"لا ربح بدون ألم"... لماذا نخسر لياقتنا بسرعة بعد التوقف عن الرياضة؟

الخميس 17 يونيو 202106:00 م

يشعر البعض بالقلق الشديد والخشية من فقدان لياقته إذا فاته تمرين رياضي واحد، في حين أن البعض الآخر يتغيّب لشهور طويلة عن الرياضة، ويجد صعوبة بالغة في العودة إلى روتين اللياقة البدنية، ويصبح الركض مثلاً لمدة 15 دقيقة فقط بمثابة "عمل شاق"، يحتاج إلى "جهد جبار" منه لإتمامه.

لا شك أن اكتساب لياقة بدنية عالية ليس بالأمر السهل على الإطلاق، بل يتطلب التزاماً كبيراً ومجهوداً مستمراً حتى يتمكن المرء من بناء العضلات والحفاظ على حالة بدنية متميزة، غير أن كل هذه الجهود قد تتلاشى بسرعة إذا تمّ التوقف عن ممارسة التدريبات الرياضية لفترة ما، غير أن ذلك لا يعني أنه يجب البدء من الصفر حتى يستعيد الشخص المعني لياقته البدنية.

مفتاح اللياقة البدنية

في العام 1982، بدأت الممثلة جين فوندا بإنتاج سلسلة من مقاطع فيديو مصورة للتمارين الرياضية، حيث تم استخدام شعارات عديدة، من بينها "لا ربح بدون ألم" (No pain, no gain)، للدلالة على أنه من دون العمل الشاق والتضحيات لا يمكن تحقيق النتائج المرجوّة والحصول على عضلات قوية وصلبة.

وعليه، تم اعتماد هذا الشعار في مجموعة متنوعة من الأنشطة الرياضية واللياقة البدنية، بدءاً من الثمانينيات حتى يومنا هذا.

والواقع، إن مفتاح اللياقة البدنية، سواء كانت لتحسين صحة القلب والأوعية الدموية أو لتعزيز القوة العضلية، يتمثل في تجاوز "الحمل المعتاد"، أي أن يقوم المرء بأكثر مما اعتاد جسمه على القيام به، بحيث أن الضغط الذي يسببه التمرين الشاق على الجسم، يجعله أكثر تكيّفاً، ما يؤدي إلى مستويات لياقة بدنية أعلى.

يعتمد الوقت الذي يحتاج الجسم للحصول على لياقة عالية، على مجموعة من العوامل، من بينها مستويات اللياقة الأساسية، العمر، مدى صعوبة الجهد المبذول في التمارين والبيئة التي يمارس فيها المرء الرياضة، فالتلوث وارتفاع الحرارة مثلاً من شأنهما التأثير على الاستجابة الفيزيولوجية للتمرين.

مفتاح اللياقة البدنية، يتمثل في تجاوز "الحمل المعتاد"، أي أن يقوم المرء بأكثر مما اعتاد جسمه على القيام به، بحيث أن الضغط الذي يسببه التمرين الشاق على الجسم، يجعله أكثر تكيّفاً، ما يؤدي إلى مستويات لياقة بدنية أعلى

ومع ذلك، تشير بعض الدراسات إلى أن القيام بستّ جلسات فقط من التمرين المتقطع يمكن أن تؤدي إلى زيادة في امتصاص الأوكسجين الأقصى (VO2 max)، وهو مقياس للياقة العامة، بالإضافة لتحسين مدى كفاءة الجسم في تزويد نفسه بالطاقة، من خلال استخدام السكر المخزّن في الخلايا.

أما بالنسبة لتمارين القوة، فيمكن للمرء أن يجني بعض الفوائد في القوة العضلية في أقل من أسبوعين، مع العلم بأن التغييرات في حجم العضلات لن تظهر قبل 8 إلى 12 أسبوع.

صحة القلب والأوعية الدموية

في مقالهما الذي نشر على موقع The Conversation، أوضح كل من دان غوردون، وهو أستاذ مساعد في فيزيولوجيا القلب والجهاز التنفسي في جامعة أنجيلا راسكين وجوستين روبرتز، أستاذ مشارك في التغذية الصحية والتمارين الرياضية، أنه عند التوقف عن ممارسة التمارين الرياضية، فإن سرعة خسارة اللياقة البدنية تعتمد على عدة عوامل، بما في ذلك نوع اللياقة: تمارين القوة أو لياقة القلب والأوعية الدموية.

فإذا أخذنا على سبيل المثال حالة عدّاء الماراثون، فإنه يتمرّن في العادة بين 5 إلى 6 أيام في الأسبوع ويقطع مسافة 90 كيلومتر في غضون ساعتين، كما أنه من المرجح أن يكون قد أمضى سنوات عديدة في تطوير هذا المستوى من اللياقة البدنية، وعليه في حال توقف هذا الرياضي عن التدريب تماماً فإنه سيبدأ في فقدان لياقته البدنية في غضون أسابيع قليلة، وذلك لكون جسمه لم يعد عرضة للضغوط كما في السابق.

أما بالنسبة للسعة القصوى للأوكسجين، فستنخفض إلى حوالي 10% في غضون الأسابيع الأربعة الأولى، بعد التوقف عن التمارين، وتستمر النسبة في التراجع ولكن بوتيرة أبطأ.

والنقطة المثيرة للاهتمام، أن الرياضيين المدربين بشكل جيّد، يشهدون انخفاضاً حاداً في مستوى السعة القصوى للأوكسجين، خلال الأسابيع الأربعة الأولى من التوقف عن التدريب، ويتلاشى هذا التراجع بعد ذلك، ليستقر عند درجة أعلى من معدله المتوسط، أما بالنسبة للشخص العادي، فينخفض مستوى السعة القصوى للأوكسجين بشكل حاد، ويعود إلى المستوى الذي كان عليه قبل بدء التدريب، خلال أقل من ثمانية أسابيع.

اكتساب لياقة بدنية عالية ليس بالأمر السهل على الإطلاق، بل يتطلب التزاماً كبيراً ومجهوداً مستمراً حتى يتمكن المرء من بناء العضلات والحفاظ على حالة بدنية متميزة، غير أن كل هذه الجهود قد تتلاشى بسرعة إذا تمّ التوقف عن ممارسة التدريبات الرياضية لفترة ما

ويعود سبب انخفاض مستوى السعة القصوى للأوكسجين إلى انخفاض أحجام الدم والبلازما بنحو 12%، في الأسابيع الأربعة الأولى من توقف المرء عن التدريب، بسبب تراجع مستوى الضغوط على القلب والعضلات.

وبالتالي، بمجّرد أن نتوقف عن ممارسة الرياضة، يبدأ جسمنا في فقدان التكيّفات القلبية والأوعية الدموية بمعدل مشابه لما يحصل مع العدائين المُدربين تدريباً عالياً.

العضلات "الكسولة"

تشير الأدلّة العلمية إلى أن التوقف لمدة 12 أسبوع عن ممارسة التدريبات الرياضية، يؤدي لانخفاض كبير في مقدار الأوزان التي يمكن رفعها.

ويعود سبب فقداننا للقوة العضلية إلى حقيقة أننا عندما نتوقف عن التمارين الرياضية، نكفّ عن تعريض عضلاتنا للضغوط، ما يجعل هذه العضلات "كسولة"، بالإضافة إلى انخفاض عدد ألياف العضلات، وتقليل عدد العضلات التي يمكن تجنيدها أثناء النشاط، وهو ما يجعلنا أقل قدرة على رفع الأوزان الثقيلة التي اعتدنا رفعها.

وعلى الرغم من الانخفاض الكبير في القوة العضلية، لا يحدث سوى انخفاض طفيف في حجم الألياف العضلية، كما أن الأبحاث تظهر أننا نحافظ على بعض القوة التي اكتسبناها قبل التوقف عن التدريب.

وفي هذا الصدد، تبيّن أن عدد الألياف العضلية المستخدمة خلال التمارين الرياضية، تنخفض بحوالي 13% بعد أسبوعين فقط من التوقف عن ممارسة الرياضة، على الرغم من أن ذلك لا يترافق مع تراجع في القوة العضلية.

التوقف لمدة 12 أسبوع عن ممارسة التدريبات الرياضية، يؤدي لانخفاض كبير في مقدار الأوزان التي يمكن رفعها

هذا يعني بأن الخسائر التي لوحظت عبر فترات أطول من التوقف عن التمارين هي مزيج من الانخفاض الذي يحدث في عدد ألياف العضلات والتراجع الأبطأ في كتلة العضلات ككل، ما يعني بأن الأفراد الذين يرفعون الأوزان الثقيلة في العادة سيجدون صعوبة في فعل ذلك عند التوقف لفترة عن التمارين الرياضية، بسبب الانخفاض في حجم العضلات والألياف العضلية الأقل التي يتم تجنيدها.

باختصار، بمعزل عن الجهود الكبيرة التي نبذلها لاستعادة لياقتنا، نبدأ في خسارة اللياقة القلبية الوعائية والقوة العضلية في غضون 48 ساعة من التوقف عن ممارسة التمارين الرياضية، لكننا لا نبدأ في الشعور بالتأثيرات السلبية على صعيد صحة القلب والأوعية الدموية إلا بعد أسبوعين أو ثلاثة، في حين أن التأثير على القوة العضلية يظهر بعد حوالي ستة إلى عشرة أسابيع، وهي معدلات تطال الرجال والنساء على حدّ سواء، مع العلم بأنه كلما كان المرء أكثر لياقة، كلما فقد مكاسب بشكل أبطأ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard