"سواءً في مخيم الوحدات أم في فنزويلا... سيظل اللاجئ الفلسطيني غريباً"

الثلاثاء 8 يونيو 202102:16 م

المنفى في معجم اللغة العربية المعاصرة هو مكان إقامة المطرود من بلاده. لكن اللغة شيء، والدلالات الملموسة، وغير الملموسة لهذه الكلمة شيء آخر. مثلاً، لا يمكن استرجاع المنفى بالنسبة إلى الفلسطيني من دون تذكّر النكبة، والهجرة، والمخيمات، والوطن المتروك. كلمة واحدة يمكن لمسها، شمّها، واستشعارها تحت جلد كل فلسطيني هُجّر من أرضه، وسكن واحداً من الـ64 مخيماً داخل فلسطين، أو خارجها. لذا لا أعتقد أن اللغة، أو حتى تعريفات الأونروا والأمم المتحدة، قد أنصفت الفلسطيني، أو منحته امتيازاً خاصاً في نقل قصته الحقيقية بلغة واضحة وصريحة.

بلغ عدد الفلسطينيين حتى عام 2020 زهاء 14 مليوناً؛ خمسة ملايين يعيشون داخل فلسطين التاريخية، ونحو ستة ملايين لاجئ في الدول العربية وحدها، وهذه النسبة التي رصدَها جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني لا تشتمل على اللاجئين غير المسجلين في الأونروا، أو الذين يعيشون في الدول الأجنبية. مما يعني أن نصف الفلسطينيين يعيشون خارج الوطن. 

المخيمات العربية في عيون اللاجئ الفلسطيني

اللاجئ الفلسطيني يعاني الأمرّين في المخيمات، إلا أن ثمة فروقات لا يمكن تجاهلها في حديثنا عن اللاجئ الفلسطيني داخل المخيمات العربية، واللاجئ في الدول الأجنبية، الذي حصل على مهنة وبيت، واستطاع أن يتزوج وينجب أطفالاً في تلك المدن الغريبة. فالأول ينتمي إلى عالم التمرد، والثورة، ورفض الواقع، وحق العودة، بخلاف الثاني الذي يسمع عن فلسطين من والديه، ويدخلها كسائحٍ يسأل عن اسم هذه المدينة، ومعنى تلك.

المنفي داخل مخيم، لا يشبه الفلسطيني الذي يعيش خارجه. صحيح أنهما يحملان فلسطين في الذاكرة، إلا أن الأول يحملها ويُعاني مرارة حملها في كل لحظة، بينما يُنزلها الثاني عن ظهره بين الفينة والأخرى، ويُجلسها على قارعة الطريق لتستريح.

دنيا باسم، وصفت مخيم الوحدات الذي تسكنه في الأردن، مؤقتاً مثلها مثل الفلسطينيين جميعهم هناك، وصفته بلغة مقاوِمة ومحتجة، فقالت لرصيف22: "لا أنكر أنها مأساة، ظروف صعبة وأيام مليئة بالغربة، كلما حاولت الاختلاط بالناس خارج المخيم، عدت لأعيش معاناتي من جديد. تؤلمني رؤية الموارد القليلة، والجهل، والعادات التي تحكّم بها اللجوء، والحاجة المعنوية والمادية. تؤسفني طاقات تهدر، وحقوق تُسلب، وحياة مسارها يختلف عن البقية لمجرد الإقامة في المخيم. لكن لا بأس. كله يهون. المخيم أصل الحكاية، وإذا بَهُت بَهُتت قضيته. لا بأس، هم يحاربون، ويرابطون على الحدود وفي المسجد الأقصى، هم يُقصَفون، ونحن نقاسي ونكابد الواقع. هنا ثمة ألم نفسي ومعنوي؛ قصف طموح مرابِط على حدود الأحلام الممنوعة".

وتطرقت دنيا إلى حالة الاغتراب التي تعيشها هناك، فقالت: "نعم، هنا نختلف. فمثلاً أختلف عنهم بعدم حصولي على رقم وطني، أو تأمين صحي، أو منحة دراسية. حقوقي كلها صعبة، وبحاجة إلى موافقة أمنية، طوابع، معاملات صعبة، ضرائب، وانتظار طويل. لا أنسى لحظة إعلان نتائج الثانوية العامة. تخيَّلي، كنتُ الأولى على منطقتي، ومدرستي في التخصص العلمي، ومع ذلك دخل زملائي كلهم إلى الجامعة، وما زلت أنتظر. كل هذا لأنني فلسطينية. لا بأس، تستحق أم البدايات، وأم النهايات. وأخيراً نرى فلسطين بعيون المخيم في الكلمات، في رسومات الحائط، في أسماء الأطفال، في جلسات النسوة على أعتاب البيوت، في حوارات الطلاب، في مدارس الأونروا وجلساتها، في أطباق طائرة بعلم فلسطين في سماء المخيم، في الأغاني الثورية، في حكايات الأجداد، وفي حب لا ينتهي".

"كلما حاولت الاختلاط بالناس خارج المخيم، عدت لأعيش معاناتي من جديد. تؤلمني رؤية الموارد القليلة، والجهل، والعادات التي تحكّم بها اللجوء"

يحبوننا أكثر من أبناء الوطن

"فنزويلا مسقط رأسي. كنت أزور عائلتي في الضفة الغربية مرة كل عشر سنوات. أمي وأخواتي استطعن العودة إلى الوطن. أما أنا فلم أعد. لا يمكنني أن أعود، لا شيء يربطني بالبلاد هناك. عملي هنا، وزوجتي، وابنتي". هذا ما قاله محمد (39 عاماً) لرصيف22، وهو والد لفتاة واحدة اسمها صوفيا، أو "جميلة" على اسم جدتها لأبيها. صوفيا التي وُلدت فنزويليةً، ولن يكون لديها هوية، أو جواز سفر فلسطيني في يوم من الأيام. 

أما والده عبد الله، وهو رجل ستيني قضى حياته في فنزويلا، فيقول لرصيف22: "جاء أبي بعد النكبة من قرية مردا إلى فنزويلا بحثاً عن عمل، واستقر هنا. أنا كنت الابن البكر، درست وعملت في مجال جراحة العظام، وعدت بصعوبة إلى الضفة الغربية. تزوجت ابنة عمتي، ثم سافرنا معاً. أبنائي وبناتي ولدوا هنا، والبنات فضلن العودة إلى الضفة الغربية ليتزوجن، فهذه البلاد، وإن كانت مليئة بالعرب، إلا أنهم غرباء بخلاف الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة".

فنزويلا من الدول التي تعدّ القضية الفلسطينية قضية وطنية، إذ تراوح عدد أبناء الجالية الفلسطينية فيها بين 10 و15 ألف شخص في عام 2018 بحسب وكالة وفا. كما يؤكد عبد الله على الاندماج الكبير بين الشعب والجالية الفلسطينية، فضلاً عن وجود نوادٍ خاصة بهم فيها مدارس ومساجد وصالات للأفراح وملاعب كبيرة، خاصة في مدينة فالنسيا. ولا يكتفي الشعب بدعم القضية الفلسطينية فحسب، بل يقيمون علاقات صداقة وزواج مثلما حدث مع محمد، ويعلّمونهم طريقة طبخ "المقلوبة"، وكعك العيد.

اللاجئ في المخيمات الفلسطينية، والعربية، قيل له إنها خيمة مؤقتة، فأصبحت مخيماً مزدحماً تنحبس شمس العودة خلف حجارته المهترئة. واللاجئ في الدول الأجنبية، هو أيضاً مواطن فيها، يناضل ضد فقدانه لهويته وسط ذوبانه في الهويات الأخرى

"عشت في فنزويلا أربعين سنة. من ضمن الأشياء التي أتذكرها هي بيتنا القديم هناك؛ المكان الذي أنجبت فيه جميع أولادي. لم يسكنه أحد بعدنا، فهو موقع استراتيجي للسرقة. مشكلة الشعب هناك أنهم يسرقون كثيراً، ولا يستغلّون موارد بلادهم، وهذه المشكلة لم تتغير منذ أربعين سنة حتى اليوم. مع أن الشعب يحبنا كفلسطينيين أكثر من حب أبناء الوطن لنا. صحيح أنني عدت إلى فلسطين، لكن عودتي لم تكن غريبة. فأولادي جميعهم عادوا، وهم يتحدثون العربية، كنت أتحدث معهم بالعربية طوال الوقت هناك". هذا ما قالته جميلة (64 عاماً) عن تجربتها مع المنفى. كما تحدثت أيضاً عن مدى وحدتها حين كانت تُنجب أطفالها. فزوجها هو الوحيد الذي كان يقف إلى جانبها، وفي ما بعد أصبحت ابنتها الكبرى تنوب عنه في هذه المهمة. وحين عادت، بدأت معاناة بناتها في الحصول على الهوية، و"لمّ الشمل"، إذ كنّ يسرقن هوية والدتهن حين يتنقلن بين المدن.

من الأشياء التي ما زالت تستثيرني فكرياً، هو امتلاك كل فرد في هذه العائلة اسمين، فالوالد عبد الله اسمه هناك مانويل، ومحمد حامو، وجميلة صوفيا... إلخ. هذه الثنائيات التي تلاحق الفلسطيني في الأماكن كلها التي يزورها أو يسكنها، تدفعه إلى تغيير أكثر الأشياء حميمية وارتباطاً بالإنسان، كالاسم. فكيف يحولنا المنفى مهما كان ودوداً ومرِحاً إلى غرباء هوية، وما الذي دفع مريد البرغوثي إلى وصف الغربة بأنها شبه جملة؟

ثنائية المنفي والغريب

ثنائية الاسم المتناقضة هذه تجرّ خلفها ثنائية كل شيء، فاللاجئ في المخيمات الفلسطينية، والعربية، قيل له إنها خيمة مؤقتة، فأصبحت مخيماً مزدحماً تنحبس شمس العودة خلف حجارته المهترئة. واللاجئ في الدول الأجنبية، هو أيضاً مواطن فيها، يناضل ضد فقدانه لهويته وسط ذوبانه في الهويات الأخرى، ليكتشف مع مرور الوقت أن هويته أصبحت مشروخة، ولم تعد تنتمي إلى وطنه الأصلي. مثلما قال إدوارد سعيد: "أعتبر شخصية المنفي شخصية غاية في الأهمية؛ لأنها في لحظة من اللحظات تصل إلى نقطة تدرك فيها أن المنفى لا رجعة عنه".

إذا كان هناك شيء مشترك بين اللاجئين داخل الوطن العربي، وخارجه، فهو الثنائيات. مثلاً ثنائية المنفي والغريب تحمل بين طياتها عوامل النبذ، والإقصاء، والغربة. وسواء كنت في الوحدات، أو في فنزويلا، ستكون دائماً "الآخر" الدخيل، الغريب، القادم من مكان آخر، صاحب الثقافة والرواية المختلفتين. ولعلها مفارقة محزنة أن تكون الدول الأجنبية مكاناً يمنح الفلسطيني رقماً وطنياً، فيما تعدّ الدول العربية أبناء فلسطين الذين يعيشون في مخيماتها، شعباً غريباً تحرمه من أبسط حقوقه، فقط لأنه طُرد من وطنه، وأُجبر على تركه.

مريد البرغوثي شرح لنا إحساس امتلاكه منفى خاصاً، في روايته "رأيت رام الله"، وتحدث عن الطريقة التي تُصبح فيها فلسطين بيتاً غريباً عن صاحبه، ومكاناً لا يصلُح للعيش. فالمنفى يدرّب على الفندقة الجسدية، والروحية أيضاً، واعترف لنا بأنه لا وجود لمنفى أنيق، ولا وجود لغربة مُفرحة، والأماكن كلها التي يهاجر إليها المرء، ستظل غريبة عنه مهما تطبّع بطبائعها. فكل منفي غريب، وكل غريب يُحاول الآخر إجهاضه وجودياً. ولو لم يتحدث البرغوثي عن المنفى، لاكتفينا بما قالته جميلة عن الولادة وحيدة في بلد غريب.

مفارقة محزنة أن تكون الدول الأجنبية مكاناً يمنح الفلسطيني رقماً وطنياً، فيما تعدّ الدول العربية أبناء فلسطين الذين يعيشون في مخيماتها، شعباً غريباً تحرمه من أبسط حقوقه

تقول فاطمة عبد الله لرصيف22 في حديثها عن العودة من الخارج إلى فلسطين: "الحياة هنا مختلفة تماماً عن الحياة في الدول الأجنبية، مع أن مشكلتي مع اللغة العربية لم تكن كبيرة، إذ علّمتنا والدتي التحدث بها طوال فترة عيشنا في فالنسيا. لكنني وجدت صعوبة هائلة في التنقل بين المدن، لأنني لم أكن أمتلك هوية وطنية، فأنا وشقيقتي الأخرى جئنا متأخرين إلى الوطن بخلاف أخوتي الآخرين. كنتُ أسرق هوية عمتي، أو شقيقتي، وأعرضها على الجندي الإسرائيلي بشكل سريع، وأحياناً لا يطلبونها. أتذكر مثلاً حين ذهبت إلى نابلس، مع العلم أن الطريق إليها كانت مليئة بالحواجز، وكنا نترجل من السيارات وندخل إلى الحاجز المليء بآلات التفتيش، ثم نعرض هويتنا على الجنود، ونخرج من الطريق الأخرى، وهي طريق سيئة غير معبدة مليئة بالحجارة. في إحدى المرات، لم تكن معي هوية أحد، ووقفت لمدة أربع ساعات على الحاجز، أنا وشقيقتي. كانوا سيأخذوننا إلى السفارة، ويعيدوننا إلى فنزويلا. أشخاص كثيرون أعادوهم إلى هناك، ولو لم يتدخل أحد قادتهم الذي كان يتحدث الإسبانية مثلنا، لسافرنا ولم نعد".

هكذا يصبح المنفي غريباً، وهكذا تقوم دولة الاحتلال بجرّ أحقيّتها المزعومة في الأرض؛ بتحويل الفلسطيني القادم من أي مكان من العالم إلى غريب بلا اسم، أو انتماء. هو رقم، لون، بطاقة، ورقة. هو حالة مؤقتة وطارئة تسبب صداعاً لضابط الحدود الذي جاء من روسيا، وأصبح مواطناً في دولتهم المزعومة. فهل من سبيلٍ إلى استعادة المنفي لفلسطينيته، سواء في المخيم، أو في الخارج، أو في فلسطين نفسها، من دون أن يُصبغ عنوةً بألوان لا حصر لها من الغربة والاغتراب؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard