"ثمة قمع رقمي ممنهج لأصواتنا"... كيف أوصل الفلسطينيون حقيقة الأحداث الأخيرة إلى العالم؟

السبت 22 مايو 202102:56 م

في الأسبوعين الأخيرين، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي، ولا سيما منصة "إنستاغرام"، حملة كبيرة من الناشطين الفلسطينين والمتضامنين العرب وغير العرب لدعم القضيّة الفلسطينيّة وتصدياً لتهجير حي الشيخ جراح وتهويد القدس والعدوان على غزّة. اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي في بداية الأحداث بـ"هاشتاغ": أنقذوا حي الشيخ جراح؛ الحي المعرض للتهجير القسري واستيلاء المستوطنين على نحو 28 بيتاً فيه. استغلّت منى الكرد؛ ابنة الحي وابنة إحدى العائلات المهددة بالإخلاء، منصّتها في "إنستاغرام" من أجل توثيق انتهاكات المستوطنين والجيش والشرطة الاسرائيليّة ضدها وضد عائلتها، لينتقل هذا التوثيق إلى بث حي ومباشر عبر عدد كبير من أصحاب الأرقام (المتابعين) هناك، ما يعني أن الكرد وغيرها من المتواجدين في قلب الحدث يتشاركون البث الحي مع مؤثري منصة "إنستاغرام" لأجل إيصال الصّورة لأكبر عدد ممكن من النّاس.

هذه الطريقة الجديدة في التوثيق مكّنت منى وأهالي حي الشيخ جراح والقدس، ثم غزة، من إيصال صوتهم إلى العالم بصورة دقيقة ومباشرة وبعيدة إلى أقطاب دون سواها. هذه الحملة أضافت إضافة نوعية في نظرة العالم إلى قضية فلسطين وأعادتها إلى المركز بعد أن تراجعت سنوات إلى الوراء بسبب الثورات في المنطقة العربية وعدم الاستقرار في دول الجوار وموجة التطبيع. كما أنها تمكّنت من إيصال الصوت إلى فنانين وعارضات أزياء ولاعبي كرة قدم وممثلين عالميين قاموا بمساندة الشيخ جراح وغزة عبر حساباتهم، وربما أبرز من ساهمت كانت عائلة محمد وبيلا حديد، التي وبعد تضامنها المباشر تبعها كثيرون في التضامن. لكن إسرائيل وأذرعها "الرقمية" عملت جاهدة، ولا زالت، في انتهاك المحتوى الداعم لفلسطين، لما فيه من تأثير على الرأي العام العالمي وحتى على بعض وسائل الإعلام الرسمية الغربية التي عُرفت بانحيازها لإسرائيل. على إثر ذلك، قام مركز "حملة"- المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي بإصدار تقرير جديد بعنوان "العدوان على الحقوق الرقمية الفلسطينية" يوضح ويوثق من خلاله الانتهاكات التي تعرضت لها الحقوق الرقمية الفلسطينية في الأحداث الأخيرة.

إن هذا النمط من الرقابة على الخطاب السياسي الفلسطيني والعربي، مع السماح لخطاب الكراهية الموجه ضد الفلسطينيين والعرب بالبقاء على الإنترنت، يفاقم انتهاكات حقوق الإنسان

محاربة المحتوى الفلسطيني

على إثر هذا التضامن العالمي غير المسبوق مع قضية فلسطين، قام "إنستاغرام" و"فيسبوك" وبقية مواقع التواصل بتحديد الوصول إلى الحسابات التي تنشر محتوى داعماً للقضية. كما أنهم أقدموا على حذف العديد من الحسابات وتقييد حرية النشر والبث المباشر. وهكذا، شهدت الشبكة زيادة كبيرة في الرقابة على الخطاب السياسي الفلسطيني، إلى جانب تزايد الأمثلة على خطاب الكراهية والتحريض ضد الفلسطينيين بما في ذلك تنظيم حشود إسرائيلية عنيفة عبر الإنترنت. إن هذا النمط من الرقابة على الخطاب السياسي الفلسطيني والعربي، مع السماح لخطاب الكراهية الموجه ضد الفلسطينيين والعرب بالبقاء على الإنترنت، يفاقم انتهاكات حقوق الإنسان التي تحدث بالفعل على الأرض، ويمنع الناس من ممارسة حقوقهم الأساسية وتوثيق الانتهاكات.

وجاء في تقرير مركز "حملة" حول محاربة المحتوى الرقمي الفلسطيني: "وثق حملة أكثر من 500 انتهاك للحقوق الرقمية الفلسطينية في الفترة بين 6 و18 مايو/أيار 2021، عبر النموذج المنشور على مواقع التواصل الاجتماعي، وبمساعدة الشركاء والائتلافا، وأصدقاء المركز، تضمنت الحالات أنواعاً مختلفة من الانتهاكات مثل إزالة المحتوى وحذف الحسابات وإخفاء الأوسمة، إضافة إلى تقليل الوصولية لمحتوى بعينه، وحذف المحتوى المؤرشف، وتقييد الوصول وحذف الحسابات. وتنوعت الانتهاكات على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، بينها 250 انتهاكاً من أصل 500 انتهاك على"إنستاغرام" وحدها، ما نسبته (50%) من مجموع الانتهاكات الكلية، و179 انتهاكاً على "فيسبوك"؛  أي ما نسبته (35%)، و55 انتهاكاً على "تويتر"، ما نسبته (11%)، و (1%) من الحالات على "تيك توك" (Tik Tok)".

"فيسبوك" و"إنستاغرام" في خدمة البروباغندا الإسرائيلية

وفي مسألة تقييد المستخدمين في موقع "إنستاغرام"، جاء في تقرير "حملة": " تلقى مركز حملة 250 بلاغاً من المستخدمين حول الانتهاكات الواقعة على منصة "إنستاغرام" ،اتخذت هذه الانتهاكات أشكالاً متعددة، وكان أبرزها حذف القصص من الحسابات. وقد ظهر هذا النوع من الانتهاكات بشكل أكبر في الأسبوع الأول من فترة إعداد التقرير، حيث تلقى مركز حملة 134 حالة لحذف قصص من منصة "إنستاغرام" والتي شكلت ما نسبته 45% من النسبة الكلية للانتهاكات عبر هذه المنصة، وجاءت نسبة 14% من هذه الانتهاكات على شكل تقييد حسابات". ويضيف التقرير: "أما النسبة المتبقية من البلاغات التي وصلت للمركز والتي شكلت ما نسبته 14% من البلاغات فتنوعت بين تحذيرات للحسابات وتحديد الإعلانات وحذف التعليقات وعدم القدرة على فتح التطبيق".

"دائماً ما كنا نشعر بوجود تمييز رقمي ضد الفلسطينيين. اليوم نشعر بوجود قمع رقمي ممنهج تجاه أصوات الفلسطينيين، والذي يمنعنا من سرد روايتنا"

أما بخصوص "فيسبوك"، فقد وثق مركز حملة " 179 حالة انتهاك في هذه المنصة. وقد تنوعت الانتهاكات التي تم الإبلاغ عنها من المستخدمين، لتكون كالتالي: 37% من هذه الحالات كانت لتقييد حسابات على المنصة، و31% من هذه الحالات كانت لإزالة وحذف المحتوى، بينما جاءت 23% من هذه الحالات كتعليق للحسابات، و9% من النسبة المتبقية تنوعت بين حذف التوثيق وتحذير الحسابات وتحذير عن منشورات معينة وتقييد المجموعات والصفحات ومحاولات اختراق وتقليل الوصولية وإخفاء أوسمة (هاشتاغات) وإخفاء زر المشاركة عن المنشورات، وانتهاكات أخرى لم يتم تحديدها. لم تبدي الشركة استجابة كافية على البلاغات، أما عن الأسباب التي قدمتها "فيسبوك" للمستخدمين عند وقوع هذه الانتهاكات: 47% من الحالات لم تقدم فيها شركة فيسبوك أي إجابة حول سبب الانتهاك الذي تعرضوا له، بينما بررت الشركة 27% من الحالات للمستخدمين أن السبب هو انتهاك معايير المجتمع، و10% من هذه الحالات وصلتهم رسالة تفيد بأن المحتوى المنشور يحتوي على خطاب كراهية. أما عن نسبة 15% المتبقية فوصلتهم أسباب مختلفة، فتنوعت بين إساءة الاستخدام، والمحتوى الحساس، وطلب إثبات هوية، ومحتوى عنيف ومؤسسات خطيرة، وتحديد العمر، ونشاط غير اعتيادي، وتحرش، ومحتوى مشبوه".

"ظهرت حاجة الإنسان الفلسطيني للتوثيق وإيصال صوته بشكل مجرد بعيداً عن القنوات التقليدية ودون إخضاع المسألة لأبعاد وسياقات سياسية ضيقة"

وتقول منى شتية، مديرة المناصرة المحلية في مركز حملة، لرصيف22 تعقيباً على استهداف المحتوى الفلسطيني: "بالنسبة للعدوان الذي حدث على المحتوى الفلسطيني، نحن نرى في حملة بأن الحديث لا يدور حول حالات متفرقة. هذه المرة كان هناك عدوان ممنهج، فخلال أسبوعين، وثقنا أكثر من 500 بلاغ وصلوا للمركز. هذا عدا الاعتداءات التي لم توثّق في منصات أخرى، كالتحريض الممنهج على الفلسطينيين والعرب من قبل الإسرائيليين، والذين حشدوا أنفسهم من خلال تطبيقات كـ"تليغرام" و"واتساب". وهذا الأمر يشكل عدواناً سافراً على المحتوى الفلسطيني. دائماً ما كنا نشعر بوجود تمييز رقمي ضد الفلسطينيين. اليوم نشعر بوجود قمع رقمي ممنهج تجاه أصوات الفلسطينيين، والذي يمنعنا من سرد روايتنا في الفضاء الرقمي. هذا القمع يساعد في إخماد الرواية الفلسطينيّة، وبالمقابل يدعم البروباغندا الإسرائيلية".

أما عن تفادي الحذف فتقول شتية: "الأصل هو عدم اعتبار هذه المواد مخالفة، واعتبار حذفها انتهاكاً لحقوق الإنسان ونشر للرواية الفلسطينية. ولكن بسبب هذه السياسات، حصلت مبادرات عديدة لتفادي الحذف مثل الكتابة بدون نقاط أو الكتابة بشكل متفرق، أو كتابة القضية من ناحية حقوقية ككتابة نسب وأرقام وقصص إنسانية مع دلائل".

المؤثرون ووصول المحتوى للملايين

"بدأت الحملة من خلال ملاحظة ما تفعله منى الكرد وأخوها محمد في حي الشيخ جراح، اللذان استطاعا من خلال مواقع التواصل الاجتماعي خلق أفق جديد لنقل معاناتهم. ظهرت حاجة الإنسان الفلسطيني للتوثيق وإيصال صوته بشكل مجرد بعيداً عن القنوات التقليدية ودون إخضاع المسألة لأبعاد وسياقات سياسية ضيقة. هي مأساة إنسانية وجريمة حرب يجب أن تُنقل كما هي، عبر وسيلة لا تخضع للاستقطابات، فكانت الوسيلة الحرة هي وسائل التواصل الاجتماعي"، تقول منى حوا؛ الإعلامية والمؤثرة في مواقع التواصل الاجتماعي لرصيف22، مضيفة: "نبعت الفكرة من ضرورة جمع عدد كبير من المؤثرين حتى تكون هناك نوافذ تغطية من خلال متابعيهم، ونقل ما يحدث على أرض الواقع في فلسطين المحتلة مع هؤلاء المؤثرين. في البداية جاءتني دعوة كأي مؤثر لتغطية الأحداث مع أشخاص تواجدوا في الأقصى، وأظن بأن ألاء حمدان من بدأت بالبث الحي. بعد هذه الدعوة قررت استخدام "إنستاغرام" كمنصة لنقل المعاناة الإنسانية وجرائم الحرب التي تُرتكب".

"في آخر سنة تحديداً، وظفت إسرائيل ودول عربية أخرى كل أدواتها الممكنة رقمياً في دعاية ممنهجة لإظهار الاستيطان كبلد آمن ومتقدم"

وتتابع منى: "كان الهدف من استخدام "إنستاغرام" هو استقطاب الجيل ما بين 18-24. وإعادة تعريف الاحتلال في ذاكرتهم. في آخر سنة تحديداً، وظفت إسرائيل ودول عربية أخرى كل أدواتها الممكنة رقمياً في دعاية ممنهجة لإظهار الاستيطان كبلد آمن ومتقدم، لا نظام قائم على عنف استعماري".

أما عن حالة الاستقطاب السياسي لهذا الجيل فتقول منى: "إن حالة الاستقطاب السياسي التي شهدتها دول المنطقة بعد الثورات العربية وتعززت أكثر مع الأزمة الخليجية، أثرت في سردية القضية، سواء في التغريد أو في التلفاز، بل واستخدمت فلسطين كمادة للذباب الالكتروني، ما ترك أثراً عاصفاً على الذاكرة الجمعيّة وثقة المصدر وسؤال الجدوى. فكان من الصّعب في ظل الاستقطابات المريعة أن تحضر فلسطين كموقف جامع. فالحديث عن التطبيع الخليجي مثلاً يعني خسارة ثقيلة لمؤثر يتقاضى أرقاماً فلكية من أجل الترويج لعلامات تجاريّة مركزها دولة تتزعم راية التطبيع. في فلسطين اليوم، استخدام الحدث وتكثيف تغطيته يعني إعادة تعريف الاستيطان وتأكيد جدوى طرق جدران الخزان".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard