"انتفاضة فلسطين الواحدة"... فلسطينيو 48 يُنجحون إضراب الكرامة والأمل

الثلاثاء 18 مايو 202109:14 م

ينتهي هذا اليوم التاريخي في فلسطين بعد أن أُعلن يوماً لإضراب الأمل والكرامة، يُضرب فيه الفلسطينيون في أراضي 48، فينضم إليهم جميع الفلسطينيين في كل مناطق تواجدهم في فلسطين التاريخية. أغلقت المحال التجارية ولم يصل العمال والموظفون إلى أماكن عملهم. لكنه لم يكن إضراباً تقليدياً بالمعنى الذي عرفه الفلسطينيون على مر العقود الماضية. بل دعا منظموه إلى تحويله إلى عرس وطني، يجتمع فيه الفلسطينيون في شوارعهم، يهتفون ويغنون ويرسمون على جدران المدن والقرى. ويشلون، قدر استطاعتهم، السوق الإسرائيلية المعتمدة عليهم. 

يأتي هذا الإضراب بعد أن انطلقت في الأسبوعيين الأخيرين هبة شعبية في القدس والداخل الفلسطيني تضامناً والتحاماً مع حي الشيخ جراح في القدس المعرض أهله للتهجير من بيوتهم وذلك من أجل إسكان المستوطنين اليهود مكانهم. الهبة، التي انطلقت في الشيخ جراح، تشعبت إلى بقية أنحاء فلسطين. على صعيد الداخل الفلسطيني، خرج الشباب إلى الشوارع في مظاهرات في حيفا ويافا وعكا والناصرة والجليل والنقب دون تنظيم مسبق من القيادات العربية في الداخل، مساندةً لحي الشيخ جراح، ثم مطالبةً بوقف العدوان على غزة. وما كان من الشرطة الاسرائيلية إلا أن تستخدم أساليب العنف والقمع والاعتقال والرصاص المطاطي والحي لقمع المتظاهرين السلميين. لكن ما يميز مشهد القمع الذي تمارسه قوات الاحتلال هذه المرة هو انضمام المستوطنين إليهم، الذين شهدنا دورهم في التحريض والاعتداء على الفلسطينيين في الشوارع وفي بيوتهم الآمنة، مسلحين بحماية الشرطة الإسرائيلية.  وقد ارتقى في مدينة اللد الشاب موسى حسونة شهيداً عن عمر يناهز 31 عاماً، على إثر اشتباك مع مستوطنين يهود في المدينة.

أعد المستوطنون اليهود مع انطلاق الهبة الشعبية في الداخل مجموعات على واتساب وتليغرام يحرضون فيها الناس ضد الفلسطينيين، منطلقين بعد ذلك من العالم الافتراضي إلى شوارع حيفا ويافا والناصرة والقدس في تخريب لممتلكات العرب والهجوم على البيوت بالرصاص وحرق البيوت والاعتداء على كل من يشتبه به كعربي في الشارع. وامتلأت مواقع التواصل بهذه المشاهد في غياب الاعلام الحقيقي تقريباً. في المقابل، تمكن الشباب الفلسطينيون من إيصال صوتهم وروايتهم من خلال تقنية البث المباشر في انستاغرام ومن خلال توثيق الاعتداءات في فيديوهات وصور وانتشار ضخم للـ"هاشتاغات" التي يستخدمونها في تعريف العالم عما يحدث.

"حصلت عمليات اعتقال كبيرة للمتظاهرين وبالذات لشبان قاصرين. هؤلاء الشبان وبسبب عمرهم الصغير وقلة الوعي لديهم يستدرجونهم في التحقيق ويلفقون لهم تهماً لا يدرون كيف يتنصلون منها"

الإضراب كوسيلة نضال

بسبب الاعتداءات المستمرة للمستوطنين على فلسطينيي الداخل واستمرار الاعتداءات على المتظاهرين العزل في القدس والشيخ جراح والداخل الفلسطيني، واستمرار الغاشم على قطاع غزة ومطالبة الشارع الفلسطيني إعلان الإضراب، أعلنت لجنة المتابعة العليا عن اليوم الثلاثاء الثامن عشر من أيار 2021 يوم إضراب شامل في كافة مناحي الحياة، وبناءً على ذلك، قامت الحراكات الشبابية في القرى والمدن الفلسطينية في أراضي 48 بتجهيز فعاليات تضامنية معبرة عن انتماء الفلسطينيين، رفعت فيها الأعلام وأسمعت الأغاني الوطنية ونظمت الورشات التثقيفية للأطفال والفتيان حول أسباب الاضراب. كما نُظمت مظاهرات في نقاط التماس مع الشرطة. وقد جاء في "بيان الكرامة والأمل" الذي كتبه الناشطون والناشطات تحت عنوان "انتفاضة فلسطين الواحدة": "هذه انتفاضة طويلة. انتفاضة وعي بالأساس. تنفض قذارة الخنوع والانهزامية. وتربي أجيالاً شجاعة على مبدأ فلسطين الواحدة . وتعادي كل من يعمق ويكرس التسيم من نخب احتماعية وسياسية". وفعلاً، أثبتت هذه الهبة وحدة فلسطين، وعدم وجود فارق بين بلدات الداخل وبلدات الضفة وغزة، قدرة الشباب على تنظيم أنفسهم خارج الأحزاب التي تراجع دورها بشكل ملحوظ في فلسطين التاريخية.

شرطة القمع ومستوطنين متوحشين

وعدا عن اعتداءات الشرطة المستمرة، تعرض العديد من الناس إلى الضرب من قبل مستوطنين يهود في الشارع، منهم ثلاث فتيات تواجدن في بيتهن في حيفا. يقول الأب وديع أبو نصار لرصيف22: "يوم الأربعاء مساءً بعد الساعة السابعة، وصلت ابنتنا الكبيرة سما إلى البيت وأوقفت السيارة في موقف السيارات الخاص ببيتنا وتتحدث إلى إحدى الجارات. خلال هذا الحديث، مرت مجموعة من المستوطنين اليهود، فقام أحدهم بضرب حجر على سيارة ابنتنا، فكسر زجاج السيارة. قامت ابنتي بالتوجه إليه وسؤاله عن سبب هذا الفعل. لم يعتذر المستوطن، بسبب عنصريته وعنهجيته، عن فعلته. بل قام بضرب ابنتنا هو ومجموعة من رفاقه. سمعوا أخواتها في البيت صراخها فنزلن بسرعة لمساعدتها فقاموا بضربهن أيضاً". ويضيف أبو نصار: "أنا وزوجتي لم نكن في البيت. هربت ابنتي الكبيرة إلى الشرطة القريبة جداً من بيتنا لتشكو لهم ما حدث. لكن أحد رجال الشرطة قام بدفعها بدلاً من مساعدتها. اتصلت بي ابنتي على الفور، اتصلتُ بالشرطة لكنهم لم يستجيبوا ولم يقدموا لنا يد المساعدة أبداً. في ساعات الليل المتأخر، أخذت بناتي إلى المستشفى والحمد لله إصاباتهم كانت طفيفة. أخبرت السفير الإسباني بما جرى كوني عنصر فخري لإسبانيا في البلاد. تحدث السفير مع وزارة الخارجية الإسرائيلية، وبعدها في منتصف الليل تحدث إلي أحد الضباط فقمت بالصراخ في وجهه وأخبرته بأن المشكلة ليست فقط من المستوطنين بل من الشرطة وتقصيرها".

من جانب آخر، وصلت عدد الملفات المقدمة بحق المعتقلين الفلسطينيين في الداخل إلى 116 ملفاً. تقول الناشطة السياسية والاجتماعية أنوار شرارة من الناصرة لرصيف22: "ما حدث في الأيام الأخيرة هي مظاهرات سلمية كما كل المظاهرات في التي انطلقت في البلاد. حصلت خلالها اشتاباكات بين الشرطة والمتظاهرين، ولكن الملفت للنظر بأنه في الأيام حصلت عمليات اعتقال كبيرة للمتظاهرين وبالذات لشبان قاصرين. هؤلاء الشبان وبسبب عمرهم الصغير وقلة الوعي لديهم يستدرجونهم في التحقيق ويلفقون لهم تهماً لا يدرون كيف يتنصلون منها. ليست هناك أمور خاصة في الناصرة، أنا أعتقد أن هذا هو الوضع في البلاد ككل، لذلك من المهم الانتباه وتوعية الشبان لحقوقهم في التحقيق".

ويقول مجد صغير الناشط الشبابي في مجد الكروم: "كما في كل البلدات، حاولت الشرطة قمعنا من خلال إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي والرصاص الحي انتقاماً لإطلاق الرصاص على مركز الشرطة من مجهولين ولكن أنا أعتقد أن ما حدث من مواجهات واشتباكات مع الشرطة لم يكن فقط بسبب الأحداث الأخيرة، بل بسبب سياسة التهميش والافقار وتجاهل انتشار العنف والجريمة في المجتمع العربي".

"كما يحدث في القدس والشيخ جراح، ثمة مخططات مبيتة ومخبأة تجاه أهالي اللد من أجل إخراجهم من بيوتهم، هذا الأمر أدى إلى الشعور الشعبي بالغضب"

اللد في مركز الأحداث

"في اللد نعيش تحريضاً يومياً من رئيس البلدية تجاه سكان اللد الفلسطينيين. قبل أسبوعين قام أعضاء الكنيسيت من اليمين المتطرف بزيارة رئيس البلدية من أجل مواجهة "الإرهاب العربي" حسب ادعائهم. جاء الموضوع بالتزامن مع الاعتداءات على الأقصى وليلة القدر ويوم توحيد القدس. المواجهات في القدس والشيخ جراح، وكذلك الخطر والتهديد للوجود العربي في اللد، أججت الغضب في شوارع المدينة"، تقول مها النقيب الناشطة السياسية في اللد.

وتضيف قائلة: "كما يحدث في القدس والشيخ جراح، ثمة مخططات مبيتة ومخبأة تجاه أهالي اللد من أجل إخراجهم من بيوتهم، هذا الأمر أدى إلى الشعور الشعبي بالغضب. بالإضافة إلى ذلك، فإن المجموعات المتطرفة هذه تحاول دائماً قمع أي احتجاح فلسطيني في المدينة. وهنا أشدد بأن الشرطة ليست وحدها من يقمع، إنما المستوطنون كذلك. هذا الأمر يؤدي إلى الغضب عند الناس كونه يشعرهم بأنهم حرفياً مواطنون درجة ثانية ويحق لمواطني الدرجة الأولى الاعتداء علينا. وهذا فعلياً ما حدث يوم الاثنين الماضي، حيث قام المستوطنين بالاعتداء على المظاهرات في المدينة والتي خرجت تضامناُ والتحاماً مع القدس".

"يظهر أحد المستوطنين، في إحدى الفيديوهات التي انتشرت، وهو يحمل علم إسرائيل بيد وباليد الأخرى أطلق النار على المتظاهرين، ولم يكن لوحده. بل كان معه أشخاص آخرين أطلقوا النار أيضاً وللأسف تم إصابة الشهيد موسى حسونة الذي أعلن عن استشهاده لاحقاً في المستشفى، هذا الأمر أثار غضباً أكبر. فقد شعر الجميع بأنهم في خطر، مما جعلهم يخرجون إلى الشوارع ويواجهون ويدافعون عن مدينتهم. إضافةُ إلى ذلك، في يوم الجنازة، ورغم وجود أعداد كبيرة من المشيعين من كافة أنحاء البلاد، إلا أن الشرطة سمحت للمستوطنين بالدخول إلى اللد وبين المشيعين مما أشعل المواجهات مرةً أخرى. ومثل كل مرة، قامت الشرطة بالوقوف بجانب المستوطنين ضد الفلسطينيين"، تقول مها.

"القوى السياسية، خاصةً في الضفة وأراضي 48، باتت تركض وراء الشارع دون إمكانية الوصول إليه، ذلك بعد سنوات من تراجعها التدريجي"

"وعلى الرغم من إعلان منع التجول في اللد، إلا أنه كان عملياً منع تجول للعرب فقط، من أجل السماح لقطعان المستوطنين والجيش برد اعتبارهم من خلال الاعتداء على العرب. فحصلت عدة اعتداءات من حرق بيوت اعتداء على المساجد وحرق سيارات. ولكن الشباب تصدوا لهم ولم يسمحوا لهم بالتفرد بالناس. بل شكلوا لجان حماية للأحياء العربية وقاموا بالدفاع عن الممتلكات والناس بالسلاح أحياناً.  على الرغم من أن هذا السلاح هو سلاح غير مرخص ونحن منذ سنوات طويلة نطالب بجمع السلاح من المجتمع الفلسطيني في الداخل. إلا أن ما حصل أن هذا السلاح تم استخدامه للمرة الأولى من أجل حماية العرب من اليهود وليس من أجل قتل أبناء المجتمع الواحد"، تقول مها.  

فلسطين الواحدة

يقول المحلل السياسي والباحث في الشأن الفلسطيني الإسرائيلي رازي نابلسي حول خصوصية هذه الهبة: "هناك عاملان أساسيان يجعلان من هذه الهبة مميزة وتاريخية وخاصةً: أولاً حقيقة أن هذه الهبة ليست بقرار سياسي من فصائل أو قوى. هي هبة على الواقع الذي يفرضه الاحتلال، يقودها الناس من رحم المعاناة اليومية. وثانياً، تبين من خلال الهبة أن القوى السياسية، خاصةً في الضفة وأراضي 48، باتت تركض وراء الشارع دون إمكانية الوصول إليه، ذلك بعد سنوات من تراجعها التدريجي وتراجع طروحاتها السياسية التي أعدمها الاحتلال بعنصريته وعنهجيته، وعدم قدرتها أو وجود الإرادة لديها للتجدد". ويضيف نابلسي: "هناك عودة للمفاهيم الأساسية للصراع: مع كل هبة جديدة نرى عملية مراكمة على المفاهيم ووضوح رؤية الصراع بعد عقود قام خلالها الاحتلال، وتماشت معه القوى السياسية الفلسطينية بإقناعنا أننا مجتمع ذو خصوصيات. هذه الهبة أعادت الخصوصيات إلى مربعها الأساسي: حالة تكامل وليس تنافر. اليوم، الخصوصيات الفلسطينية باتت أداة تعزيز ودعم مشترك لقضية واحدة، في الوقت الذي بذلوا كل ما بوسعهم لإقناعنا أن الخصوصيات معناها مصائر مختلفة. هذه الهبة أثبتت أن الخصوصيات نقطة قوة وليست أداة تفكيك. اليوم كل فلسطيني في كل مكان، يقوم بدوره من موقعه وحسب إمكانياته في دعم غزة من جهة والقدس واللد من جهة أخرى".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard