أنا، قلم الرصاص

السبت 30 يناير 202110:16 ص

هناك سؤال عادةً ما أحب طرحه في الأحاديث وهو كالتالي: كم شخصاً نحتاج لنصنع قلم رصاص؟

تأتيني الإجابات مختلفة فالبعض يقول شخص واحد والبعض يجيب لا بل أكثر نحتاج عشرة أشخاص أو اثنين أو غير ذلك.

قلم رصاص قد نضيعه ونشتري منه بسعر بخس عدة مرات في الشهر ولا نعطيه تلك الأهمية، قلم رصاص اعتدنا على وجوده في حياتنا وكأنه أمر مفروغ منه لا حاجة للتفكير به. هذا القلم في الواقع يحتاج الملايين والملايين من البشر لصناعته! والآن تأتيني نظرات الاستغراب وهنا أشعر بالسعادة لأنني قرأت مقال الاقتصادي الكاتب ليونارد ريد بعنوان "أنا قلم الرصاص" I, Pencil.

لماذا نحتاج الملايين من البشر لنصنع قلماً، هل هذا حقاً منطقي؟
لنجيب على ذلك علينا أن نمسك هذا القلم ونحلل مكوناته بشكل موسع. خشب، رصاص، قليل من الطلاء، ممحاة صغيرة تجلس في حجرة معدنية محيطة بها تثبتها في أعلى القلم.

لنحصل على خشب القلم نحتاج إلى عمال وعاملات لقطع الأشجار وهؤلاء يحتاجون أدوات النشر المصنوعة من المعادن والأسلاك والتي تحتاج مشتقات نفطية لتعمل، ولكل جزء من ذلك شركات مختصة تضم آلاف العاملين والعاملات ثم نحتاج أن ننقل الخشب من مكان قطعه إلى أماكن النجارة فيلزمنا سائقي وسائقات للشاحنات والسفن وغيرها من وسائل النقل، ولنحصل على وسائل النقل هذه نحتاج  الكثير من البشر ليستخرجوا المواد الأولية ويصنعوا أجزاءها كالإطارات والمحركات والأسلاك والمقاعد والكثير الكثير غيرها وكل تلك الشركات تحتاج إلى حراس وحارسات أمن وعاملي وعاملات نظافة أيضاً.

وعلى هذا النحو، لكل مكوّن من مكوّنات القلم هنالك سلسلة طويلة جداً من الأعمال الفردية التي تساهم طوعاً في إيصال هذا القلم إلى مكتبة مدينتنا لنشتريه بسعر رخيص ونستخدمه في حياتنا اليومية.

كل شخصٍ في هذه السلسلة التي تتضمن ملايين وربما مئات الملايين من البشر، يعمل لخدمة نفسه فالعامل والعاملة في قطع الأشجار لا يفكرون بالأقلام وحبهم لها. ما يقومون به يفعلونه مدفوعين برغبتهم في الحصول على مدخول شهري يقضون به حاجاتهم وينفقونه في ما يحبون كالأفلام أو الحفلات أو غيرها.

كم شخصاً نحتاج لنصنع قلم رصاص؟ ستختلف الإجابات. البعض سيقول شخص واحد والبعض يجيب 10... هذا القلم في الواقع يحتاج الملايين من البشر لصناعته!

عبّر الاقتصادي ميلتون فريدمان كثيراً عن إعجابه بمقال ليونارد ريد المذكور، فهذا الكاتب صوّر لنا مبدأ اليد الخفية لآدم سميث بشكل بليغ، يدٌ لا نراها ولكن نشعر بوجودها تنظّم كل تلك العمليات المتتالية بشكل خفي وطوعي دون حزب أو دين أو طائفة أو حتى لغة مشتركة.

ليونارد ريد لم يهدف إلى إخبارنا بما علينا فعله، هو أراد فقط أن يعزز من فرديتنا التي تمنحنا الحرية والاستقلال وتحقق مصالحنا بشكل سلمي متناغم مع مصالح البشرية جمعاء.

في هذا العالم، لا مكان للانعزال وكل مَن ينظّر عن الانفصال عن العالم وحذف القارات من الخرائط ما هو إلا أحد أمرين: إما جاهل لواقع العالم الذي نحيا فيه وهنا علينا أن نساعده ليدرك مغالطاته ومدى شبهها بقصص السحر الخرافية فيعود إلى رشده؛ أو شخصٌ يعلم كل ذلك ولكنه يهدف إلى نشر الأكاذيب ودعمها لأنها تحمي مصالحه من خلال تجهيل الآخرين وإبقاء أعينهم مغمضة فيظنون أنّ بوسعه تأمين البدائل وينتظرونه دون جدوى لسنوات طوال هم وأبناؤهم من بعدهم.

"يستيقظون صباحاً ليشتروا لافتة مكتوب عليها ‘لا للعولمة’ أخشاب إطاراتها من غابات الأمازون نُقلت بسفينة تتبع لشركة فرنسية تقودها ربانةٌ مصرية تشرب صباحاً قهوةً برازيلية، وورق اللوحة مصنوعٌ في معمل صيني كان قد اشترى آلاته من شركة ألمانية"

أنا حقيقةً من أشد المعجبين بالعولمة ومؤيديها وأتساءل دوماً عن الأشخاص المحاربين لها كيف يثور غضبهم عند غلاء الأسعار بسبب انقطاع العلاقات مع دولٍ أخرى. وما اعتقده أنهم لا يعلمون معنى العولمة بل يرددون ما يحفظونه من بعض القنوات المتلفزة دون أية قناعة كما الطفل يرث مشاعر الحقد أو المحبة للآخرين من أهله دون سببٍ منطقي، ودون أن يكوّن أفكاره الخاصة من خلال تفكيره النقدي المبني على حسابات مصالحه.

يستيقظون صباحاً ليشتروا لافتة مكتوب عليها "لا للعولمة" أخشاب إطاراتها من غابات الأمازون نُقلت بسفينة تتبع لشركة فرنسية تقودها ربانةٌ مصرية تشرب صباحاً قهوةً برازيلية، وورق اللوحة مصنوعٌ في معمل صيني كان قد اشترى آلاته من شركة ألمانية.

"في هذا العالم، لا مكان للانعزال وكل مَن ينظّر عن الانفصال عن العالم وحذف القارات من الخرائط ما هو إلا أحد أمرين: إما جاهل علينا مساعدته أو هو يعلم كل ذلك ولكنه يهدف إلى نشر الأكاذيب ودعمها لأنها تحمي مصالحه من خلال تجهيل الآخرين وإبقاء أعينهم مغمضة"

ولكي أكون منصفاً عليّ أن أعترف أنّ لا وسيلةً لمقارعة منظومة ما من خارجها فمَن يحيون في بلد ما ويعارضون سلطته السياسية الحاكمة لا يمكنهم أن يمتنعوا عن شراء الخبز والمحروقات والخدمات المختلفة من هذه المنظومة، إذ لا بديل عنها.

أنا أحب العولمة لأسباب بسيطة تكفيني: أن آكل التفاح في الصيف وأتناول الفريز في منتصف الشتاء أثناء مشاهدة تساقط الثلوج، أن أشتري ملابس بتصميم جميل غير مكلفة لأنها تُصنع بكميات كبيرة في مصانع في دول أجور العمال فيها منخفضة، أن أسافر إلى دول متنوعة وأشعر بالانتماء إلى البشرية وكأنني مواطن عالمي ولست محكوماً بحدود ثابتة تجبرني على أن أُعَرّفَ بهوّية سلطاتها وميولها.

والآن لننظر إلى مقتنيات منازلنا للحظة. كم من المقتنيات العالمية تملكون؟ منازلنا أصبحت كوسام فخري للعولمة. منازلنا قد تحتوي الأرض كاملة!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard