يوسف الصديق... الأسطورة اجتاحت شخصية محمد ولكنها لم تأكله

السبت 22 مايو 202110:12 ص

يعدّ الفيلسوف التونسي يوسف الصديق أحد أبرز المفكرين الذين كرّسوا سنوات طويلة من حياتهم للدخول إلى المناطق المحظورة خاصة في المنطقة العربية الإسلامية. ورغم هجمات حراس الدين والممسكين بمفاتيح الجنة والنار، التي بلغت حد التكفير، إلا أنه لم يتوقف عن الحثّ على التفكير وإخضاع كل شيء إلى سلطة العقل، طرح الأسئلة "الخطيرة" المؤجلة وفتح الأبواب الموصدة بسبب سلطة الطقوس.

مشوار طويل يتجاوز الربع قرن، عمل فيه الصديق وفق نسق معرفي متكامل، عكسته دراساته ومؤلفاته وترجماته العديدة التي كشفت بوضوح كيف حاول الدفع نحو إعادة قراءة وفهم القرآن، وفق طرق ومناهج تغوص بعمق أكبر في معانيه والتخلّص من سلطة التلقين. التقينا الصديق في منزله وحاولنا إثارة تساؤلاته الفلسفية فكان لنا هذا الحوار.

في إطار تساؤلاتك الفلسفية لماذا تعود دائماً  للنصوص اليونانية في مقارباتك التي تجريها مع النص المؤسّس وأعني القرآن؟

لأنني تعجّبت لمسألة ورود الجهات الأربع في القرآن كالآتي، غرب الكون مذكور من خلال مصر، الجنوب مع الحبشة وأصحاب الفيل، شرق الكون مع بابل في حين يحضر الجزء الشمالي في شكل كلمات مستقاة بحذافيرها دون تصريف من اللغة اليونانية. مثلاً زخرف وهي كلمة يونانية تعني الحياة المصورة، وهي لا توجد في النصوص العربية التي سبقت القرآن شعراً ونثراً، أيضاً سماهم sémantique بمعنى العلامة.

وبالعودة إلى أي قاموس بسيط للغة اليونانية ستجدون كلمة سما، أيضاً كلمة كوثر مأخوذة من عملية التطهير التي كان يقوم بها رهبان المعابد في اليونان المسماة باليونانية "كاثرسيس"، أيضاً أبابيل والتي تعني الرماية من فوق، وهي مأخوذة عن المعنى اليوناني لما تفعله السفينة عندما ترمي بالمنجنيق، فيصعد إلى فوق وينزل صوب الهدف، وغيرها من الأمثلة الكثيرة التي أستطيع القول إنها بمثابة القاموس.

يعدّ الفيلسوف التونسي يوسف الصديق أحد أبرز المفكرين الذين كرّسوا سنوات طويلة من حياتهم للدخول إلى المناطق المحظورة. ورغم هجمات حراس الدين التي بلغت حد التكفير، إلا أنه لم يتوقف عن الحثّ على التفكير وإخضاع كل شيء إلى سلطة العقل

وقد غابت الإشارة إلى الحضور اليوناني في القرآن عن كتب التفاسير. ولكن الأهم من ذلك هو أن اليونانيين قد استقوا المعرفة الفكرية الميتافيزيقية من المنطق فقط، بعيداً عن أي إله وأي رسول. وكأن القرآن بهذا يحثّنا على استنتاج الألوهية وتبعاتها من المنطق فقط، وليس بإعادة ما قال لك نبي أو نص إلهي، بل يحثّنا، وقبل كل شيء، على ضرورة اعتماد المنطق والعقل الذي مُنح للإنسان للوصول للحقيقة الخفية.

وفي سياق الفلسفة اليونانية أيضاً، قلت هناك أفلاطونية عميقة في القرآن، لو تشرح لنا كيف؟

نعم، فعندما تجد بعض الجمل في القرآن متطابقة بوضوح بما ورد لدى أفلاطون لا بد من الإقرار بذلك، وألا نرتبك ونخفي هذه الحقيقة وما يترتب عنها من استنتاجات.

مثلاً الآية "ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية"، هي نفسها في الكتاب العاشر لأفلاطون وردت في صيغة "عرش الألوهية يقام على ثمانية". والرقم ثمانية أعطى كلمة ثمن وتثمين للعربية التي كانت تعتمد قبل ذلك السعر وليس الثمن، كما أن إله الفينيقيين في قرطاج أسمه "أشمون" والذي يعني ثمانية، ثم نجد أن سورة" النور" تتحدث عن وجود الإله وتحدد علاقة الإنسان به تتضمن 64 آية أي حاصل ضرب ثمانية في ثمانية، وهذه هي الأرقام التي اعتمدها أفلاطون في الإيفاء بفلسفته.

أيضاً هناك جملة مخيفة بالنسبة للمسلمين في فلسفة ما قبل سقراط، وجاءت على لسان المرأة التي تمثل الحقيقة في أحد النصوص الفلسفية: "لنخرج من عالم الظن الذي يصير فيه الناس صماً عمياً بكماً فهم لا يرجعون"، وهي الجملة ذاتها الموجودة في القرآن، كما أن عالم الظن مذكور هو الآخر في القرآن وتحديداً في سورة سبأ.

سورة "الإخلاص" وردت هي الأخرى في فلسفة ما قبل سقراط على النحو التالي: "قف وقل إنه أحد صمد، لم يلد ولم يولد". كل هذا في القرن السادس قبل الميلاد أي 12 قرناً قبل نزول القرآن. وهذا لا يعني أن القرآن قد سرق أفكاراً من اليونانيين، ولكنه يحيلنا على أمر هام ينساه الجميع، وهو أن الإعجاز القرآني ليس في البلاغة وإنما الإلمام بكل معارف العصر في كتاب صغير عبر الوحي الذي نزل إلى محمد.

أشرت للوحي منذ قليل والحال أنك قلت في بعض التصريحات إن القرآن عمل بشري، ألا ترى أن في ذلك بعض التناقض؟

نعم هناك تناقض واضح، ولكن لأصحح، أنا لا أرى أن الوحي قد مدّ الإنسان بكلمات أو بنص مسموع أو مكتوب من طرف الموجود المتسامي المسمى الإله، أنا أعتقد أن الوحي يحدث بطريقة تولد فيها أفكاراً لدى المتلقي وهو النبي، سواء كان عيسى، موسى، إبراهيم أو محمد، وتحدث إرهاصة تجعله يقول بلغة قومه ما أنتجت هذه الإرهاصة الفكرية.

وهذا ما ذهبت إليه المعتزلة أيضاً وحوكمت لأجله عندما قالت إن الأنبياء، ومن بينهم محمد، يتصل بإرهاص معين من الإله بتركيبة معينة للذهن والجسد، ومن هنا ينبس بكلمات لا تكون إلا نطقاً عن ألوهية. ولذلك نجد كلمة الوحي تنطبق على أشياء مختلفة أخرى، على غرار ما جاء لأم موسى: "وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه"، رغم أنها ليست بنبية ومع ذلك أوحى إليها الله لترضع ابنها، أيضاً الحشرات "وأوحينا للنحل أن اتخذي من الجبال مساكنا"، كذلك أوحي للأرض التي تطيع إرهاصات الإله وتحدث زلزالاً أو تسونامي أو غيره.

المفكّر التونسي يوسف الصديق: قبل أن يوجد المصحف وبعده بكثير لم يكن هناك تنقيط للحروف، وبالتالي فإن ما حدث هو اجتهاد من أشخاص خطّائين مثلنا تماماً. ولهذا يجوز التساؤل حول هذه المسألة

بمعنى أن لله، وبلغة إلهية لا نعرفها، تقول للأشياء كن فيكون يُحدث أشياء كثيرة، أما اللغات العربية أو الآرامية أو السريانية وغيرها، فهي لغة الأنبياء وأهاليهم التي عبرت عن الإرهاصة التي حدثت. وهذا ما أقصد بقولي إن القرآن عمل بشري.

هل تمّ تحريف القرآن وأنت الذي تحدث عن حرق عثمان بن عفان لنسخ أخرى من القرآن؟

لم أقل إن القرآن محرف، ولكن تساءلت عن الفرق بين تسلسل النص القرآني خارجاً من عند الرسول محمد وواقع المصحف فيما بعد، وقلت إن هناك فروقات نبّه إليها الصحابة في زمانهم.

إذا تعرّض مصحف عثمان بن عفان للنقد من أم المؤمنين عائشة التي كانت تقول: "كان ذلك بعد أن غيّر وبدّل عثمان في المصحف"، فلماذا نمتنع الآن بعد هذه القرون عن مجرد التساؤل؟

فقبل أن يوجد المصحف وبعده بكثير لم يكن هناك تنقيط للحروف، وبالتالي فإن ما حدث هو اجتهاد من أشخاص خطائين مثلنا تماماً، حتى وإن كانوا قريبين من الرسول. ولهذا يجوز التساؤل حول هذه المسألة، لا سيما إذا كنا نعرف أن هناك بعض الكلمات تكتب هي نفسها دون تنقيط.

أيضاً مسألة نهاية الجملة بدورها محل تساؤل في نظري، وقد أستحضر هنا ما ذهب إليه الزمخشري في آية "ولا يعلم تأويله إلا الله"، عندما أشار إلى أن نهاية الجملة بالمصحف ما كان لا بد أن تنتهي هنا، لأنه لو كان الله قد حصر التأويل لديه لما كان قد ذكر الراسخين في العلم، وبالتالي فإن الآية كان لا بد أن تتواصل وتكون بهذه الصيغة "ولا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم"، أما عامة الناس فيقولون: آمنا. إنها أمور لا بد أن نتساءل عنها كي نفرق بين ما كان عليه القرآن قبل المصحف وما أصبح عليه بعد المصحف. وأنا أدعو الجميع، وخاصة علماء الدين في كل مكان، أن يسألوا هذا السؤال لأهميته وواقعيته. وإذا كان عثمان بن عفان قد تعرّض للنقد لدى وضعه مؤسسة المصحف من قبل الصحابة الذين أقروا أن الأخير لم يكن محايداً في إقامة المصحف، فلماذا نمتنع الآن بعد هذه القرون عن مجرد التساؤل؟ فعبد الله بن مسعود انتقد صراحة إقامة المصحف، والسيدة عائشة التي كانت تقول "كان ذلك بعد أن غيّر وبدّل عثمان في المصحف"، وهذا موجود ومدوّن في كتب التراث الإسلامي المعترف بها.

وما أهمية هذا التساؤل اليوم؟

 وأنا أعيد إثارة هذه المسألة وأشدد عليها في ظل الهجومات التي تطال الإسلام وجمود المسلمين، وأريد أن أقول للإسلام: تشجّع وأجب على الأسئلة التي تطرح من عند المستشرقين ومن الأعداء الموجودين حولك، ولا بد أن تكون لديك الشجاعة لتجيب. وقد بدأت بعض الأسماء في التساؤل والإجابة مثل محمد شحرور، محمد إقبال، هشام جعيط، عبد المجيد الشرفي، محمد عابد الجابري، مالك عبد النبي وغيرهم.  

ما مدى جاهزية المسلمين لهذه الأسئلة وهذه القراءات؟

أنا لا أطالب الناس العاديين بتبني هذا التساؤل لأنه لا بد من الاعتراف أنها مسألة اختصاص وغرف أكاديمية وغرف تفكير. لكن الحيرة أن هذه الغرف التي لم يكن يرتادها سابقاً إلا القليل تغيّرت، وأصبحت كل الناس اليوم قابلة، بما يتوفر من الوسائل الجديدة، لدخول المعرفة.

المفكر التونسي يوسف الصديق: التنظيمات الإرهابية هي نتيجة الاكتفاء بالتصوّر الطقوسي والعبادي البليد والمتحجّر للنص القرآني، ولاختزال النص الديني في الدعوة إلى الموت وتخطى الدنيا

ولذلك لا بد أن نتفق وأن تكون لدينا الجرأة للتكيف مع هذا الوضع بألا ننسب لبعضنا البعض نوايا سيئة، كتهم محاولة تقويض الإسلام والانسلاخ عنه التي وجّهها إليّ الراحلان حسن الغضباني ومحمد الطالبي، والحال أنني أنتمي لهذا الدين بمسجده ومحرابه، وأريد الإعلاء من شأنه. كما أن إقدام مثقف ما على تقويض دين له ثقافته وإرثه الكبيرين وهندسته المعمارية ضرب من الجنون والاختلال وأنا لست كذلك.

قلت كل الأنبياء أكلتهم الأسطورة إلا محمد، لماذا؟

الأسطورة اجتاحت شخصية محمد ولكنها لم تأكله، لأن القرآن تصدّى لذلك.

ولكن رغم ذلك أحيط بنوع من الطهورية المفتعلة أو المعجزات التي لم تكن له، على غرار ما قيل لنا في السير عن انشقاق القمر له وأن الحجارة تكلّمه عندما كان يمر، وأنه أنزل ماء غزيراً من أصابعه ليروي صحابته في صلح الحديبية، إلا أن القرآن كذّب كل ذلك، وأكد لنا أن محمداً شخص لا معجزة له إلا القرآن. وهناك آيات تؤكد التخلّي مع محمد عن المعجزات التي كان ترسل سابقاً للتخويف، وكأن الله في هذه الحقبة تخلى عن العقاب الفوري للكفار والعاصين وأصبح يؤجل ذلك ليوم الحساب.

كيف تقيم الظهور الكبير للتنظيمات الإرهابية ونشاطها القوي خاصة في العقدين الأخيرين بالدول العربية؟ 

هذه التنظيمات الإرهابية هي نتيجة الاكتفاء بالتصوّر الطقوسي والعبادي البليد والمتحجّر للنص القرآني، ولاختزال النص الديني في الدعوة إلى الموت وتخطى الدنيا. الإرهاب نتيجة لصيدلة لعبت بعقول الناس وأخرجتهم من الدنيا لكي تقيمهم في اللحظة التي ينفّذون فيها عملية إرهابية، وفي آخرة لم يصلوا إليها ويريدون أن يصلوا إليها، وهذا مؤسف وخطير جداً. 

رحلت إلى فرنسا في الثمانينيات بعد أن اكتشفت أن هناك مداً دينياً جعلك لا تستطيع التفكير، لكنك عدت بعد الثورة وقد أمسك الإسلاميون الحكم في تونس وبقيت. لماذا فعلت ذلك؟

كانت عودتي تحدياً، وهي أن أمنع الإسلام الديني من التغلغل في السياسة، ولكن فشلت. كان المد أقوى مني. كنت دونكيشوتاً ادعيت أنني سأنجح في مهمتي، ولكن استنتجت الآن أنني لا أقوى وأن الأفضل لي أن أبقى صوتاً فكرياً آمل أن يذكره المجتمع التونسي والإسلامي لأجيال قادمة كبقية المفكرين.

أخطأت عندما اعتقدت أنه ربما يكون لي تأثير مباشر في الحياة اليومية، أخطأت بالترشح للمجلس التأسيسي، وغاب عني أن لا حظ لي في النجاح في هذه المغامرة دون وجود حزب يقف ورائي ولا أموال تضخّ لي. أخطأت بظني أنني سأكون فاعلاً مباشراً فورياً في الحياة السياسية، ونسيت أن المفكر عموماً لا يدرك الجميع أهميته إلا عندما تتلبّد الظلمات، ونحن الآن بتونس في ليل كبير، ولكن لا بد أن نتهيأ للفجر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard