"في كل مرة يرفع العرب رؤوسهم علينا ضربهم"... كيف استشرس الاحتلال في اعتقال الفلسطينيين

الخميس 10 يونيو 202101:21 م

أفرجت سلطات الاحتلال الإسرائيلي قبل ثلاثة أيام عن الناشطين التوأم منى الكرد وشقيقها محمد من حي الشيخ جرّاح بعد اعتقال دام ساعات، في محاولة لتخويفهما، ودفعهما إلى إيقاف نشاطهما الوطني في قضية الاستيلاء على بيوت حي الشيخ جرّاح المهددة عائلاته بالتهجير، وتسليم بيوتهم إلى مستوطنين. إلا أن اعتقال الشقيقين لم ينفصل عن حملة شرسة شنّتها شرطة الاحتلال تحت اسم "فرض النظام وتطبيق القانون"، واستهدفت الشباب الفلسطيني بعد انتفاضته الأخيرة. الحملة التي جاءت انتقاماً من فلسطينيي الداخل، والقدس، الذين خرجوا إلى الشوارع دفاعاً عن أنفسهم في وجه اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين، والشرطة، والمتطرفين، وصلت حد اعتقال قرابة ثلاثة آلاف شاب وفتاة من القدس وأراضي الـ48، خلال الأسابيع الأربعة الماضية، وتقديم أكثر من 300 لائحة اتهام حتى اللحظة لأكثر من 500 شاب، حسب أرقام النيابة الإسرائيلية. فيما برزت النسبة الأكبر من الاعتقالات في مناطق أخرى، كمدينة اللد، والنقب جنوب فلسطين.

هجمة مسعورة لترهيب القاصرين

إصابات جراء الضرب، وتكسير لعظام العديد من الشبان، واعتداءات بالجملة على قاصرين في محطات الشرطة الإسرائيلية، هكذا كان المشهد في سجن "أوهلي كيدار" في النقب، وفي مجمع المحاكم الإسرائيلية في بئر السبع الذي ضجّ بالأهالي الفلسطينيين الباحثين عن أبنائهم، والمتابعين لقضاياهم منذ أسابيع، بينما لم تتواجد في المكان عائلة يهودية واحدة.

أكثر من 60% من معتقلي النقب هم من القاصرين الذين لم يبلغوا الـ17 عاماً، وتم الاعتداء على معظمهم بالضرب المبرح من قِبل عناصر الشرطة الإسرائيلية

أكثر من 60% من معتقلي النقب هم من القاصرين الذين لم يبلغوا الـ17 عاماً، وتم الاعتداء على معظمهم بالضرب المبرح من قِبل عناصر الشرطة الإسرائيلية خلال الاعتقال، وفي سيارات الشرطة الإسرائيلية ومحطاتها، وذلك حسب أرقام اتحاد المحامين العرب في النقب، والذي تطوع فيه 22 محامياً كانوا خط الدفاع الأول عن الشبان، بالإضافة إلى الأهالي، وبعض السياسيين، وشخصيات محلية.

ومن المواقف التي شهدناها خلال محاكمات الشباب الفلسطينيين، مشهد الطفل سراج العقبي من النقب، الذي كُسرت يده، وتم الاعتداء عليه من قبل عناصر الشرطة الإسرائيلية. ورفضت الشرطة نقله لتلقي العلاج حتى بعد مرور 12 ساعة على اعتقاله. وبعد تمديد اعتقاله، أُفرج عنه بضغط من المحامين، وأُطلق سراحه من محكمة بئر السبع، حيث لاقى والده باكياً. وتبرّع الأب، بعد إطلاق سراح طفله، بثلاث شاحنات معبأة بالخضروات لإغاثة أهالي مدينة اللد المحاصرة.

"وصلنا إلى السجن مدمّرين جسدياً"

لم أسلم أنا من حملة الاعتقالات. إذ اعتُقلت من أمام جامعة بئر السبع خلال وقفة طلابية احتجاجية، تخللها اعتداء أكثر من 200 متطرف يهودي من أهالي المدينة على الطلاب الفلسطينيين المحتجين في الوقفة الاحتجاجية المرخصة من قِبل الشرطة الإسرائيلية. وعلى الرغم من اعتداء المتطرفين اليهود على الطلاب العرب، ورميهم الحجارة عليهم، وهتافهم بـ"الموت للعرب"، وعدم وجود تصريح قانوني لوجودهم في المكان، اقتحمت وحدات الشرطة الإسرائيلية الخاصة الحرم الجامعي، واعتدت على زهاء عشرين طالباً فلسطينياً بشكل وحشي، واعتقلت ثمانية منهم، كنت من بينهم أنا وشقيقي الأصغر. اعتُقلت في سجن المخابرات الإسرائيلية لمدة ثلاثة أيام بلياليها، بعد الاعتداء عليّ خلال تكبيلي بالأصفاد في سيارة الشرطة الإسرائيلية. كما اعتدوا على شقيقي خلدون واعتقلوه لمدة 15 يوماً في سجن النقب، ثم حولوه إلى الحبس المنزلي، وقدّموا لائحة اتهام ضده.

ويقول الطالب هاني مراد، الذي اعتقل في أحداث بئر السبع مع أصدقائه، لرصيف22: "وصل أصدقائي إلى السجن مدمرين جسدياً؛ الدماء تغطي ملابسهم، وعلامات الضرب بالعصي والخوذ وأجهزة الإرسال وما ملكه رجال الشرطة في أيديهم، ما جعلهم غير قادرين على النوم من شدة الألم. قضى أحد الشبان ليلته في العناية المركزة. الاعتداء الجسدي كان وحشياً إلى درجة أننا لم نتمكن من رؤية أصابع قدم صديقي عبد الله من شدة الورم".

دولة ومستوطنون فوق القانون

لم يكن توحش السلطة التنفيذية الممثلة بالشرطة الإسرائيلية، والمعروفة بعنصريتها تجاه الفلسطينيين أمراً جديداً على فلسطينيي الـ48، وبدو النقب الملاحقين يومياً. لكنها كانت الشعرة التي قسمت ظهر البعير. فهذه المنظومة القضائية موجهة بشكل واضح لعقاب الفلسطينيين بسبب احتجاجهم، في الوقت الذي تمت فيه حماية الإسرائيليين المعتدين عليهم. ففي الجلسة نفسها التي مددت فيها محكمة الصلح الإسرائيلية في بئر السبع اعتقال أربعة طلاب جامعيين تعرضوا للاعتداء من الشرطة والمستوطنين -تُظهر الفيديوهات المصورة من مكان الحدث تعرضهم للاعتداء الوحشي- أطلقت القاضية الإسرائيلية نفسها سراح يهوديَين اعتُقلا بعد مصادرة سكاكين وعصا معهما، واعترفا بأنهما كانا يبحثان عن عرب للاعتداء عليهم في شوارع المدينة.

وصل أصدقائي إلى السجن مدمرين جسدياً؛ الدماء تغطي ملابسهم، وعلامات الضرب بالعصي والخوذ وأجهزة الإرسال وما ملكه رجال الشرطة في أيديهم، ما جعلهم غير قادرين على النوم

قدّم المحامون العرب مرافعات احترافية خلال محاكمات الشبان الفلسطينيين. وبعد ساعات من الجهد والمرافعة، طلب القاضي من أحد المحامين الاقتراب منه، وقال له بصوت خافت: "ناصر، لقد قمت بعمل جبار. لكني لا أستطيع مساعدتك. الأمر من فوق". مشهد آخر في مجمع المحاكم نفسه: ضابطا شرطة خلال انتظارهما لقهوتهما، يقول أحدهما للآخر: "هذا هو بالضبط ما يجب فعله يا أخي، في كل مرة يرفع العرب فيها رؤوسهم، علينا ضربهم حتى يتوقفوا".

بالإضافة إلى السلطتين التنفيذية والقضائية، فإن الحكومة الإسرائيلية لم تتوقف عن التحريض على فلسطينيي الداخل في الإعلام الإسرائيلي الموجه، وعلى كل منابرها. فاتّهم السياسيون الإسرائيليون الفلسطينيين بأنهم يمارسون العنف والجرائم ضد اليهود في الشوارع، وكان أبرزهم وزير الأمن الداخلي العنصري أمير أوحانا، الذي اتهم الفلسطينيين بأنهم هم المجرمون في الأحداث الأخيرة، من دون التطرق إلى أي من جرائم المستوطنين والإسرائيليين الموثقة في الفيديوهات، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. كما رد أوحانا على تصريحات بعض السياسيين الذين "لاموا الطرفين"، بنفيه جرائم اليهود في حق العرب.

عقاب جماعي للفلسطينيين  

لم تتوقف الشرطة الإسرائيلية عن عمليات الانتقام الممنهجة حتى اليوم. كما أن الاعتقالات على خلفية التظاهرات لا تزال تمارَس في الليالي الظلماء؛ من اقتحام البيوت وتفتيشها، إلى الاعتداء على ساكنيها وتمديد اعتقالاتهم، أو إبعادهم عنها. كما تحاول الشرطة في هذه الأيام تغطية تكاليف حملاتها المسعورة على الفلسطينيين، فتقتحم العشرات من وحدات شرطة السير البلدات الفلسطينية، وتقوم بتحرير المخالفات بحق أهاليها، وإلزامهم بدفع مبالغ طائلة تقدّر بآلاف الشواقل.
وفي مدينة رهط في النقب، جنوبي فلسطين، أدت اقتحامات الشرطة، وتحرير المخالفات بحق المواطنين، إلى الحد من الحركة التجارية في البلدة، حيث يشعر الأهالي بأن مدينتهم محاصرة بهدف التضييق، ومنع سير الحياة بشكل طبيعي. ويقول رجل الأعمال سفيان النصاصرة  لرصيف22: "تعلم الشرطة جيداً أن التضييق على الأهالي بالغرامات المالية، له تأثير ملموس. كما أن تغريم الناس، والحدّ من حركتهم في المدينة، يؤثر على مصالحهم بشكل كبير، ويوقف الحركة التجارية. العنصرية واضحة تماماً. في المقابل، لم نرَ يوماً العشرات من وحدات الشرطة يقومون بحملة تحرير مخالفات بحق الناس في المدن اليهودية".  

تحاول الشرطة في هذه الأيام تغطية تكاليف حملاتها المسعورة على الفلسطينيين، فتقتحم العشرات من وحدات شرطة السير البلدات الفلسطينية، وتقوم بتحرير المخالفات بحق أهاليها

"ما بترهبنا الاعتقالات"

لم يتوقف المشهد عند اعتداء المستوطنين على الفلسطينيين في شوارعهم، وفي بيوتهم، بحماية شرطة الاحتلال التي دفّعت الفلسطينيين الثمن من خلال حملة الاعتقالات التي شنّتها. بل أعدمت الشرطة الإسرائيلية الشهيد محمد كيوان محاميد، وهو جالس في سيارة مع أصدقائه، واعتقلت من كانوا معه. كما قتل المستوطنون الشهيد موسى حسونة على مرأى من الشرطة الإسرائيلية، قبل ذلك بوقت قصير. ووسط هذه الممارسات المسعورة، وجد الفلسطينيون أنفسهم من دون حماية، فقاموا بحماية بلداتهم، وبيوتهم، بأنفسهم من خلال تشكيل لجان أهلية، فيما تطهّرت المدن والقرى الفلسطينية من شرطة الاحتلال لأسابيع. 

العشرات من أهالي النقب توجهوا بشكل يومي لدعم إخوتهم في مدينة اللد المحاصرة. شاحنات محملة بالمواد الغذائية، ومباني المحاكم تعجّ بالمتضامنين. العديد من الأهالي توقفوا عن العمل، وتفرغوا لمساعدة مجتمعهم، والمواجهات مع شرطة الاحتلال اندلعت عند كل مفترق، وعلى مدخل كل قرية فلسطينية. استنفرت قوات الاحتلال آلياتها، وقدراتها حتى فقدت السيطرة. وتحولت خطط الهيمنة السابقة كلها، من إقامة محطات للشرطة في قلب البلدات الفلسطينية، إلى تجنيد وحدات المستعربين وتدريبها، إلى نقمة عليها. وانضمت معظم بلدات الداخل الفلسطيني في أيام معدودة، إلى المواجهة، فتعاظم العبء على إسرائيل التي خسرت في النقب وحدها نحو 20 مليون شيكل في يوم إضراب الكرامة في الـ18 من أيار/ مايو 2021. وعندما لم تعرف إسرائيل كيف تقدّم للعالم صورة عن "نصرها"، لم يتبق أمامها، وأمام عناصر شرطتها سوى الاعتداء على الشبان، والصبايا، والقاصرين، واعتقالهم من بيوتهم الآمنة، في سياسة واضحة تسعى إلى ترهيبهم، فيما يردد هؤلاء في كل مناسبة أو تظاهرة: "ما بترهبنا الاعتقالات".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard