"قاطعوا السترات الصفراء"... مغاربة يشنون حملة إلكترونية ضد حرّاس السيارات

الأحد 6 يونيو 202102:47 م

لم يكن ياسين بنجدّي، الذي يبلغ من العمر أربعين عاماً، يتوقع أن يصبح والعديد من زملائه الذين يمتهنون حراسة مواقف السيارات في المغرب، تحت الأضواء، وموضوع انتقادات واسعة طفت على سطح صفحات مواقع التواصل الاجتماعي المغربية، ووصل صداها إلى البرلمان، ما دفع الشرطة في العديد من المدن إلى التحرك لطردهم.

حرّاس السيارات في قلب إعصار غضب حملة شعبية

يعمل ياسين حارساً لموقف خاص لرَكن السيارات، استأجره من شركة خاصة لقاء 60 درهماً (ستة دولارات) عن كل يوم، وهي الشركة التي فازت بمناقصة لاستغلال مواقف الدراجات، والسيارات، والشاحنات التابعة لجماعة "بلديّة" في مدينة بني ملال (وسط المغرب)، وقد اطّلع رصيف22 على عقد الإيجار. لكن غياب القانون الذي يؤطّر عمل هذه الشريحة الاجتماعية من جهة، ومغالاة بعض حرّاس السيارات في فرض الأسعار، واستيلاءهم على الملك العام من جهة ثانية، دفعت إلى انتفاضة على مواقع التواصل الاجتماعي لإحساس كثيرين بأنهم "يُسرَقون" في وضح النهار.

حملة المقاطعة من الفيسبوك

ظهرت حملة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، كانت أكثرها تأثيراً صفحة باسم "ضد مُولْ جيلي أصفر" (قاطع صاحب السترة الصفراء)، التي تجاوز عدد أعضائها 130 ألف شخص، وينشرون يومياً وقائع، وأحداثاً، وقصصاً، أبطالها حراس السيارات الذين يبتزون السائقين، ويرفعون سعر تذكرة الموقف. من بين هؤلاء شخص كتب "دخلت إلى متجر لشراء الخبز بدرهم، وحين خرجت طلب مني الحارس درهمين"، وثانٍ يقول إن حارساً حاول طرده بالقوة من موقف عام لأنه رفض أن يدفع له، وثالث يقول إن الحارس لم "يظهر" إلاّ حين همّ بالرحيل. تختلف القصص، لكنها تؤكد على أن المغاربة تعبوا من دفع مبالغ شهرية باهظة لرجال يحتلّون الأملاك العمومية، ويكفيهم أن يرتدوا سترة صفراء لادّعاء أن المكان لهم.

يشنّ المغاربة حملة إلكترونية على حراس مواقف السيارات، ويعدّونهم "لصوصاً"، ومحتالين، فما هي حقيقة "العسّاس"؟

وتقدّم المجموعة نفسها على أنها تحارب ظاهرة ما يصطلح على تسميته بـ"العَسَّاس"، لأنها مهنة غير قانونية، و"أقرب إلى تأجير شوارعنا، أو التسوّل تحت غطاء مهنة". وتضيف إدارة الصفحة أنها تسعى إلى أن تصبح هذه الظاهرة "قانونية ومنظّمة، أو أن يتم تحرير الشارع العام"، مضيفة: "هدفنا هو شوارع خالية، حرّة، وملك للمواطن المغربي المساهم فيها بدفع ضرائبه".

‎وتعدّ إدارة الصفحة بصريح العبارة كل المنشورات والتعليقات المتعاطفة، أو المدافعة عن تلك الفئة، مخالفة لقوانين المجموعة وتوجهاتها، ولذلك تُحذف، ويُحظَر أصحابها لمدة سبعة أيام.

حقد طبقي؟

في حديثه إلى رصيف22، قال مدير موقع "شمس بوست" عبد المجيد أمياي، تعليقاً على هذه الحملة الشعبية التي وُجهت ضد حراس مواقف السيارات إنها: "حملة تنم في الحقيقة عن تعاطٍ سطحي اختزالي لإشكاليات أعمق، وتكشف أيضاً وفق ما هو ثابت من عشرات التعليقات لأصحابها، أن هناك حقداً طبقياً دفيناً تجاه طبقة واسعة من المواطنين المغاربة"، وأكد أن "لا أحد ينكر التصرفات غير المقبولة التي تصدر عن عدد من الحراس الذين يستولون في كثير من الأحيان على محاور طرق بعينها، ويمارسون نشاطاً غير قانوني، لكن هل هذا هو الإشكال كله؟ هل يكمن أصل المشكلة في هذه التصرفات؟".

ويضيف أمياي أن "محدودية الفكرة تظهر إن عكسناها على واقع القطاع. فالحقيقة تتجلى في كون الشركات الخاصة تعمل في الكثير من الأحيان بمنطق "المافيا"، إذ تلجأ إلى تأجير الشوارع للأفراد، وهو كراء أشبه "بالكراء من الباطن"، وتُلزمهم بدفع "الإتاوة" يومياً، وهو ما يعني إدخال هؤلاء في دوامة من الصراع مع الزمن، والمواطنين، لتحصيل المبلغ المترتب عليهم، وضمان بعض الربح. وكل هذا يتم في ظل غياب تام لأي جهاز إداري تابع للجماعات (البلديّات) عليه مراقبة ما يجري في هذه الشوارع".

انتفاضة المغاربة ضد حراس مواقف السيارات دفعت الأمن إلى طرد "العسَّاسين" في مدن عدة، وأعادت طرح الإشكالية القانونية لهذه الفئة الاجتماعية.

وحمّل أمياي مسؤولية كل هذه الفوضى للجماعات التي أكد أن مسؤوليتها "ثابتة ثبوتاً كاملاً، فأغلبها لا يراقب تنفيذ دفتر التحملات، بما يضمن معرفة الأماكن المخصصة لركن السيارات، والتسعيرة المفروضة ليلاً ونهاراً، والأماكن المجانية، وغيرها من التدابير الرامية إلى التقنين. كان من الممكن أن تكون هذه الحملة مقبولة بالنسبة إليّ لو استحضرت كل الفاعلين في هذه الفوضى، بدءاً بالجماعات ومسؤوليها، مروراً بالسلطات والشركات، وصولاً إلى هؤلاء الحراس، عوض تحميل المسؤولية كلها لهذه الفئة التي ليست كلها، كما يحاول بعضهم تصويرها، طامعة في الربح السّهل، لكنهم أيضاً أشخاص محترمون يعيلون أسراً بأكملها".

مسؤولية الجماعات التي تديرها الأحزاب المنتخبة، ووزارة الداخلية، بدت واضحة في هذه القضية التي دفعت رؤساء جماعات ومدن كبرى في المغرب، كالرباط وأكادير، إلى الإعلان بأنهم لم يوقّعوا أي اتفاقيات مع أي شركات، داعين إلى تحرك الشرطة في الكثير من المدن لطرد الحراس من المواقف.

وقال مسؤولو هذه المدن إن بعض الشوارع التي كانت تُستغل من قِبل الحراس لأسابيع قليلة، هي في واقع الأمر مواقف مجانية، أو أن سعر تعرفة ركن السيارة فيها لا يتجاوز الدرهمين، وفق "الضرائب المحلية" التي يحددها المنتخبون.

لكنها معطيات لا نراها على أرض الواقع، خاصةً في المدن الكبرى حيث يفرض الحراس أسعاراً تصل إلى عشرة دراهم (1,1 دولار)، مع العلم أن المدخول الشهري المتوسط لعائلة مغربية يبلغ زهاء 582 دولاراً، بحسب "المندوبية السامية للتخطيط". ويلجأ بعض الحراس، ومنهم أصحاب سوابق عدلية، إلى الشتائم والتهديد بالاعتداء الجسدي في حق من يرفض الدفع لهم.

هذا "التخويف" الذي يجعل "إتاوة حارس السيارة" ثقباً واسعاً في جيوب الكثير من العائلات التي تشتري سيارات لا للرفاهية، بل لسوء خدمات النقل العمومي، أدى إلى "انتفاضة" المواطنين. ووصل الأمر بأعضاء المجموعة إلى التهديد بمقاطعة الشركات، والمتاجر، ومحال السوبر ماركت كلها، التي تسمح للحراس بأن يستغلوا المواقف، أو الشوارع القريبة منها.

في المقابل، يقول الكثير من حرّاس السيارات إن المسؤولية لا تقع على عاتقهم، بل على عاتق شركات تتعاقد مع بعض مجالس الجماعات، وتفرض عليهم مبلغ تأجير باهظاً.

وبين المواطنين والشركات التي تعمل بضبابية كبيرة، يعيش الحراس حياة صعبة، تجعل البعض يُشيْطنهم على الرغم من أن غالبيتهم بسطاء بالكاد يملكون ما يسدّ الرمق.

ويرى عضو نادي القضاة في المغرب يوسف سلموني زرهوني، في مقال له، أن فرض مبلغ مالي لركن السيارة في الشارع العام، يُعدُّ عملاً غير مشروع لغياب أي أساس قانوني يمكن الاستناد إليه لتبريره، بما أن فرض تكاليف مالية جديدة على المواطنين لا يمكن أن يكون مشروعاً إلا بصدور نص قانوني يجيزه. ويضيف: "لا تصحّ المادة 94 من القانون التنظيمي رقم 113.14 أساساً لإضفاء المشروعية عليه. فصلاحية رئيس المجلس الجماعي في تحديد سعر الرسوم، والضرائب، ومختلف الحقوق، تفرض أن يتم الحصول عليها لفائدة الجماعة بموجب القوانين والأنظمة المعمول بها".

ويضيف زرهوني: "لا صلاحية للجماعة في النص على كلفة مالية جديدة غير منصوص عليها في القوانين والأنظمة. وبالنظر إلى غياب هذا النص القانوني، فإن فرض مثل هذه الرسوم يعد فعلاً مخالفاً للقانون".

غياب القانون يُعرِّض هذه الفئة التي يعيل معظمها عائلات، ويحترمون المواطنين، للكثير من التضييق كما هو حال ياسين بنجدي.

الحارس واحدٌ منّا

يعيل ياسين بنجدي، أسرة من ثلاثة أطفال وزوجة. تدرس ابنته الكبرى ضحى في المدرسة الابتدائية، على النقيض منه، هو الذي لم يكن موفقاً كثيراً خلال مشواره الدراسي، وترك المدرسة يافعاً. قال لرصيف22، وهو يتحدث تحت شمس حارقة، وعيناه تراقبان السيارات المركونة في الشارع: "لم أحصل على شهادة مدرسية. عملت في مجالات عدّة قبل أن أصبح حارساً لموقف السيارات منذ ثلاث سنوات، وأعيل من هذا العمل أسرة كاملة. غزت مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً حملات لمقاطعة حراس السيارات. لا أطلب من أولئك الذين يكنّون لنا كل هذا العداء، سوى أن ينظروا إلى الموضوع من زاوية أوسع، ولو قليلاً".

أنا مواطن بسيط، وبالكاد أعيل أبنائي من مهنة حراسة السيارات. فلماذا يهاجمني الآلاف من المغاربة؟

ويضيف: "حارس السيارات ليس جوهر المشكلة، هذه مسؤولية الجهات المختصة التي من واجبها أن تنظّم المجال، وتمنحنا شرعية التواجد مقابل سعر موحّد يسمح لنا بممارسة المهنة بشرف وكرامة، ويضمن لنا أيضاً أهلية الممارسة لحفظ ماء وجوهنا أمام بعض الزبائن الذين لا يتوانون عن توجيه السباب والشتائم لنا من دون وجه حق. أنا لا أسرق مال أحد، والمقابل الزهيد الذي يدفعه لي المواطنون، أتقاسمه مع الشركة التي أكتري منها المكان، وأدفع منه فواتير الماء، والكهرباء، ومصاريف المدرسة، وأعيل به أطفالي الثلاثة. يقضي ياسين 12 ساعة يومياً في العمل، تبدأ من التاسعة صباحاً، وتنتهي عند التاسعة ليلاً: "أقابل خلالها أنواعاً مختلفة من الناس. الطيب، والعطوف، والشحيح، وقليل الأدب، وغيرهم. أنواع مختلفة من البشر تمر بي يومياً، وتذكّرني أن أحمد الله على نعمة الصبر التي مَنَّ بها علي، وعلى الخُلق الحسن الذي رباني وحباني به والداي"، يقول الرجل بمرارة قبل أن يختم حديثه: "ما إن يجد الناس من هو أضعف منهم، حتى يمارسوا عليه جبروتهم. لكني أنظر إلى هذه الحملة بعين الرضا والتفاؤل، وأتمنى أن تكون سبباً في إيقاظ النقاش، وإقرار قوانين تنظم هذا المجال. نحن مستعدون دوماً لما فيه خير لهذه البلاد. نحن أبناؤها، ونضع دوماً هذا الأمر نصب أعيننا".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard