سقطات مثيرة للضحك والأسى… الدعاية الرخيصة تحكم السباق البرلماني في الجزائر

الأحد 6 يونيو 202104:06 م


يخبرنا أحدهم أنه جاءنا بكمية من الفراولة المختارة بعناية، في إشارة إلى الحسناوات المنضمات إلى قائمته الانتخابية. يكاد آخر أن يجزم أن الله قد خصّ حزبه برقم 7 من بين كل الأرقام، لا لشيء سوى لكونه رقما مباركا له علاقة بالكثير من "الشؤون الربانية". أما الثالث فيصف لنا زوجته النحيفة، مثله تماما " مدام دليلة" قبل أن يلقّب اللاعب الجزائري رياض محرز بالمجاهد في سبيل الله والمرابط لأنه رفع العلم الفلسطيني خلال احتفاله بلقب الدوري الإنجليزي. يلقي أحدهم بخطابه مستخدما اللغة العربية الفصحى، ولا نفهم جملة واحدة مما يقول. لنتذكر طريقة الممثل يونس شلبي في مسرحية مدرسة المشاغبين ويعلق رواد التواصل الاجتماعي على لسان الممثل سعيد صالح " أنا عايز جملة مفيدة ".

يصل الخطاب السياسي في الجزائر يوما بعد آخر إلى أدنى مستوياته، يعمّق فجوة الثقة بين الشعب الجزائري والسلطة التشريعية، ويفقده شيئا فشيئا الأمل في جزائر جديدة حقيقية، جزائر يُسمَع فيها صوت المواطن وتُصان حقوقه وحريته.

تحتد المنافسة بين الأحزاب السياسية والقوائم الحرة للفوز بمقاعد البرلمان في الانتخابات التشريعية المقررة يوم 12 جوان 2021 وتتضاعف معها السقطات الإعلامية للمترشحين، لتتحول الساحة السياسية في الجزائر، منذ بداية الحملة الإنتخابية، إلى خشبة مسرح يتنافس فيها الكوميديون على اللقب.

يصل الخطاب السياسي في الجزائر يوما بعد آخر إلى أدنى مستوياته، يعمّق فجوة الثقة بين الشعب الجزائري والسلطة التشريعية، ويفقده شيئا فشيئا الأمل في جزائر جديدة حقيقية، جزائر يُسمَع فيها صوت المواطن وتُصان حقوقه وحريته. وبدلاً من  أن تدور المناقشات في الفضاء العام حول البرامج الانتخابية التي يحملها المترشحون، يركب الشعب الجزائري موجة السخرية التي إنطلقت يوم بداية الحملة الإنتخابية يوم 20 ماي 2021. في الشارع كما في مواقع التواصل الاجتماعي، لا حديث للمواطنين سوى عن مهازل المترشحين وسقطاتهم الكوميدية.

الله يختار أرقام القوائم..ويعطي تذاكر مجانية للجنة


في خرجة كانت لتكون فريدة من نوعها لو لم يتبنها العديد من رؤساء الأحزاب، راح الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني يلقي على مسامع الشعب تفسيرا خرافيا حول حصول قائمتهم، من بين كل القوائم المترشحة على الرقم 7. فحسب الرجل، لقد حباهم الله عز وجل بالرقم سبعة، بإشارة ربانية منه، هو رقم مبارك في ديننا الحنيف وفي تاريخنا الوطني. لقد جاهد الجزائريون في ثورة التحرير لمدة سبع سنوات، ويطوف المسلمون بالكعبة الشريفة ويسعون بين الصفا والمروة سبع مرات. يقول خطيب آخر أن الله اختار لهم الرقم 15 لأنه يتواجد في غالبية أرقام النجدة في الجزائر. أجل، فالله يعلم أن حزبه جاء لنجدتنا. لم تمر هذه التصريحات مرور الكرام، فقد اعتبر الكثير من المتابعين للشأن السياسي هذا النوع من الخطابات استغلالا غير أخلاقي للرموز الدينية لإثارة عواطف المنتخبين واستمالتهم باللعب على وتر الدين الاسلامي. ولعل الأكثر إثارة للسخرية بين المتبركين بالأقرام، هو لخضر بن خلاف المرشح لحزب جبهة العدالة والتنمية، الحامل للرقم 14، والذي راح يذكّر الجزائريين أن الأربعة عشر هو رقم الحماية المدنية، ليضيف أنه الرقم الذي سيطفي نار العصابة وأذنابها في محاولة مستميتة لترسيخ قائمته في ذاكرة الجزائريين.

بدلاً من  أن تدور المناقشات في الفضاء العام حول البرامج الانتخابية التي يحملها المترشحون، يركب الشعب الجزائري موجة السخرية التي انطلقت يوم بداية الحملة الإنتخابية. في الشارع كما في مواقع التواصل الاجتماعي، لا حديث للمواطنين سوى عن مهازل المترشحين وسقطاتهم الكوميدية.

ولكن، عندما يتعلق الأمر بالحس الفكاهي الحقيقي، فلا أحد يتفوق على عبد القادر بن قرينة رئيس حزب حركة البناء الوطني ومترشح لرئاسيات الجزائر لسنة 2019. بعد عملية حسابية بسيطة، يخبرنا بن قرينة أن كافة شعب الجزائر والمغرب العربي سيدخلون الجنة. يفسر الأمر بأن الشهيد يشفع لسبعين رجلا من أهله. والجزائر تملك مليونا ونصف مليون شهيد.سنحظى إذا بالجنة، دون استثناء.

القضية الفلسطينية.. ملاذ السياسيين

لا يخفى على أحد تمسك الجزائريين بالقضية الفلسطينية. فمهما تعددت إيولوجيات الشعب الجزائري، واختلفت رؤيته للدين والتاريخ والسياسية إلا أن هذه القضية تحضى بإجماع الشعب ومناصرته دون قيد أو شرط. ولعل هذا ما حاول بعض الساسة الاستثمار فيه عبر خرجات هزلية أو خطابات طويلة تتمحور حول هذه القضية في وقت ينبغي فيه على المترشحين التركيز على برنامجهم الذي سيمس، في حالة اقتلاعهم للكراسي البرلمانية، حياة الشعب بصورة مباشرة. لم يتردد عبد الرزاق مقري رئيس حزب مجتمع السلم في صنع الحدث عبر رقصة الدبكة الفلسطينية أثناء تجمع لحزبه بولاية الوادي جنوب شرق الجزائر. ليعلق أحد رواد التواصل الاجتماعي قائلا " هكذا يفعلون، يستغلون أم القضايا لتحقيق أهداف سياسية. مقري الذي علّق قبل أيام من فتح الحدود الجزائرية بأنه لو تم فتحها، لسافرنا جميعا لنصرة الشعب الفلسطيني. ولسوء حظه، فتحت الجزائر حدودها الجوية، ولا يزال مقري قابعا في الجزائر، يحاول استمالة شعبها بكل الطرق الممكنة والمستحيلة لاختيار قائمته.

العنصر النسائي، بين عرض الجمال، واخفاء الملامح

لعل القطرة التي أفاضت كأس المشاركة النسوية في الانتخابات، كانت تلك النابعة من تعليق رئيس جبهة الحكم الراشد عيسى بلهادي، حول ترشيح حزبه للحسناوات، مضيفا " قدمنا لكم الفراولة المختارة، وليس تلك التي تذهب إلى جنوب إفريقيا". وكما هو متوقع في مثل هذه الحالات، انتشر الفيديو كالنار في الهشيم في مواقع التواصل الإجتماعي. فبين السخرية من سذاجة التعليق، والسخط مما يمكن أن يعتبر انتقاص من قيمة المرأة وحصرها في ملامح الوجه والزينة، يعلق الجزائريون بأن هذا التصريح يحمل في طياته عنصرية بغيضة تجاه بلدان الجنوب.

وفي الوقت الذي تداول فيه الجزائريون الملصقات التي تحمل صور الحسناوات التي تعطي انطباعا بكونها ومضات إشهارية، أضافت بعضهن صفة " متزوجة" في سيرهن الذاتية التي يفترض أن تحتوي على مسارهن العلمي والمهني، في محاولة لتفاذي التحرش الذي قد يطولهن. وفي النقيض الآخر، إختارت مترشحات أخريات أن تتخفين عن الأنظار لتستبدلن صورهن الشخصية بأخرى خالية تماما من الملامح.

 "انتخبوني، حياتكم لن تتغير، على الأقل، غيروا حياتي "

كعادته، لا يفوت نزيم باية، صاحب موقع " المنشار" المختص في كتابة المقال الساخر، أي فرصة لتحويل المواضيع التي تصنع الحدث الجزائري إلى مادة دسمة للسخرية. أعلن باية قبل أيام، عن مشاركة حزبه الإفتراضي المسمى حزب " القيو" في التشريعيات تحت شعار " انتخبوني، حياتكم لن تتغير، على الأقل غيروا حياتي". وكلمة " قيو" بكسر القاف وتسكين الواو في اللهجة الجزائرية تقال لمن يفشل في تمرير أكاذيبه للاستهزاء به وإعلامه أن أكذوبته واضحة ومكشوفة. لقي هذا الحزب رواجا واسعا في مواقع التواصل الإجتماعي، وضم عبر مجموعته على الفايسبوك، أكثر من سبعة آلاف عضو. انتشرت الملصقات الانتخابية الساخرة لهذا الحزب الإفتراضي بشكل كبير بين من يطلب من الشعب أن يختاره ليتمكن من شراء سيارة فاخرة، وبين من يتبى شعارا يدعوا فيه الله أن يُكثر من السذّج ليعيش الماكرون.

لهذه الأسباب لا يبرح الخطاب السياسي مكانه

في حديثه لرصيف 22، يرى الدكتور في العلوم السياسية والأستاذ بجامعة عنابة، عبد السلام قريقة أن المترشحون لم يخرجوا من الخطابات النمطية التي يمقتها الشارع و يعتبرها المواطن انتهازية وطريقة وصولية. كما أنهم لم يحضروا للحملة من باب ترقية الخطاب السياسي بما يشكل أداة إقناع للناخب و لم يستشيروا اصحاب الاختصاص في ذلك، و الدليل حسبه أن معظمهم لم يخرج عن قاعدة الوعود الفضفاضة و التي لا تلقى مصداقية لدى المواطن باعتبارها مكررة فلا يوجد مترشح واحد حاول الخروج بنمط جديد في الحملة مختلف عن الآخرين. فالقدرة على التعبئة و الإقناع و أبجديات الخطاب السياسي هو علم قائم بذاته و ليس كلاما فارعا.

وردا على سؤالنا المتعلق بالظروف التي أوصلت الخطاب السياسي في الجزائر إلى ما هو عليه اليوم، يجيب محدثنا أن " هذا راجع إلى عدة أسباب تتعلق أساسا بضعف التنشئة السياسية والتأطير الحزبي وغياب دور الأحزاب في تكوين الإطار السياسي". ويربط الأستاذ قريقة ما سبق بغياب الرؤية الصحيحية لدور النائب، والدراسة الصحيحة من طرف المترشحين لواقع الحياة السياسية و ذهنية المواطن الجزائري. خاصة وأن الناخب رافض للمترشحين بسبب التراكمات التاريخية السابقة و التجارب الانتخابية التي بينت انتهازية النواب. فالمواطن الجزائري يملك صورة مشوهة للنائب وإن شارك في الانتخابات فمن أجل تدعيم مترشح معين بحكم القرابة أو الانتماء القبلي والعروشي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard