قصص حب من مقهى في اللاذقية

السبت 26 يونيو 202110:04 ص

لو كتبنا على محرك البحث غوغل "ما هو الحب؟"، سنحصل على كثير من الإجابات، ولو سألنا الساسة والتجار واللصوص لعرّفَ كل منهم الحب بشكل مختلف عن الآخر، وهذا ينطبق على الفلاسفة والشعراء والكادحين. كل التعريفات، بشكل ما، هي صحيحة، على الأقل من وجهة نظر مَن يقولها ويشعر بها.

عام 2007، أسستُ مقهى قصيدة نثر مع صديقي، كفضاء ثقافي واجتماعي قائم على أن يكون مريحاً ويتمتع بالبساطة. ويمكنني القول إننا جذبنا عدداً كبيراً من المهتمين بالشأن الثقافي، وأيضاً جذبنا أشخاصاً بعيدين كل البعد عن الوسط الثقافي من خلال العفوية التي يتمتع بها المكان.

حين سُئلت ما الذي يُميّز مقهى قصيدة نثر عن غيره من المقاهي؟ أجبت ببساطة: إن المشروبات فيه محدودة وعادية ولا تُقدَّم بكؤوس فاخرة، والإنترنت بطيء والخدمة متواضعة جداً، وهو بارد في الشتاء وحار في الصيف طالما أن الكهرباء مقطوعة لأن طاقة مولّد الكهرباء لدينا لا يمكنها تشغيل مكيف الهواء.

رغم ذلك، هناك ما يميّزه ويجعله متفرداً عن غيره وهو نوعية مَن يرتادونه وحكاياتهم وأساليبهم في التفاعل معه، وقصص الحب الكثيرة التي كان المقهى سبباً في حدوثها أو شاهداً عليها. ما يميّزه أن هناك جزءاً جميلاً من تاريخ وذاكرة مدينة اللاذقية في مساحته التي لا تتجاوز خمسين متراً.

زقاق أوسع من شوارع أوروبا

بعد افتتاح المقهى بأيام قليلة، قمنا بكتابة عبارات شعرية على جدرانه وجدران بعض المنازل المحيطة به، وزرعنا الأزهار والشجيرات حوله وكانت هذه أول قصة حب عاشها المكان والزقاق الذي كان وما زال بالنسبة إليّ أكثر اتساعاً من شوارع أوروبا كلها.

في إحدى المرات، سألني صديقي من أين يمكنني الحصول على عنزة شامية؟ ضحكت مستغرباً وسألته: لماذا؟ قال: هناك فتاة تحب شكل العنزة الشامية وأريد أن أحضر لها واحدة.

بعد عدة أيام، دخلَت تلك الفتاة الجميلة إلى المقهى ووجدَت عنزة شامية غاية في اللطف تنتظرها على إحدى الطاولات. في ما بعد، باح صديقي بحبّهِ للفتاة التي بادلته الحب. حين علم البعض بحبهما جاؤوا وقالوا لها كثيراً من كلام السوء عنه، فردّت: هذا الرجل السيئ حبيبي.

بعد عدة أشهر، انتقلَت حبيبة الرجل "السيئ" إلى دمشق، ونتيجة للبعد عن حبيبها والاشتياق وضغط العمل أرسلت له رسالة على هاتفه الجوّال: حبيبتك كوالا انتحرت بذيل قرد على الشجرة.

آلمته رسالتها ولكي يخفف عنها، قام بطباعة عشرات القصائد لعدد من الشعراء على أوراق كبيرة وملوّنة، وفي أسفل كل قصيدة كتب جملة: حبيبك الرجل السيئ، وسافر إلى دمشق ليلصق تلك القصائد على جدران شارع مؤدٍّ إلى المقهى الذي تجلس فيه ثم عاد إلى اللاذقية. حين مرّت في الشارع انتبهت أن هناك كثيراً من الأشخاص يقرأون شيئاً ما على الجدران. اقتربت وقرأت قصيدة مكتوب في أسفلها "حبيبك الرجل السيئ".

"الحب هو الجواب الوحيد العاقل والمقنع لمشكلة الوجود الإنساني"، يقول إريك فروم.

"بعد أن تبادلت معها الكلام قلت: هذه هي الفتاة التي هربت من الشباك في أغنية فيروز ‘أمي نامت عَ بكير وسكر بيي البوابة، وأنا هربت من الشباك وجيت لعيد العزابي’"

عدم التطرف هو أن أقيم أمسية شعرية لشاعر يكتب قصيدة التفعيلة في مقهى قصيدة نثر، أما التطرف والشغف فهو أن يأتي شاعر يكتب قصيدة النثر مع فتاة تلبس فستان العرس ليشربا البيرة مع الأصدقاء في المقهى قبل الذهاب إلى حفل زفافهما.

هذا ما فعله أحد شعراء اللاذقية. ليلتها، اتصل به أحد أقاربه ليسأله عن سبب تأخرهما في المجيء إلى المطعم الذي يقام فيه الحفل، فقال: لقد أخّرتنا القصيدة! وأغلق الخط وهو يضحك تاركاً المتصل يتساءل كيف يمكن لقصيدة أن تؤخر عروسين عن أهم حدث في حياتهما.

الزواج هو أن يتشارك شخصان تعب الحياة وفرحها.

لحظات جميلة وأخرى قاسية

في سنوات الحرب السورية، جاء شاب وقال لي: تعرّفتُ على فتاة في هذا المقهى وأحببتها وأحبتني ومنذ عدة أسابيع افترقنا على هذه الطاولة، مشيراً بيده إلى إحدى الطاولات، ثم أضاف: وعلى الطاولة ذاتها شربنا النبيذ بعد أن عدنا حبيبين مرة أخرى. في هذا المقهى عشت أجمل وأقسى لحظات حياتي مع حبيبتي وأريد أن أقيم عرسي فيه. بالطبع وافقت. وكان هذا العرس الوحيد الذي أقيم في المقهى حتى الآن.

عام 2009، دخل شاب برفقة فتاة ومعه كاميرا فوتوغرافية، وبعد أن جلسا جاء وأعطاني الكاميرا قائلاً: أريد أن تصورني وأنا أعترف الآن لهذه الفتاة بحبي لها، وبالفعل نزل على ركبتيه أمام الجميع وقال لها: أنا بحبك. ارتبكت الفتاة وخجلت وعلا التصفيق في المقهى. لاحقاً، أخبرني أن الفتاة تعتبره مجرد صديق مقرّب.

الحب فرسٌ كسيرُ الأرجل يحاول الوقوف بينما يشاهده خمسة وأربعون ألف متفرج.

"سبعة أيام في دمشق كانت كافية لألتمس أنها معجبة بي. في اليوم التالي لعودتنا، التقينا في المقهى، وقلت لها: بالقرب من الأنهار قامت الحضارات، أنت الضفة التي سأبني عليها بيتي... بحبك"

في أحد الصباحات، رنّ هاتفي الجوال. كان المتصل شاباً من خارج سوريا عرّفني على نفسه وقال: في صبية لابسي جاكيت أحمر وشال صوف قاعدة ع الطاولة يلي حد المكتبة، هيدي حبيبتي ممكن تحطلا أغنية زياد الرحباني "بلا ولا شي" وتخبرها إنو هيدي منّي؟

الحب: إنه تلك الحالة.

في صيف 2008، غادرت دمشق في الرابعة صباحاً عائداً إلى اللاذقية، وحين وصلت إلى المقهى التقيت بشاب تجمعني به علاقة لطيفة. كان برفقة ثلاث فتيات: حبيبته وصديقته والثالثة أراها لأول مرة... أقنعتهم بالدخول وشرب فنجان قهوة، وطوال الوقت كنتُ مشغولاً بمعرفة مَن تكون تلك الفتاة التي يوجد قليل من النمش على وجهها وتملك عينين جميلتين شرستين وجسداً تسكنه كل أنواع السنّوريات. وبعد أن تبادلت معها الكلام قلت: هذه هي الفتاة التي هربت من الشباك في أغنية فيروز "أمي نامت عَ بكير وسكر بيي البوابة، وأنا هربت من الشباك وجيت لعيد العزابي".

الحب في بعض الأحيان يحدث فجأة مثل الحادث على الطرقات السريعة، ومثل الضربة القاضية في حلبة الملاكمة.

خلال الحديث عرفت أنهم بعد قليل سيسافرون إلى دمشق فقلت: شو هالمصادفة الحلوة أنا وصديقي كمان مسافرين عَ الشام بعد شوي. نظروا إليّ باستغراب! وقال الشاب: إذاً فلنذهب معاً.

حجزت ثلاثة مقاعد مزدوجة، اثنان منها في مؤخرة الحافلة وواحد في المقدمة، وقبل صعودنا بلحظات أخبرتهم أن صديقي اعتذر عن السفر وأعطيت للشاب وحبيبته وصديقته تذاكرهم، فصعدوا، وبالطبع صعدت بعدهم مباشرة كي لا أسمح للفتاة بالذهاب مباشرة إلى المقاعد الخلفية وقلت لها: هل تعلمين أن الحافلة حين تتعرض لحادث يكون الركاب في المقاعد الخلفية أكثر تضرراً من الأمامية؟ نظرت إليّ مبتسمة وقالت: هذا الكلام غير منطقي! ابتسمت وقلت: الطريق إلى المقاعد الخلفية طويل وشاق، إنْ جلستِ معي ستصلين قبلهم إلى دمشق. ضحكت وشاركتني المقعد.

سبعة أيام في دمشق كانت كافية لألتمس أنها معجبة بي. في اليوم التالي لعودتنا، التقينا في المقهى، وقلت لها: بالقرب من الأنهار قامت الحضارات، أنت الضفة التي سأبني عليها بيتي... بحبك.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard