هنا مخيم شعفاط للاجئين... فلسطينيون يريدون الخروج من الحياة المستحيلة

الاثنين 3 مايو 202107:13 م

عندما رسمت دولة الاحتلال الإسرائيلي حدود الجدار الفاصل في الأراضي المحتلة، قبل أكثر من 12 عاماً، كان مخيم شعفاط للاجئين الفلسطينيين أول منطقة يتخلص منها، رغم أنه المخيم الوحيد ضمن حدود المدينة بحسب ما تقول وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا".

مساحة لا تزيد عن 203 دونمات (قرابة 0.2 كيلومتر مربع)، يعيش فوقها أكثر من 60 ألف نسمة. يسكنون في بنايات متراصة وقريبة من بعضها، بدون اعتبار للمسافات القانونية المتعلقة بالبناء بينها. تقول "الأونروا" إن عدد اللاجئين المسجلين في مخيم شعفاط يراوِح 18 ألف نسمة، لكن الأرقام المتداولة اليوم تفوق هذا العدد بأضعاف، كون "مخيم شعفاط" لم يعد للاجئين فقط، بل أصبح ملجأ للفارين من الغلاء والباحثين عن السكن الرخيص، الأمر الذي لن تجده بسهولة في المناطق الأُخرى من مدينة القدس المحتلة.

ومخيم شعفاط هو آخر المخيمات التي أنشئت للاجئين الفلسطينيين داخل حدود وطنهم المسلوب، فقد أوجد عام 1965، عقب إغلاق مخيم "ماسكار" في المدينة القديمة في القدس بسبب سوء الظروف الصحية فيه. تعود أصول اللاجئين فيه إلى 55 قرية تابعة لمناطق القدس واللد ويافا والرملة. وكباقي مخيمات الضفة الغربية، فقد تأسس المخيم فوق قطعة من الأرض استأجرتها الأونروا من الحكومة الأردنية.

 

داخل "حدود بلدية القدس" وخارج اعتبارها

تقول وكالة الغوث في موقعها الرسمي: "يعد مخيم شعفاط المخيم الوحيد في الضفة الغربية الذي يقع ضمن الحدود البلدية للقدس. ولذلك، فإن اللاجئين فيه يحق لهم الحصول على هويات مدنية تابعة للقدس، الأمر الذي يضمن لهم حقوق الإقامة فيها، ويجعلهم مؤهلين للحصول على بعض الخدمات الاجتماعية الإسرائيلية، بما في ذلك الرعاية الصحية".

لم يصبح المخيم، الذي أُسس عام 1965، موقع جذب لآلاف الفلسطينيين اللاجئين وغير اللاجئين بسبب جماليته أو الخدمات المقدمة فيه، وإنما لوجوده داخل الحدود الإسرائيلية المزعومة لما يسمى "بلدية القدس". في الوقت الذي يقع فيه فعلياً خارج الجدار الإسرائيلي الذي يفصل القدس والأراضي المحتلة عام 1948 عن باقي الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ما يتيح لكافة الفلسطينيين الوصول إليه والسكن فيه، عكس القرى والمناطق الأخرى في مدينة القدس.

يقول الباحث في شؤون مدينة القدس مراد النتشة، لرصيف22: "إن مخيم شعفاط، إن قارناه مع باقي المناطق في مدينة القدس المحتلة، يعاني من عدم توفر أبسط الاحتياجات الإنسانية، فالبنية التحتية معدومة تقريباً. يدفع سكان مخيم شعفاط من حاملي هوية الإقامة الإسرائيلية ضريبة "الأرنونا" (ضريبة عقارات) للسلطات الإسرائيلية بانتظام. لكنهم في المقابل لا يحصلون على الخدمات المستحقة مقابل ذلك".

ويتابع: "على سبيل المثال، نظام الصرف الصحي ليس ملائماً لتوفير الخدمة لهذا العدد الكبير من السكان. فقد أنشئ نظام الصرف الصحي خلال ثمانينيات القرن الماضي، والبنية التحتية لهذا النظام في المخيم لا تكفي لاستيعاب شدة تدفق المياه خاصة في فصل الشتاء". ويؤكد الباحث الفلسطيني أن مخيم شعفاط ليس مهيأً لاستيعاب قرابة 60 ألف نسمة، واصفاً ذلك بأنه كارثة إنسانية بحق السكان أنفسهم وبحق المكان. "عدد السكان في مخيم شعفاط موازٍ لعدد السكان في مدن مثل الناصرة والرملة واللد شمالي البلاد، كما أن الكثافة السكانية فيه تعتبر من الأعلى في الأراضي المحتلة، ومع ذلك فإن الميزانية المخصصة لهذا الحي ضئيلة جداً"، يقول النتشة.

أخاف على أبنائي من رصاصة طائشة من هنا أو هناك. كما أن المخدرات منتشرة بشكل جنوني بين السكان في المخيم، بمن فيهم الأطفال

تطلقت لأن الحياة في المخيم مستحيلة

سكنت الثلاثينية ميس مع طليقها وأولادها في مخيم شعفاط قرابة الـ10 سنوات. لكنها انفصلت بسبب ما وصفتها بـ "الحياة المستحيلة" في تلك المنطقة. تقول ميس: "تزوجت عندما بلغت من العمر 17 عاماً. حينها كانت طبيعة الحياة مختلفة في مخيم شعفاط. فبظرف سنوات قليلة، بُنيت حولنا عمارات ضخمة، في كل منها عشرات الشقق السكنية، أصبحنا محاطين خلال فترة قصيرة بآلاف السكان الجدد". وتضيف: "لم أكن أتمكن من تهوئة منزلي بسبب المسافة القريبة بينه وبين المنازل المجاورة. لم تكن هناك أية خصوصية، والإزعاج على مدار 24 ساعة. حتى أنني في كثير من الأحيان كنت مضطرة للبس الحجاب داخل منزلي، في حال فتحت شبابيك المنزل".

وتشير ميس، التي تعيش اليوم في بلدة "بيت حنينا" التي لا تبعد عن مخيم شعفاط سوى عدة كيلومترات، إلى أن الزيادة غير الطبيعية لعدد السكان خلال فترة قصيرة ضاعفت العراكات العائلية. فتقول: "أصبحت أخاف على أبنائي من رصاصة طائشة من هنا أو هناك. كما أن المخدرات منتشرة بشكل جنوني بين السكان في المخيم، بمن فيهم الأطفال".

من جانبه، يتطرق النتشة إلى حياة الأطفال في مخيم شعفاط، واصفا إياها بـ"الكارثية"، فيقول: "لا توجد أية منتزهات أو ملاعب ملائمة للأطفال. لذلك فهم يضطرون للتفريغ عن طاقاتهم بطرق أخرى قد تؤذيهم وتؤذي من حولهم". ويضيف: "كما لا توجد أية أنشطة تربوية تنظم سلوك هؤلاء الأطفال، رغم أنهم أكثر أطفال القدس حاجة لذلك، في ظل البيئة السيئة التي يعيشون فيها".

تقول ميس إنها "خيرت طليقها قبل الانفصال؛ إما الرحيل عن المخيم أو الطلاق. فوعدها بالرحيل. لكن مرت سنوات دون أن ينفذ وعده، وذلك تزامناً مع ازدياد الأوضاع الحياتية سوءاً في المخيم، فاضطرت لطلب الطلاق عبر محام". تعتقد ميس أن طليقها "رجل جيد وكريم"، لكنه كان مدمنا بحسب قولها: "بدأ التدخين في عمر 12 عاماً، ثم وقع ضحية للمخدرات بعد سنوات قليلة، على غرار الكثير من أطفال المخيم. ولما أصبح رجلاً كبيراً لم يكن من السهل عليه الإقلاع عنها".

طيلة فترة سكنها في مخيم شعفاط، لم تخرج ميس مع أولادها من منزلها بعد غروب الشمس، وذلك بسبب عدم وجود نظام إنارة في عدد كبير من الشوارع، فلم تكن تشعر بالأمان. وتقول: "حتى السياقة في شوارع المخيم كانت عبارة عن معاناة كبيرة، بسبب سوء البنية التحتية للشوارع. كانت تتعطل سيارتي أو يتعطل دولابها كل شهر تقريباً". 

المستثمرون يستغلون عدم اهتمام الاحتلال الإسرائيلي بالبناء والبنية التحتية والضوابط القانونية للبناء في منطقة مخيم شعفاط، فيبنون العمارات الضخمة قرب بعضها البعض دون الالتفات إلى الكوارث الإنسانية المحتملة

مكره أخاك لا بطل

الشاب المقدسي محمد عدنان، الذي يعيش منذ أكثر من 8 أعوام في مخيم شعفاط، ينظر إلى موضوع السكن في المخيم بطريقة أخرى. فيقول: "منزل عائلتي موجود في قرية شعفاط، المتاخمة للمخيم. لكني عندما تزوجت وأنجبت، لم أستطع تحمل تكاليف المعيشة في شعفاط، فاضطررت البحث عن بديل قريب ومناسب. هناك فرق كبير بين تكاليف السكن بين القرية والمخيم؛ فإيجار المنزل في قرية شعفاط لكونها تُعتبر منطقة راقية يتجاوز 1100 دولار أمريكي، فيما لا يتجاوز الإيجار في المخيم 400 دولار. بل واستطعت شراء منزل بالتقسيط المريح". ويتابع: "رغم الفروق في جودة الخدمات المقدمة بين قرية ومخيم شعفاط، والكثافة السكانية المنخفضة والهدوء الذي تتمتع به القرية، إلا أنني لا أستطيع أن أكلف نفسي فوق طاقتي".

رغم ذلك، فإن عدنان يعتقد أن منطقة مخيم شعفاط وأحياءه الفرعية أصبحت "تربة خصبة" للمستثمرين والسماسرة لجني الأموال، فيقول بشأن ذلك: "المستثمرون يستغلون عدم اهتمام الاحتلال الإسرائيلي بالبناء والبنية التحتية والضوابط القانونية للبناء في منطقة مخيم شعفاط، فيبنون العمارات الضخمة قرب بعضها البعض دون الالتفات إلى الكوارث الإنسانية المحتملة جراء الكثافة السكانية المتزايدة، والقواعد الأساسية للبناء. همّهم الأول والأخير هو جني الأموال. فلو حدث زلزال على سبيل المثال، ستحل كارثة بأهل مخيم شعفاط، الآلاف سيموتون بالتأكيد. طريقة البناء لم تلتفت إلى احتمالية حدوث ذلك أساساً، هذا استهتار بحياة البشر".

تنشب في المخيم عراكات بشكل يومي، تصل في معظمها إلى إطلاق النار. وبحكم أن المخيم يقع خارج الجدار الفاصل، لا تهتم سلطات الاحتلال بأمنه وما يحدث داخله

وكر للمخدرات وتصفية الحسابات

أمّا الشاب العشريني مجد، فقد ترك عائلته التي تعيش في مخيم شعفاط قبل أن يبلغ عامه العشرين، بسبب ما وصفها بالمعارك التي تجري داخل المخيم، في إشارة للعراكات العائلية التي تحدث هناك. يقول مجد لرصيف22: "أنا شاب هادئ، لا أحب العراك وأجواءه. تنشب في المخيم عراكات بشكل يومي، تصل في معظمها إلى إطلاق النار. وبحكم أن المخيم يقع خارج الجدار الفاصل، لا تهتم سلطات الاحتلال بأمنه وما يحدث داخله، على غرار المناطق الأخرى في مدينة القدس". ويتابع قائلاً: "عندما بدأت بالعمل والاعتماد على نفسي مادياً، أول ما فكرت فيه كان الخروج من المخيم، والبحث عن مكان آخر أكثر هدوءاً وأمناً. وبالفعل استأجرت بيتاً، وبعد فترة قصيرة لحقتني عائلتي وسكنا جميعاً في بلدة بيت صفافا جنوب القدس المحتلة".

لا يحب مجد حتى زيارة مخيم شعفاط، رغم أن أقاربه وباقي أفراد عائلته ما زالوا يعيشون هناك. ويقول: "أشعر بغصة عندما أذهب إلى تلك المنطقة. نعم لقد تربيت هناك، وقضيت طفولتي وسط تلك المعاناة المستمرة، لكن ذلك المكان هو آخر مكان يمكن أن أعيش فيه الآن. بالنسبة لي، أصبح المخيم وكراً لتجار المخدرات وتصفية الحسابات، فكل عائلة لديها ترسانة من الأسلحة. هو أشبه بغابة، القوي يبقى والضعيف يموت".

ويتابع حديثه: "أنا لست ضعيفاً، كما أن عائلتي كبيرة ولديها نفوذ في المخيم، لكنني لست لهذا خُلقت، أحب أنّ أنعم بحياة جيدة أنا وعائلتي المستقبلية".

من جهته، يشير النتشة إلى أن الأمن معدوم في منطقة مخيم شعفاط، فالشرطة الفلسطينية غير مخولة لدخوله. أما إسرائيل فلا تُعير أي اهتمام للشكاوى التي تصلها عند حصول عراك أو سرقة أو سطو مسلح. "من بين 100 شكوى يقدمها سكان مخيم شعفاط فيما يخص الأمن والجرائم، تستجيب الشرطة لمعالجة 3 أو 4 شكاوى فقط. لذا فإن الأمن تقريباً معدوم. منطقة مخيم شعفاط أصبحت منطقة لتصفية الحسابات والمافيات، دون رقيب"، يقول النتشة.

أما فؤاد، الذي رحل عن المخيم مع أولاده الثلاثة قبل عدة أعوام، وكان سكن مع والده في المنزل ذاته، يقول إن سبب رحيله كان تعرضه لسطو مسلح. يحدث رصيف22 قائلاً: "دخل عليّ قبل عدة سنوات ثلاثة مسلحين عند ساعات الفجر، أفزعوا أبنائي وزوجتي، سرقوا الذهب، و'تحويشة أبنائي' التي كنا ندخرها في 'حواشات' مخصصة للأطفال". ويتابع: "حينها أيقنت أن البقاء في المخيم قد يعرضني وعائلتي للخطر، عاجلاً أم آجلاً، فعملت المستحيل وبحثت عن عمل آخر حتى أستطيع أن أسكن في منطقة أخرى، وهذا بالفعل ما حصل".

لا تستريح ممارسات الاحتلال الإسرائيلي التي تهدف إلى محاصرة المخيم جغرافياً وخدماتياً واجتماعياً. هو أشبه بجيتو مُحكم الإغلاق في قلب المدينة التي تعتبرها إسرائيل "عاصمة" لها، والتي تفعل كل ما في وسعها من أجل إفراغها من أهلها الفلسطينيين؛ وها نحن نعيش اليوم نموذجاً حياً في حي الشيخ جراح الذي يشهد مخططاً استيطانياً أمام عيون العالم كله. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard