حريتي الاقتصادية بوصلة أخلاقية

الاثنين 18 يناير 202103:49 م

عادةً ما كانت تصيبني الفلسفة بألمٍ في الرأس، فهي مليئة بالمصطلحات والمنهجيات المعقدة، إلى أن تعرّفت على الاقتصادي والفيلسوف النمساوي فريدريش هايك.

فريدريش هايك وجون ماينارد كينز اقتصاديان يشبهان كثيراً أبطال المسلسلات الخيالية. صديقان وعدوان لدودان. صراعهما تمحور حول دور الدولة في السوق وإدارته. هايك كان مناصراً للسوق الحر Free Market وهو حيث يطغى العمل الطوعي دون إكراه: كل شخصٍ ينتج ما يريد أو ما يجيد (بضائع أو خدمات) ويعرضه للبيع، وما يحدد قيمة عمله ليس سوى إقبال الآخرين على شراء منتجه طوعاً.

بحسب نظرة هايك للأمور، فإن السوق الحر ينظم نفسه بنفسه. مَن يستطيع إنتاج أفضل جودة بأرخص سعر سيسود السوق ومَن لا يملك المهارة سيخرجه السوق، إذ لن يشتري منه أحد. ودور الحكومات هنا ليس إلا أن تحافظ على الاستقرار وأن تحمي الأملاك الشخصية للأفراد، فلا أحد سيتعب وينتج ويعمل إذا كانت ثمار عمله ستُسرق منه.

أما كينز فيختلف مع هذه الرؤية. يرى أن تدخّل الحكومات ضروري، فالسوق برأيه لا ينظم نفسه بنفسه، وطريقه الطبيعي هو الفشل. يركز كينز على الطلب Demand وفي نظريته "الكينزية" يهلل للإجراءات التي تؤدي إلى ارتفاع الطلب على المنتجات أي زيادة الإنفاق، ما يدفع الشركات إلى إنتاج المزيد وتوظيف المزيد من العاملين لتستطيع توفير المنتجات لتلبية الطلب المتزايد. وعند سؤاله عن الآثار الضارة على المدى الطويل يجيب بما معناه أننا لن نكون أحياء وقتها In the long run we are all dead.

في أحد اجتماعات حزبها (حزب المحافظين)، أخرجت رئيسة وزراء بريطانيا سابقاً مارغريت تاتشر، المعروفة أيضاً بالمرأة الحديدية، كتاباً لفريدريش هايك يُدعى "دستور الحرية" وضربت به على الطاولة وقالت: "هذا ما نؤمن به".

دستور الحرية

كتاب "دستور الحرية" The Constitution of Liberty لفريدريش هايك كان من أهم الكتب التي أثّرت في نظرتي للأمور وفي مقارباتي. كثيراً ما كنت أسمع مفردات الحرية والتغني بها إلا أنني حقاً لم أحظَ بفرصة لمعاينة هذا المصطلح وسبر أغواره. فكم من فردٍ يعتبر نفسه حراً وفي تعريفات هايك ما هو إلا موهوم.

اليوم، نرى بين كل حين وآخر مجموعات إعلامية تهاجم إحدى الدول أو غيرها لأنها تفتتح معامل في دول أخرى مستغلة الفقر الموجود فتعطي العاملين أجوراً منخفضة.

في الحقيقة، نحن لا يحق لنا إطلاق الأحكام بهذه الطريقة العنيفة. أنا كإنسان، إذا مررت بضيق مادي ووجدت عملاً يؤمّن لي قوت يومي لأستمر بالعيش كريماً إلى أن أقف على قدميّ، لن يسعدني شخصٌ ينادي من وراء البحار مدّعياً حمايتي، فأنا قررت العمل بنفسي ولم يضع أحد سلاحاً بوجهي ليجبرني على القبول بشروط العمل، ورغم أجري الزهيد فهو بأيّ حالٍ أفضل من وضعي السابق دون عمل! ما أريده فقط أن أُعامَل بكرامة.

بعد مدة، سيصير صاحب العمل مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالعمال والعاملات الذين اكتسبوا خبرةً كبيرة، إذ تزداد إنتاجية العاملين مع الزمن لإتقانهم مهامهم بشكل كبير، ما يوفّر الوقت.

"قد صار حقاً من الممل رؤية أفواج الاشتراكيين عند كلّ تطوّرٍ تكنولوجي وهم يدّعون قلقهم على الأفراد، المُفقرين في كل دول الاشتراكية. يظهر أحد منظّري الاشتراكية ويبدأ جلسة الحديث المرهق... ويختتم كلامه بأنّ الرأسمالية ستدمر وظائف الناس وتحرمهم قوت يومهم"

ماذا الآن؟ بكلّ بساطة، نحن في سوق حرّ. قد تأتي شركة منافسة وتعرض علينا نحن العاملين أجوراً أعلى لجذبنا للعمل لديها، فنحن ماهرون وخبراء في عملنا، ما يوفّر على الشركة المنافسة الكثير من الوقت للوصول إلى أكبر طاقةٍ إنتاجية. في هذا المسار الطبيعي للأمور، يصل مديرنا السابق إلى مفترق طرق: إما أن يقول لنا "اذهبوا فأنا لن أدفع قرشاً أكثر"، وبالتالي ننتقل إلى العمل الجديد، فنحن أحرار نعمل برضانا ويحق لنا عدم تجديد عقود عملنا أيضاً، أو أن يقدّم لنا مغريات أكثر كي لا نتركه، فيزيد لنا الأجور وقد يقدّم لنا تأميناً صحياً أو تكييفاً وتدفئة في مكان العمل. كل ذلك قد نعتبره بشكلٍ أو بآخر عملاً أخلاقياً نبيلاً.

قلق الاشتراكيين

قد صار حقاً من الممل رؤية أفواج الاشتراكيين عند كلّ تطوّرٍ تكنولوجي وهم يدّعون قلقهم على الأفراد، المُفقرين في كل دول الاشتراكية. يظهر أحد منظّري الاشتراكية ويبدأ جلسة الحديث المرهق: أفكار غير مترابطة ومناقشة كأنها حلبة مصارعة تتعارك فيها كلمات مقنّعة دون هدف أو معنى ويختتم كلامه بأنّ الرأسمالية ستدمر وظائف الناس وتحرمهم قوت يومهم، معتبراً أن هذا عمل "لا أخلاقيٌّ" جديد من أعمال الرأسمالية.

جيّد، جيّدٌ جداً. رغم أنني غالباً ما أتهرب من الحديث معهم، إلّا أنني صرت أفهم عدم تدريسهم للكثير من الكتب الاقتصادية في بلدانهم. فكلامهم مدحوض منذ سنين طويلة والحل الوحيد لإبقائه صادقاً هو عدم إظهار كل ما يختلف عنه. لا يمكننا الذهاب إلى شخص يعيش على جزيرة نائية منقطعاً عن العالم الخارجي ثم نسأله عن رأيه بأفضل لاعب كرة قدم في العالم. فهذا الشخص على الجزيرة لم يسمع بكرة القدم حتى ومن غير المنطقي افتراض قدرته على الإجابة.

"لا يسعني أن أطالب بإلغاء أحد. صديقنا الاشتراكي حرٌّ بصياحه وهذا جوهر حديثنا فيا ليته يبادلنا بنفس المعاملة ويعطينا حريتنا"

ولنناقش كلام صديقنا، المسؤول الاشتراكي، الرأسمالي البرجوازي الملبس مع ساعة الروليكس الجميلة في معصمه. يمكننا ببساطة أن نرسل إليه دراسات الاقتصادي والفيلسوف الإسكوتلندي آدم سميث مؤلف كتاب ثروة الأمم Wealth of Nations.

قبل مكننتها، كانت صناعة النسيج مرهقةً جداً فحالما يُقطف القطن كان على العاملين إخراج البذور منه ومن بعد ذلك ضربه ليصبح أنعم ومن ثم يُجمع القطن بعملية مرهقة ليصبح خيطاناً. كلُّ تلك المراحل كانت تحتاج عدداً كبيراً من العاملين ووقتاً زمنياً طويلاً، ما انعكس على أسعار الملابس متسبباً بغلائها.

وبعد مكننة تلك الصناعة أصبحت هذه العمليات سهلة وسريعة، فلم يعد هنالك حاجة للكثير من العاملين فقد تم استُبدلوا بآلاتٍ أسرع وأكثر فاعلية وأصبحت المنسوجات رخيصة، ما دفع الجميع إلى طلب شرائها. حتى أصحاب الدخل المحدود صاروا قادرين على شرائها.

وهنا، الزيادة في الطلب بهذا الشكل الكبير دفعت الشركات إلى توظيف مزيدٍ من العاملين لتستطيع مواكبة هذا الطلب المرتفع وتأمين ملابس كافية لجميع الزبائن. وعند المقارنة، يظهر أن المكننة كانت سبباً في ارتفاع معدلات التوظيف بشكلٍ أكبر بكثير مما كانت عليه قبل المكننة.

رغم حديث صديقنا الاشتراكي، إلا أن كلامه ليس مدعوماً بأدلة، ليس مدعوماً إلا بقليل من حركات الانفعال والصوت المرتفع والكلمات الرنانة ذات المعنى الفارغ. وفي حديثه الأخلاقي يناقض نفسه، فلولا المكننة لحُرم الكثيرون من فرص العمل ولم تكن لتسنح لهم الفرصة كي يحسنوا حياتهم ومعيشتهم.

لا يسعني أن أطالب بإلغاء أحد. صديقنا الاشتراكي حرٌّ بصياحه وهذا جوهر حديثنا فيا ليته يبادلنا بنفس المعاملة ويعطينا حريتنا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard