ما سرّ النشوة التي يختبرها البعض أثناء الركض؟

الجمعة 21 أغسطس 202006:35 م

بعد الجري لفترة معيّنة، يصل بعض الأشخاص لحالة من النشوة المشابهة لتعاطي المخدرات، مع ما يحمله ذلك من الشعور بالخفة كما لو كانوا يطيرون، وتقليل القدرة على الشعور بالألم، بالإضافة إلى انخفاض مستويات القلق وتحسين الحالة المزاجية.

هذه الآثار الجانبية الرائعة للركض تبدو غامضة ومراوغة، فالبعض يختبر هذه النشوة اللطيفة بوضوح في جسده وروحه، وينتابه شعور غامر بالبهجة التي لا توصف، في حين أن البعض الآخر لا يتمكن من فهم هذه الظاهرة على الإطلاق، معتبراً بأنها مجرد "وهم" لا أساس علمياً له، إلا أن الأبحاث أكدت أن "نشوة العداء" حقيقية وناجمة عن إطلاق هرمونات معيّنة أثناء الركض لفترة معيّنة.

الثمالة الروحية

في العام 1855، وصف الفيلسوف الإسكتلندي ألكسندر باين، متعة المشي السريع أو الركض على أنه "نوع من السُكر الميكانيكي" الذي ينتج بهجة مماثلة لعبادة باخوس، إله الخمر عند الإغريق وملهم طقوس الابتهاج والنشوة.

وبدوره لخّص العداء سكوت دنلاب، "نشوة الركض" بالقول: "أساوي ذلك مع اثنين من مشروب الطاقة ريد بول وفودكا، ثلاثة إيبوبروفين، بالإضافة إلى تذكرة لوتو فائزة بجيبكم بقيمة 50 دولاراً"، مضيفاً بأنها حالة استرخاء ذهنية مصحوبة بتوقف للألم بعد 60 إلى 90 دقيقة من التمرين المستمر: "أجد الأمر مبهجاً حقاً، ما يجعلني في حالة من التفاؤل الأبدي الذي يمكن أن يستمر لساعات بعد الجري".

بعد الجري لفترة معيّنة، يصل بعض الأشخاص لحالة من النشوة المشابهة لتعاطي المخدرات، مع ما يحمله ذلك من الشعور بالخفة كما لو كانوا يطيرون

أما بالنسبة لرياضيين آخرين، فإنهم ينظرون إلى "نشوة العداء" على أنها تجربة روحية، ففي كتابThe Runner's High: Illumination and Ecstasy in Motion، وصف دان ستيرن الدموع التي كانت تنهمر على وجهه خلال الركض لسبعة أميال في الصباح: "لقد اقتربت أكثر فأكثر من المكان الذي يحاول المتصوفون والشامان وصفه. أصبحت كل لحظة ثمينة. شعرت في الوقت نفسه بالتفرد والاتصال التام".

والحقيقة أن هذا الشعور بالبهجة لا يقتصر فقط على رياضة الجري، إذ يمكن للمرء أن يشعر بالسعادة العارمة مع كل نشاط بدني يقوم به بشكل مستدام، مثل المشي لمسافات طويلة، السباحة، ركوب الدراجات، الرقص، اليوغا... مع العلم بأن شعوركم بالنشوة لا يمكن أن يتحقق إلا بعد بذل جهد كبير، وكأنها طريقة الدماغ لمكافأتكم على العمل المضني الذي قمتم به.

العودة إلى الأجداد

حاول العديد من العلماء فك لغز وغموض "نشوة العداء"، وقد ذهب البعض منهم إلى ربط هذه النشوة اللذيذة التي يختبرها البعض بعد ممارسة الركض بحياة أسلافنا الأوائل، مشيرين إلى أن الشعور بالنشوة أثناء الركض قد تكون محفورة في داخلنا، بحيث أن بقاء أجدادنا كان يعتمد على الأرجح على ملاحقة الطعام والرغبة في البقاء هي الدافع وراء قيامهم بالجري.

فقد افترض بعض الباحثين مثل عالم الأحياء، دينيس برامبل، والباحث في سلوك الإنسان القديم، دانيال ليبرمان، أن الحالة الكيميائية العصبية التي تجعل الجري مرضياً وممتعاً كانت في الأصل بمثابة مكافأة لإبقاء البشر الأوائل يصطادون ويتجمعون.

وفي هذا الصدد، كان عالم الأنثروبولوجيا في جامعة جنوب كاليفورنيا، ديفيد رايشلن، على دراية بفكرة أن الانتقاء الطبيعي فضّل السمات التي تسمح للبشر بالركض، ومع ذلك فقد استوقفته مسألة التحفيز، فالهيكل العظمي الذي يجعل الجري أسهل لا يعتبر كافياً لخلق رياضي قادر على التحمل، وبالتالي ما الذي يجعل البشر الأوائل على استعداد لبذل الكثير من الجهد، بخاصة وأن البشر ميالون للحفاظ على الطاقة؟

بغية إيجاد أجوبة شافية على مثل هذه التساؤلات، انكب رايشلن على دراسة ظاهرة "نشوة العداء"، ووجد أن هذه "المكافأة" الناجمة عن الركض تقوم بدورين أساسيين، فهي من جهة تعمل على تخفيف الألم، بحيث أن نشوة العداء هي بمثابة مسكن طبيعي للألم، فتخفي ألم الساقين المتعبتين والقدمين المتقرحتين، ومن جهة أخرى تقوم ببث الشعور بالمتعة والسعادة العارمة، وذلك عن طريق إفراز الأندورفين، وهو الهرمون المسؤول عن الـeuphoria (الابتهاج)، استرخاء الجسم وتخفيف التوتر العصبي والنفسي.

المثابرة هي مفتاح الشعور بالنشوة أثناء التمرين الرياضي

وبالإضافة إلى الأندورفين الملقب بـ"هرمون السعادة"، فإن رايشلن اعتبر أن "نشوة العداء" ناجمة أيضاً عن إفراز بعض المواد الكيميائية في الدماغ المعروفة بـendocannabinoids، وهي نفس المواد الكيميائية التي يحاكيها القنب أو الماريجوانا، بحيث تتشابه الآثار لدى العدائين ومتعاطي المخدرات على نحو ملحوظ: انخفاض القلق والتوتر، تقليل الألم، فقدان الإحساس بالوقت وتنشيط الحواس...

وبالرغم من أن الدراسات السابقة أشارت إلى أن التمارين الرياضية قد تؤدي إلى إفراز بعض المواد الكيميائية في الجسم مثل endocannabinoids إلا أنه لم يقم أحد بتوثيق هذه المعلومات أثناء الجري.

من هنا قرر العالم ديفيد رايشلن وضع العدائين المنتظمين قيد الاختبار، من خلال تمارين متفاوتة الشدة على آلة المشي. وقبل وبعد كل شوط، كان رايشلن يقوم بأخذ عينات من الدم لقياس مستويات endocannabinoid، وقد تبيّن أن المشي ببطء لمدة 30 دقيقة لم يكن له أي تأثير، تماماً كالركض بأقصى جهد، في حين أن الركض البطيء زاد بمعدل 3 مرات من مستويات هذه المواد الكيميائية.

فما تفسير ذلك؟ وما علاقة المثابرة بالموضوع؟

أوضح ديفيد رايشلن أن أدمغتنا تكافئنا على ممارسة الرياضة بقوة مماثلة لتلك المستخدمة في الصيد والبحث عن الطعام قبل مليوني سنة، ما يعني أن السر الكامن وراء "نشوة العداء" لا يتعلق بالعمل البدني بل بالقوة المعتدلة المستمرة.

وبالتالي، في حال أراد المرء الحصول على "نشوة العداء"، فإنه يتعيّن عليه بذل بعض الجهد لفترة زمنية معيّنة.

والواقع أن الوصول إلى النشوة في هذه الحالة لا يحتاج لسرعة أو مسافة معيّنة، بل القيام بعمل يتطلب مجهوداً معيناً والالتزام به لمدة 20 دقيقة على الأقل، بحيث أن المثابرة هي مفتاح الشعور بالنشوة أثناء التمرين الرياضي، وهي جزء مما يعطي معنى للحركة وما يجعل التجربة مجزية، مع العلم أننا لا نثابر من أجل الحصول على مكافأة كيميائية عصبية، بل منحنا الانتقاء الطبيعي وسيلة لمطاردة أهدافنا والاستمرار في العمل، حتى عندما يكون ذلك صعباً.

تعزيز التواصل مع الآخرين

في سياق دراسة أجريت في العام 2017 بهدف معرفة كيفية عمل نظام endocannabinoid في الدماغ، حدد العلماء 3 أشياء تعمل على تحسينه: القنب، التمارين الرياضية والتواصل الاجتماعي.

واللافت أن هذه المواد الكيميائية التي يطلقها الجسم بعد الجري ليست محصورة فقط بالشعور بالسعادة وخفض مستويات القلق، بل بتعزيز التواصل، الارتباط مع الآخرين وتقليل القلق الاجتماعي الذي يمكن أن يعيق عملية التواصل.

عندما يمارس الزوجان التمارين الرياضية معاً، يبلغ كلا الشريكين عن مزيد من التقارب، بما في ذلك الشعور بالحب والدعم

وفي هذا الصدد، وجدت إحدى الدراسات أنه في الأيام التي يمارس فيها الناس الرياضة، فإنهم يبلغون عن تفاعلات أكثر إيجابية مع العائلة والأصدقاء، وهذا يظهر بوضوح بين الأزواج: عندما يمارس الزوجان التمارين الرياضية معاً، يبلغ كلا الشريكين عن مزيد من التقارب في وقت لاحق من ذلك اليوم، بما في ذلك الشعور بالحب والدعم.

هذا الشعور بالارتباط الاجتماعي يمكن إرجاعه أيضاً إلى نمط حياة البشر الأوائل، بحيث كان يخرج بعض أعضاء المجموعة للصيد بينما يذهب البعض الآخر لجمع النباتات، وفي نهاية المطاف يتم تقسيم كل شيء بحيث يكون لدى الجميع ما يكفي من الطعام. واللافت أن المجموعات التي تتسم بالمشاركة أكثر عرضة للبقاء على قيد الحياة وبدء الانتقاء الطبيعي في تفضيل، ليس فقط السمات التي تعزز التحمل البدني مثل عظام الساق الطويلة، ولكن أيضاً السمات التي تشجع على التعاون داخل المجموعة.

للوهلة الأولى، يخال لدى البعض أن "نشوة العداء" ما هي إلا وجه من وجوه العزلة الاجتماعية، غير أن الدراسات أثبتت عكس ذلك، ولعلّ "المكافأة" التي منعت أسلافنا من الجوع قد تنقذنا الآن من حاجة حديثة أكثر إلحاحاً: الشعور بالوحدة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard