أنقذ أكثر من 15 ألف مسيحيّ من موت مؤكّد. ويقول السّيّد آيت حمّودة إنّ الأمير دافع عنهم في الشّام وأطلقهم علينا في الجزائر! حالة قصوى من الجهل. حرب الجزائر استعماريّة كولونياليّة ولم تكن أبدًا دينيّة. رؤية الأمير في القرن التّاسع عشر كانت أكثر تقدّمًا من رؤية آيت حمودة التّي لا شيء يبرّرها إلّا عقليّة المحو والوهم والجهل المركّب والشّعبويّة المقيتة".

من جهته، يركز الباحث مصطفى صامت على الجانب الإنساني للأمير عبد القادر حيث يكتب " استسلام الأمير (في اتفاقه مع فرنسا)، كان بلا شك لحقن دماء الأطفال والنساء والشيوخ. وكان ذلك مصير الكثير من الرموز لتاريخنا، القديم منه والحديث. وهذا لا يجعل من الأمير خائناً أو خنوعاً. الجزائر كتاريخ وأمة وحضارة بحاجة إلى ذاكرة رجالها الذين خلدهم التاريخ في صنف المقاومين ومنهم الأمير، لكن بقراءة موضوعية بعيداً عن الأدلجة والمزايدة، مثل التي وظفها بومدين حينما نقل جثته إلى أرض الوطن للتجارة برمزيته، في نفس الوقت الذي كان يعتقل فيها كبار المجاهدين أمثال بوضياف وأيت أحمد، ويشارك في اغتيال غيرهم أمثال شعباني وبلقاسم كريم. رمزية الأمير كذلك استغلها التيار الإسلامي المنافق لنشر إيديولوجيته رغم أن إسلام الأمير الصوفي بعيد بعد السماء عن الأرض عن إسلامهم المتعصب و المريض، ويا ليتهم كانوا على إسلامه المنفتح على كل الديانات والأفكار".

هكذا ردت مؤسسات الدولة

أودعت هيئة دفاع عائلة الأمير عبد القادر الجزائري خاصة حفيدته عتيقة بوطالب، والأمينة العامّة لمؤسّسة الأمير زهور آسيا بوطالب، الأحد، رسمياً شكوى ضد نور الدين آيت حمودة، وطلب المحامون متابعة النائب السابق "بتهم ثقيلة تتعلق بالمساس برموز الأمة والثورة وزرع خطاب الكراهية والعنصرية والقذف وانتحال صفة". من جهتها، أكدت وزارة المجاهدين في بيان لها أنها "لن تتوانى في اتخاذ كافة الإجراءات القانونية ضد كل من يتجرأ على الرموز التاريخية الوطنية، من خلال التأسس كطرف مدني في الدعاوي القضائية المرفوعة في هذا الشأن".

ورغم أن مدير القناة ظهر عبر بث يبرئ نفسه والقناة مما جاء على لسان الضيف، في إشارة إلى كون تصريحاته لا تلزم غيره، إلا أن البعد الذي اتخذته الفقرة، أدى بسلطة ضبط السمعي البصري إلى وقف بث قناة الحياة ابتداء من 23يونيو/حزيران 2021 إلى غاية 29 حزيران 2021. للإشارة، فقد حذفت القناة المقابلة من كافة المنصات التابعة لها، ولم يبق سوى بعض المقاطع التي اقتطعها الجمهور ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard