أرادت استغلاله ثم خافت من نفوذه... قصة تحريض فرنسا لمحمد علي على غزو الجزائر

الجمعة 5 فبراير 202110:05 ص

في 29 نيسان/ أبريل من عام 1827، وفي مناسبة عيد الأضحى، وقع حوار مثير بين حاكم الجزائر الداي حسين والقنصل الفرنسي بيير ديفال، عندما استفسر الأول عن سبب تجاهل الحكومة الفرنسية لرسائله الخاصة بسداد قيمة شحنات القمح التي حصلت عليها باريس، ويبدو أن رد القنصل أثاره فوجه إليه ثلاث ضربات من "المروحة" التي كانت بيده وأمره بالانصراف.

كتب القنصل الفرنسي تقريره عن الحادث لحكومته، طالباً اتخاذ الوسائل الفعالة للمحافظة على كرامة فرنسا. وفي 16 حزيران/ يونيو عام 1827 وجهت فرنسا أربع سفن حربية تحمل إنذاراً للداي وتطلب ترضية كاملة عما لحق بها من إهانة.

يذكر شوقي عطا الله الجمل، في كتابه "المغرب العربي الكبير في العصر الحديث (ليبيا - تونس - الجزائر - المغرب)"، أن المطالب الفرنسية تضمنت تقديم اعتذار رسمي من الداي، وعدم تعرض السفن الفرنسية لأي إجراءات تفتيشية من السفن الجزائرية، ومنح فرنسا حق تسليح كافة مؤسساتها في الجزائر، وتمتع فرنسا في الجزائر بحق الأمة الأكثر رعاية، وأن يعلن الداي أن الحكومة الفرنسية وفت بالتزاماتها المالية للجزائر وأنه ليس له أي حق من قِبلها.

رفض الداي هذه المطالب، فاستمر الحصار الفرنسي للسواحل الجزائرية ثلاث سنوات حتى 13 حزيران/ يونيو، تعاقبت أثناءها على الحكم في فرنسا ثلاث وزارات دون أن يُتخذ عمل حاسم.

وحين تولى جول دو بوليناك الحكومة في فرنسا في آب/ أغسطس 1829، كان الرأي العام الفرنسي قد ضج من هذا الأمر الغريب، وثارت فكرة محاولة الالتجاء للسلطان العثماني للضغط على الداي ليقبل مطالب فرنسا، لكن السلطان في الحقيقة لم يكن في ذلك الوقت يملك قوة الضغط، فقد كان نفوذه في الجزائر لا يتعدى النفوذ الاسمي، بحسب الجمل.

الحل عند محمد علي باشا

يذكر صالح عبّاد، في كتابه "الجزائر خلال الحكم التركي 1814- 1830"، أن بوليناك اعتقد أن الحل عند والي مصر محمد علي، فحرّضه على الإطاحة بالداي حسين، لكن الباشا طلب من فرنسا أن تقرضه عشرين مليون فرنك تُدفع خلال عشر سنوات، وأن تمنحه أربع بوارج بحرية هبة، حتى يستطيع السيطرة على ولايات طرابلس وتونس والجزائر وإنهاء القرصنة التي كانت تمارسها السفن في البحر المتوسط.

عام 1827، حصل موقف بين حاكم الجزائر الداي حسين والقنصل الفرنسي اعتبره الأخير إهانة... دفعت الظروف السياسية والعسكرية آنذاك بالفرنسيين لمحاولة إقناع والي مصر للإطاحة بالداي، فما الذي حصل ولماذا تراجع الوالي بعدما تحمّس للطلب؟

ويذهب المؤرخ الإنكليزي هنري دودويل في كتابه "الاتجاه السياسي لمصر في عصر محمد علي" (ترجمة أحمد محمد عبد الخالق وعلي أحمد شكري)، أن دورفيشي الذي شغل منصب قنصل فرنسا العام في مصر كان صاحب فكرة تحريض محمد علي على غزو الجزائر، إذ كان يرى أن إرسال حملة فرنسية كفيل بأن يثير حقد إنكلترا ومعارضتها، أما امتداد سلطة الباشا على طوال الشاطئ الأفريقي فلن يفتح باب الاحتجاج السياسي، كما أن دول أوروبا سترحب بلا شك بوجود "حكم صالح" في تلك المناطق، يقوم على النظام والأمن مثلما في القاهرة والإسكندرية.

وحاول دورفيشي إقناع محمد علي بالمشروع، فلفت أنظاره إلى مزايا الاتفاق مع فرنسا في الجزائر، بدلاً من إثارة هواجس أوروبا بأسرها بما كان سيقوم به وقتها من مغامرات في سوريا.

وبحسب دودويل، لم يكن محمد علي مهتماً بطرابلس وتونس والجزائر، بل لعله كان يدرك أن امتداد سلطانه في تلك الجهات سيكون مصدر ضعف لا مصدر قوة، بموازاة إدراكه ما للمنطقة التي تضم إقليمي سوريا وبغداد من أهمية عسكرية، وكان يعلم أنه لو أُتيح له يوماً أن يبلغ المنزلة التي يطمح إليها في سوريا وبغداد فستكون لهما قيمة لا تدانيها قيمة امتلاك الشاطئ الأفريقي.

مع ذلك، لم يكن والي مصر ممن يتوانون عن انتهاز الفرص، فكان يرى أن الاقتراح الفرنسي - مهما كأن شأنه - سيؤدي إلى تحقيق أمرين، أولهما إتاحة الفرصة له لإعادة إنشاء أسطوله المتلاشي، وثانيهما احتمال عقد تحالف مع فرنسا نفسها.

وإذا كان في هذا ما يقلق إنكلترا فلتكن المعاهدة معها، أو بعبارة أخرى كان الباشا على استعداد لفتح الجزائر إذا كان ثمة مغنم له من وراء ذلك، أو أن يطرح المشروع جانباً إذا رأى أن لا فائدة كبيرة، كما ذكر دودويل.

مباحثات في الإسكندرية والآستانة

يبدو أن دورفيشي أُغرم بمشروعه إلى حد أعماه عن معرفة نوايا الباشا، بينما كان بوليناك متعطشاً لاتباع أية خطة ترمي فوراً إلى تهدئة ثورة الرأي العام الفرنسي بسبب الحصار الذي كبّد فرنسا مبالغ باهظة دون نتيجة، وذلك بإنزال العقاب بالجزائر.

وهكذا، بادر بإرسال تعليمات إلى سفيره في الآستانة جيبو مينو وإلى قنصله العام في الإسكندرية ميمو.

وكلّف الأول بأن يطلب من السلطان محمود الثاني إصدار الفرمانات اللازمة إلى محمد علي كي يقوم بإخضاع ولايات البربر، وأن يعزز هذا الطلب بحجتين.الأولى أن فرنسا إذا ما أرسلت حملة تأديبية من عندها، فأغلب الظن أنها لن تغادر تلك الجهات التي ستفلت من قبضة الباب العالي نهائياً، والثانية أن محمد علي سيدفع إتاوة، حسب دودويل.

أما تعليماته إلى الثاني فكانت تتلخص في وجوب إبلاغ الباشا بأن فرنسا موافقة على آرائه، وتؤيد خططه ضد ولايات البربر، وأن الأسطول الفرنسي - إذا طلب الباشا ذلك - سيكون على استعداد للتعاون مع قواته، وأنه سيتسلم في الحال عشرة ملايين فرنك إذا ما أرسل الحملة المذكورة فوراً.

خوف السلطان العثماني

لم تجرِ مباحثات الآستانة والإسكندرية بالسهولة التي كان يتوهمها بوليناك بسبب عجلته، كما أن محمد علي استهجن مفاتحة الباب العالي في الموضوع، قائلاً إن الآستانة لن تسمح من تلقاء نفسها بامتداد سلطته، وأنها قد تسعى للحصول على مساعدة الأسطول الإنكليزي لإحباط أعماله العسكرية في ولايات البربر، وكان من الأرجح ألا يؤخذ رأي الآستانة في الموضوع وأن ترضخ للأمر الواقع، على ما ذكر دودويل.

تردد السلطان العثماني في منح محمد علي فرماناً بإرسال حملته إلى الجزائر، لأن نجاحه في إخضاع شمال إفريقيا يعني ارتفاع شأنه لدى الأوروبيين الذين سيكفون عن مراوغته في الموافقة على استقلاله رسمياً عن الدولة العثمانية

ويذكر عبد الرؤوف أحمد عمرو، في مقدمة ترجمة كتاب الضابط الفرنسي جورج داون "مشروع حملة محمد علي على الجزائر 1829- 1830" (ترجمه للعربية عثمان مصطفى عثمان)، أن السلطان العثماني كان متردداً في منح محمد علي فرماناً بإرسال حملته إلى الجزائر، لأن نجاح الباشا في إخضاع شمال إفريقيا لنفوذه يعني ارتفاع شأنه في أعين الأوروبيين، وسيعتبرونه عندئذ قاهر "قراصنة البحر" في بلاد شمال أفريقيا، وبذلك تكف الدول الأوروبية عن مراوغته في الموافقة على إعلان استقلاله رسمياً عن الدولة العثمانية، حيث كان هذا الشعور ينازعه بشدة في ذلك العام.

وكان شأن محمد علي سيرتفع أيضاً في أعين المسلمين، خاصة أنه سبق وقهر الوهابيين في الجزيرة العربية، والذين فشل أمام قوتهم كل من حاكم ولاية العراق والشام.

وفي كل الأحوال، كان محمد علي باشا عازماً على المضي في مشروعه، سواء وافق الباب العالي أم لم يوافق، وكان الأهم عنده أن تقبل فرنسا شروطه، ومنها تسليمه أربع بوارج كشرط نهائي لا مفر منه، وشدد على أنه لن يأمر جيشه بالتحرك ما لم ير البوارج الأربعة تدخل ميناء الإسكندرية، وكانت وجهة نظره أن يظهر أسطوله بمظهر يدل على القوة التي تجبر حكام الولايات الثلاث على الاستسلام بمجرد رؤية أسطوله أمام شواطئهم، بحسب عمرو.

ومن هنا جاء الخلاف بين الحكومة الفرنسية ومحمد علي، إذ لم تكن فرنسا لتقبل بأن تسلم أربع بوارج من أسطولها للانضمام إلى الأسطول المصري، وكانت ترى في ذلك إهانة لشرف فرنسا من جانب، ومن جانب آخر خوفاً من اعتراض إنكلترا التي لا يرضيها أن ترى أسطولاً ينافس أسطولها في عرض البحر.

وبموجب هذه المعطيات، عرض بوليناك مشروعاً جديداً على محمد علي يقضي بأن تتعاون فرنسا معه تعاوناً عسكرياً فعلياً، فبينما يكون منهمكاً بإخضاع ولايتي طرابلس وتونس تسارع فرنسا باقتحام الجزائر بمفردها، وفي الوقت نفسه يكون الأسطول الفرنسي مستعداً لتقديم أي مساعدة قد يحتاجها جيش الباشا.

خوف محمد علي على مكانته

رفض محمد علي المشروع الجديد، مدركاً هدف فرنسا منه، وهو ألا تظهر أمام الرأي العام بأنها دولة استعمارية، من خلال الاحتماء بمحمد علي الذي كلفته باحتلال طرابلس وتونس.

أدرك محمد علي ألا فائدة تُرجى من المشروع الفرنسي، فضلاً عن أن ولايتي طرابلس وتونس تفصله عنهما صحراء طويلة وشاقة، وكونهما ولايتين فقيرتين بالموارد، كما لا توجد عداوة بينهما وبين مصر.

وبحسب عمرو، أدرك محمد علي ألا فائدة تُرجى من المشروع الفرنسي، فضلاً عن أن ولايتي طرابلس وتونس تفصله عنهما صحراء طويلة وشاقة، وكونهما ولايتين فقيرتين بالموارد، كما لا توجد عداوة بينهما وبين مصر.

الأكثر من ذلك أن محمد علي رأى أن اشتراكه مع دولة مسيحية في غزو ولايات عربية يُسقط عنه المكانة العظيمة التي أصبح يتمتع بها في ربوع العالم الإسلامي، خاصة بعد أن أعاد الأمن والأمان أمام المسلمين، من خلال أداء مناسكهم بعد أن قضى على نفوذ الوهابيين في الحجاز (1811 – 1819)، وبات يُعرف بـ"حامي حمى الحرمين"، بعد أن ساد الأمن والأمان هذه البقاع.

ولهذا كان محمد علي يوازن بين أمرين، إما أن يتجه بقوته ناحية المشرق (الشام) أو ناحية المغرب العربي. فهو كان يسابق الزمن نحو إزاحة السلطان محمود الثاني، وأن يعيد إلى الدولة العثمانية شبابها وقوتها، متبعاً النهج نفسه الذي اتبعه في مصر. وفي المحصلة، رفض محمد علي خطة فرنسا الجديدة لأنه رأى أنها خطة غير قابلة للتنفيذ.

قلق أوروبا من "بونابرت" جديد

وفي نفس الوقت، كانت الدول الأوروبية تساير إنكلترا في عهد رئيس وزرائها اللورد بالمرستون الذي كان يرى الإبقاء على منطقة العالم العربي ممزقة إلى ولايات غير متحدة أفضل من وقوعها تحت نفوذ حاكم قوي مثل محمد علي باشا الذي لا تقف طموحاته عند حد، ويزداد قوة على قوة، لا سيما أن أسطورة نابليون بونابرت ليست ببعيدة عنهم.

وعلى هذا لم تكن دول مثل النمسا وروسيا وبريطانيا تريد أن يرتفع شأن محمد علي باشا إلى قدر أكبر من هذا القدر، وتزداد قوته بحيث يستحيل بعد ذلك مواجهته وقهره، بل من الممكن أن ينازلها وينال منها، كما روى عمرو.

توجه الباشا للشام

إزاء موقف محمد علي والمخاوف الأوروبية، حزمت فرنسا أمرها لاحتلال الجزائر فقط، وترك الولايتين الأخريتين (طرابلس وتونس)، ولجأ بولينياك إلى استمالة دول أوروبا إلى جانبه، فأرسل منشوراً في 12 أيار/ مايو 1830، أوضح فيه أهداف الحملة، ومنها الاقتصاص من داي الجزائر، وإجباره عن الكف عن أعمال القرصنة واسترقاق الرعايا الأوروبيين.

وخرجت الحملة من قاعدة طولون في 25 أيار/ مايو 1830 وضمت أكثر من 37 ألف مقاتل، بالإضافة إلى رجال البحرية البالغ عددهم 20 ألفاً محمولين على أسطول يتكون من أكثر مئة سفينة حربية، ووقع احتلال الجزائر بالفعل بعد مقاومة أهلها يوم 5 حزيران/ يونيو من عام 1830.

في الوقت ذاته، استقر رأي محمد علي أن تكون وجهته إلى بلاد الشام، لاعتبارات سياسية واستراتيجية واقتصادية قدّرها حق تقديرها، وبدأ الاستعداد لتسيير الحملة منذ أوائل منذ أوائل عام 1830 وإن كانت قد تأخرت إلى تشرين الأول/ أكتوبر 1831.

واعتبر الباشا وقتها أن هذه الحملة دفاعية عن نفوذه، لكن سرعان ما تحولت إلى حرب هجومية بعد أن اجتازت قواته سلسلة جبال طوروس في تركيا، ثم اندفعت في قلب الأناضول، حتى وصلت الجيوش المصرية مكللة بالنصر إلى مدينة كوتاهية عام 1833، ولم يبق أمامه سوى مسافة 50 كيلومتراً ليبلغ القسطنطينية، إلى أن تدخلت القوى الأوروبية وحالت دون ذلك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard