جرح في خاصرة الجزائر… حركة الماك الانفصالية تهدم جدار الخوف

الثلاثاء 4 مايو 202102:55 م

لا تملك شعبيةً ولم يكن لها صدى في الجزائر، لكنها تكبر شيئاً فشيئاً، ومن كانت بالأمس لا تُسمع ولا تُرى، باتت الآن تزعج السلطات العليا في الجزائر. كيف لا وهي تحصد يوماً بعد يوم أنصاراً ومؤيدين في منطقة تُعدّ حصان طروادة الذي يخشاه النظام.

اسمها الكامل "الحركة من أجل تقرير المصير في منطقة القبائل"، وتصنّف نفسها كحركة أمازيغية، تأسست عام 2002، بينما كانت تتواصل داخل القبائل أعمال الشغب العنيفة التي عُرفت بأحداث القبائل أو الربيع الأمازيغي.

مؤسس هذه الحركة هو فرحات مهني المدعو فرحات إيمازيغن إيمولا، وهو مغنٍّ وشاعر وسياسي معارض جزائري، ينحدر من منطقة القبائل، وُلد في إيلولة أمالو في دائرة بوزغن ولاية تيزي، شرقي العاصمة الجزائر.

وقد تم تجريد فرحات مهني من الجنسية الجزائرية، بعد أن نصّب نفسه رئيساً لدولة القبائل، وصرّح مراراً أنه لا يعدّ نفسه جزائرياً، إذ طالب باستقلال منطقة القبائل عن الجمهورية الجزائرية، وأعلن عام 2010 من باريس، عن تشكيل حكومة قبائلية مؤقتة، كما أنشأ عملةً وجواز سفر خاصّين بمنطقة القبائل، لإنهاء ما يسمّيه ظلماً واحتقاراً وهيمنةً للحكومة الجزائرية على المنطقة وأبنائها.

الماك يكسر حاجز الخوف وينظم مظاهرة في قلب مدينة تيزي وزو

منذ تأسيسها مطلع الألفية الثانية، ظلّت تحركات هذه الحركة خارج الجزائر، وخاصةً في فرنسا التي تحتضن قياداتها، ورئيسها فرحات مهني. لكن جدار الخوف سقط في 20 أبريل 2021، وارتفع منسوب الجرأة لدى المئات من أنصارها داخل منطقة القبائل، حينما نظّموا مظاهرة في قلب مدينة تيزي وزو، حاملين علم الماك الانفصالي، بمناسبة الذكرى العشرين للربيع الأسود.

رغم موجة استنكار الجزائريين لمطلب الانفصال التي تدعو إليه الماك، يبدو الأمر مختلفاً داخل منطقة القبائل، فهناك عدد معتبر من السكان يرون أن ممارسات السلطة تدفع إلى مزيد من الالتفاف حول الحركة

وسرعان ما تحولت المسيرة إلى اعتداءات ضد عناصر الأمن في مشهد أدانه الجزائريون الذين قالوا بكلمة بواحدة: وحدة التراب خط أحمر.

للمرة الأولى … وزارة الدفاع تصف الماك بالحركة الإرهابية

من حركة مشبوهة إلى حركة ذات مرجعية إرهابية، مروراً بحركة تخريبية وصولاً إلى حركة إرهابية، تدرّج الخطاب الأمني لوزارة الدفاع الجزائرية التي وصفت "حركة الماك" بالإرهابية للمرة الأولى.

وقالت وزارة الدفاع في بيان نشر عبر موقعها الرسمي، أنه واستكمالاً للتحقيقات الأمنية المتعلقة بالعملية المنفّذة في أواخر شهر آذار/ مارس 2021، من قِبل المصالح الأمنية التابعة لوزارة الدفاع الوطني، والمتعلقة بتفكيك خلية إجرامية مكوّنة من منتسبين إلى الحركة الانفصالية "MAK"، متورطين في التخطيط لتنفيذ تفجيرات وأعمال إجرامية وسط مسيرات وتجمعات شعبية في عدة مناطق من الوطن، بالإضافة إلى حجز أسلحة حربية ومتفجرات كانت معدّة لتنفيذ مخططاتها الإجرامية، تم الكشف عن الإعداد لمؤامرة خطيرة تستهدف البلاد من طرف هذه الحركة.

"حركة الماك تشجع على الانفصال ومسؤولوها يستغلون ما يسمّى بقضية منطقة القبائل، ويلعبون على هذا الوتر الحساس لإشعال نار الفتنة بين أبناء الوطن الواحد عن طريق استثمار الأحداث أو التربّص لكل تحرك في الشارع"

عناصر إرهابية تتلقى تدريباً في الخارج

نشر التلفزيون العمومي الجزائري، مقابلة صحافية مع المدعو نور الدين حدار، وهو عضو سابق في حركة الماك الانفصالية، أدلى خلالها باعترافات خطيرة عن وجود مخطط إجرامي خبيث، يعتمد تنفيذ تفجيرات ومن ثم استغلال صور تلك العمليات في حملاتها المغرضة والهدّامة، كذريعة لاستجداء التدخل الخارجي في شؤون بلادنا الداخلية، وتورط في هذا المخطط عدد من العناصر المنتمية إلى الحركة تلقت تدريبات قتالية في الخارج وبتمويل ودعم من دول أجنبية.

عمل استخباراتي دام عاماً ونصف أطاح بشبكة إجرامية تقودها الماك

أكدت وزارة الدفاع أن عملية الكشف عن مخطط التفجيرات التي كانت حركة ماك تخطط لها، يعكس مدى يقظة المصالح الأمنية لوزارة الدفاع الوطني وقدرتها على إحباط المخططات الإجرامية، لا تزال متواصلة لتوقيف جميع المتورطين في هذه المجموعة التخريبية التي تستهدف زعزعة أمن واستقرار ووحدة البلاد.

وقال الخبير الأمني، أحمد ميزاب "إنّ المعلومات التي تم الحصول عليها بخصوص حركة ماك الانفصالية، وليدة عمل دام أكثر من سنة ونصف”.

وأوضح ميزاب أن حجم المعلومات الدقيقة والحساسة التي جمعتها المؤسسات الأمنية، يترجم جاهزيتها ويقظتها للتحديات الأمنية التي تحدق بالبلاد.

وأشار المتحدث، إلى أن الأجهزة الأمنية نفّذت عملاً استخباراتياً قوياً لإحباط المخطط الإجرامي للحركة الانفصالية التي لا تحمل عقيدة ولا مشروعاً بقدر ما تحمل أفكاراً للتخريب واستهداف مفهوم الدولة الوطنية.

"هي ليست حركة معارضة بل حركة تخريبية إرهابية متطرفة"

غالبية الجزائريين الساحقة ضد أهداف الحركة الانفصالية

يرى المعارضون لحركة الماك، وهم يمثلون الغالبية الساحقة من الجزائريين، أنها ليست كباقي الحركات أو المنظمات السياسية المعروفة، لأن مؤسسيها أظهروا حقداً دفيناً وتوجهاً عدائياً وعلنياً تجاه الجزائر دولةً وشعباً.

وصرّح الإعلامي فاروق خضراوي لرصيف22 في هذا الصدد "أن حركة الماك تحرّض على الانفصال، ومسؤوليها يستغلّون ما يسمى بقضية منطقة القبائل، ويلعبون على هذا الوتر الحساس لإشعال نار الفتنة بين أبناء الوطن الواحد عن طريق استثمار الأحداث والتربّص لكل تحرّك في الشارع".

ويختم خضراوي حديثه قائلاً: "هي ليست حركة معارضة بل حركة تخريبية إرهابية متطرفة".

الأفكار تواجه بالأفكار والتطرّف يزيد الاحتقان

رغم موجة استنكار الجزائريين لمطلب الانفصال الذي تدعو إليه الماك، يبدو الأمر مختلفاً في منطقة القبائل، فهناك عدد معتبر من السكان يرون أن ممارسات السلطة تدفع إلى مزيد من الالتفاف حول الحركة التي تأسست في خضمّ أحداث مأساوية قبل عقدين من الزمن.

إسماعيل بوفليح، أحد النشطاء الذي يدافعون بشدّة عن الهوية الأمازيغية قال لرصيف22: "ظهرت حركة الانفصال في منطقة القبائل، بسبب أحداث الربيع الأسود عام 2001 بعد مقتل 127 شاباً برصاص قوات الأمن الجزائرية، من دون أن تقدّم المناطق الأخرى من الجزائر أي دعم أو تضامن مع أهالي القبائل في محنتهم، وبالعكس فقد شُنّت ضدّهم حملة تخوين وتشكيك وإقصاء وتهميش".

ويستطرد بوفليح قائلاً: "أنا مع حرية التفكير حتى وإن كان المشروع يهدف الى التقسيم، ولا يتناسب مع تفكير غالبية الجزائريين. ففي المقابل أرى أن الأفكار تُواجه بأفكار أقوى منها من دون سبّ وتخوين، وتصنيف الحركة كحركة إرهابية يزيد الطين بلّة، ولا يخدم أي طرف".

خطوة خطوة، تسير السلطة الجزائرية في اتجاه واحد، وهو تهيئة الرأي العام المحلي والدولي، لقرار تصنيف الماك حركةً إرهابية، ثم تنتقل بعدها إلى الخطوات التالية التي تحضر لها منذ قرابة عام ونصف

كل الطرق تؤدي إلى… تصنيف الماك حركة إرهابية

حتى أشدّ المعارضين للسلطة، كالناشط السياسي كريم طابو، الذي يعد واحداً من أبرز وجوه الحراك الشعبي المطالب بتغيير النظام ورحيل السلطة السياسية الحاكمة، طالب بحلّ حركة الماك الانفصالية، إلى جانب حركة رشاد الإسلامية، وذلك من أجل الجزائر، ولما يمثلانه من خطر على سلامة الأمن القومي، كما قال في تصريح صحافي نشره عبر صفحته الرسمية.

كما أن حزب جبهة القوى الاشتراكية، أكبر وأقدم حزب سياسي معارض، والذي يعدّ منطقة القبائل قاعدة نضالية له، وضع خلافاته الدائمة مع السلطة منذ الاستقلال جانباً (آخرها رفض المشاركة في الانتخابات التشريعية)، وتوعّد في موقف صريح ومباشر بالردّ في الميدان ضد من يريد تقسيم الجزائر، وذلك على لسان أمينه الأول يوسف أوشيش الذي قال خلال مداخلته في الدورة العادية للمجلس الوطني بتاريخ 24 نيسان/ أبريل 2021:

" إن هذه الأرض رُسمت حدودها متراً متراً وحُرّرت أراضيها شبراً شبراً بسيول من دماء الشهداء الذين بذلتهم كل مناطق الوطن، وعليه فإن الأفافاس لن يقف مكتوف اليدين تجاه من يسعى إلى تفتيت هذه الأرض المقدسة تحت أي مسمى، كما لن يقف موقف المتفرج تجاه مثيري النزعات والمتلاعبين بالحساسيات والمتخذين منها سجلاً تجارياً لأغراض انتخابية أو لأغراض شخصية ضيّقة".

خطوة خطوة، تسير السلطة الجزائرية في اتّجاه واحد، وهو تهيئة الرأي العام المحلي والدولي لقرار تنصيف حركة الماك حركةً إرهابية، ثم تنتقل بعدها إلى الخطوات التالية التي تحضر لها منذ قرابة عام ونصف، أي منذ التصريح الشهير لقائد الأركان الراحل الفريق أحمد قايد صالح، الذي منع فيه رفع أي راية غير الراية الوطنية في المظاهرات الشعبية.

وحسب الكثير من الخبراء الأمنيين، ستطالب السلطة بعد الانتهاء من عملية تصنيف حركة الماك تنظيماً إرهابياً، بتسليم قياداتها المتواجدين في فرنسا. فهل سينجح هذا في إنهاء الحركة والقضاء على فكرتها، أم أننا سنشهد مزيداً من سكب البنزين على نار الغضب الأمازيغي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard