"ميركاتو الانتخابات"... أحزاب مغربية تتهافت على المرشحين الأوفر حظاً

الخميس 3 يونيو 202102:40 م

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية في المغرب، والتي سيتم تنظيمها يوم الأربعاء 23 حزيران/ يونيو 2021، طفت فوق سطح المشهد السياسي مجدداً ظاهرة تهافت الأحزاب على استقطاب مرشحين حظوظهم وافرة للفوز بالمقعد البرلماني في دوائرهم. ظاهرة "الترحال السياسي" التي توصف أيضاً بـ"الميركاتو الانتخابي"، تضع مصداقية الأحزاب في الميزان، إذ لا القناعات، ولا الانتماءات السياسية هي الفيصل في الاختيار، بل البراغماتية وحساب المقاعد في مجلس النواب.

"سرقة" المرشّحين الحزبيين هي التي تجعل أحزابا مغربية تتصدر انتخابات البرلمان. فما هي ظاهرة "الترحال السياسي" ؟

يمكن القول إن ظاهرة الترحال السياسي في المغرب تخلق فوضى في المشهد السياسي، إذ إنه خلال انتخابات 2016 التي تصدّر خلالها حزب "العدالة والتنمية" نتائج صناديق الاقتراع، قام حزب "الأصالة والمعاصرة"، كونه أقوى حزب معارض آنذاك، بعملية استقطاب أسماء سياسية من أحزاب أخرى في الأشهر السابقة قبل الانتخابات لمواجهة الحزب الإسلامي. لجأ "الأصالة والمعاصرة" إلى "نجوم" حزب "التجمع الوطني للأحرار"، الذي عمد بدوره للّجوء إلى الأسلوب نفسه باستقطاب بعض أعضاء الأحزاب السياسية من مختلف المناطق المغربية في سنة 2020، ليراهن عليهم في الانتخابات المقبلة، غير أنه عمد إلى عدم كشف هوية المنتخبين والبرلمانيين والسياسيين الذين غيّروا لونهم السياسي لصالحه.

تضرب هذه الظاهرة مصداقية العملية الانتخابية برمتها، ونزاهتها، كما تُعزّز العزوف السياسي لدى عدد كبير من الناخبين. وكانت قبل دستور 2011 أسوأ، إذ كان من حق النائب أن يغيّر "قميص" الحزب خلال ولايته. لكن الدستور، والقانون التنظيمي للأحزاب السياسية، منعا "الترحال" أثناء فترة الانتداب البرلماني، فظهرت خلال الولايتين التشريعيتين طريقة جديدة في الترحال من حزب إلى آخر: يُقدم عدد من النواب البرلمانيين على تقديم استقالاتهم من مجلس النواب قبل فترة قصيرة من نهاية الولاية البرلمانية، للترشح باسم أحزاب أخرى في الانتخابات التشريعية التي تليها.

كائنات "حربائية"

أكدت النائبة البرلمانية عن حزب الأصالة والمعاصرة ابتسام عزاوي، في تصريح لرصيف22 أن الفصل 61 من الدستور واضح وحاسم في هذا الموضوع، وأنه "لم يعد هناك شيء اسمه الترحال السياسي في المغرب".

وينص الفصل 61 من دستور المملكة المغربية على أنه "يُجرّد من صفة عضو في أحد المجلسين، كل من تخلى عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه للانتخابات، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها"؛ وهذا المبدأ كُرّس في بقية القوانين التنظيمية المتعلقة بالانتخابات، سواء عند الجماعات الترابية، أو في الغرف المهنية.

وأضافت عزاوي في السياق ذاته أن "المقصود هنا هو اختيار بعض المنتخبين، سواء في البرلمان أو في المجالس المحلية، الترشح مع أحزاب أخرى بعد نهاية الولاية الحالية، وهذا من حقهم"، مشيرة إلى أن "حق الانخراط أو الانسحاب من حزب معين، هو قرار شخصي يُحترم، ولا يمكن إجبار شخص يريد أن يمارس العمل السياسي على البقاء في حزب معين طوال حياته".

ظاهرة "الترحال السياسي" في المغرب تضع مصداقية الأحزاب في الميزان، إذ لا القناعات، ولا الانتماءات السياسية هي الفيصل في الاختيار، بل البراغماتية السياسية بحسب البعض والانتهازية بحسب آخرين

وبالاستناد إلى الفصل الدستوري (61)، كانت المحكمة الدستورية قد أصدرت عدداً من الأحكام التي قضت بتجريد عدد من النواب البرلمانيين من مقاعدهم، عند ثبوت تغيير انتمائهم السياسي الذي ترشحوا وفقه لانتخابات أعضاء مجلس النواب، وصرّحت بعد إصدارها الحكم عن شغور المقعد، وتنظيم انتخابات جزئية في تلك الدوائر.

لكن ما الذي سيدفع شخصاً إلى الانسحاب من حزب، والترشح باسم آخر؟ تجيب عزاوي قائلةً: "هناك مستويان. إذ توجد الحالات التي تُسمى بالكائنات الانتخابية، والتي همها الوحيد ضمان موطئ قدم داخل المؤسسات، ولا يعنيها اللون السياسي بقدر ما تعنيها "التزكية" (الترشيح باسم الحزب). لكن هناك حالات أخرى أكاد أجزم أنها الغالبة، وتتمثل في هجرة الكفاءات من أحزاب معينة نحو أخرى بحثاً عن الفعل السياسي النظيف".

وقالت عزاوي في حديثها إن هناك عدداً من الاختلالات العميقة التي تعرفها بعض الأحزاب من قبيل: "الرأي الأوحد، وانعدام الديمقراطية، وشبهات الفساد، ما يدفع بالكفاءات النظيفة إلى البحث عن فضاءات سياسية حزبية أخرى، والترشح باسمها للمساهمة في تحقيق التغيير المنشود".

مناضلون "جاهزون للاستعمال"

الباحث في القانون والعلوم السياسية في جامعة محمد الخامس في الرباط كريم عايش، نعت "الترحال السياسي" بالظاهرة المقلقة للساحة السياسية المغربية، "ليس لأنها انتقال لأشخاص من أحزاب إلى أخرى فحسب، ولكن أيضاً لأن الأحزاب تعتمد هذه الطريقة لكسب الأصوات والتعاطف أحياناً، وهو ما يجعل التدرج النضالي السياسي مجرد مضيعة للوقت والجهد، ويضرب في الصميم بعض فصول الدستور التي تطالب بتكوين المواطنين، ودمجهم في الحياة السياسية، لنرى كيف صارت الأحزاب تبحث عن مناضلين معلّبين، وجاهزين للانتخابات عدةً وعتاداً، بسيرة ذاتية غنية بالتجارب، وبأموال كفيلة ببناء حملة انتخابية ضخمة.

ويضيف عايش في حديثه إلى رصيف22: "هذا الأمر جعل العمل الحزبي يتحول إلى عمل انتهازي لا يؤسس لمشروع سياسي وطني، ولا لمواطن". ويؤكد على أن الأمر يتحول إلى حالة تشبه "سماسرة كرة القدم الذين يحاولون شراء لاعبين موهوبين للفرق بأثمانٍ تختلف حسب جودة كل لاعب، وهنا يكون المقابل تزكيات في مناطق حيوية، وتبخيساً للمناضلين الذين يتحولون في لعبة الشطرنج هذه إلى مجرد بيادق يُضحّى بها من أجل المرشح الأكثر حظاً".

ويُعدّ "الترحال السياسي" سلوكاً له انعكاس سلبي على مستقبل البناء الديمقراطي، وظاهرة جعلت عملية "النضال السياسي" في المغرب تتراجع إلى الوراء. فمن أجيالٍ كانت تناضل من أجل المصلحة العامة، أصبحنا أمام أجيال تناضل من أجل المصلحة الخاصة. كما أن الظاهرة تعزز من مكانة "كائنات انتخابية" كان الجميع ينتظرون انقراضها بعد الدستور الجديد، وتتشكل أساساً من رجال الأعمال، والأعيان في المدن والبوادي الذين كانت تراهن عليهم السلطات في زمن سابق لمواجهة امتداد الأحزاب الديمقراطية المطالبة بالتغيير في الأوساط الشعبية.

وتمضي الأحزاب نحو استقطاب هذه الفئة التي تتعامل مع العمل السياسي بمنطق براغماتي، "رابح-رابح". فالأحزاب تراهن عليهم في الاستحقاقات التشريعية والمحلية التي تقبل عليها المملكة لتعزيز مكانتها داخل المؤسسات المنتخبة، وعلى رأسها البرلمان والمجالس الجماعية والجهوية، فيما يعوّل هؤلاء على المناصب، للحصول على وجاهة أكبر في مدنهم وقراهم، وللتقرب من دوائر القرار والسلطة، وللحصول على "الحصانة البرلمانية".

مع قرب كل انتخابات تتهافت الأحزاب على المرشحين الأوفر حظا في الانتخابات البرلمانية. "ميركاتو الانتخابات" يضع العملية السياسية في المغرب موضع تساؤل وتشكيك في نزاهة الأحزاب

ولأن العملية تندرج في سياق "لعبة" سياسية لها أسسها القانونية، عدّ العديد من الباحثين في القانون الأمر تحايلاً، وأن الحل يكمن في إحداث ميثاق بين الأحزاب يمنع هذا "الميركاتو" الذي يظهر دوماً في السنة الأخيرة من الولاية التشريعية. غير أن باحثين آخرين يرون أن الأصل في الأشياء كافة هو الحرية، وأن من حق "المُرتحلين" تغيير لونهم السياسي، والانسحاب من أي حزب لم يعد يوافق رؤاهم، لصالح الاندماج في أحزاب أخرى توافق توجهاتهم في الفترة الراهنة.

ويضيف عايش أنه وعلى الرغم من الإشكال الذي يطرحه الترحال السياسي، فإن "هذا الأمر لا يخالف القانون الذي يضمن حرية الانتماء السياسي، والترشح تحت أي اسم سياسي. ويضمن ذلك أيضاً الدستور، والقانون التنظيمي للأحزاب لسنة 2016 في فصوله 20، 21، و22 التي تنص على احترام الديمقراطية، وحرية الانتماء السياسي، وضمان حرية المشاركة، والتوجه السياسي".

وأضاف المتحدث: "إلا أن جل السياسيين يستهلكون هذه المكتسبات بطريقة تحدث ضرراً كبيراً لسمعة الأحزاب والانتخابات، وتساهم بدرجة كبرى في فقدان الثقة بالعمل السياسي والنضالي، وعزوف الشباب عن التصويت". ويقصد بهذا أن أجهزة الحزب تُفرَّغ من معناها، فلا النضال، ولا الأقدمية، ولا كفاءة كوادر الحزب، تعني الشيء الكثير في ظل نظام يعوّل على مرشحين يفوزون في الانتخابات، إما لأنهم أعيان، وإما لأنهم يصرفون أموالاً طائلة في الحملات الانتخابية.

هذا الوضع الغريب قد يؤدي إلى قتل العمل الحزبي ببطء، بحسب عايش الذي يلوم أيضاً قيادات الأحزاب، إذ "طالما لا يمكن للشباب المناضلين الذين تلقوا تربية سياسية أن يكونوا، عبر التدرج النضالي، في أماكن متقدمة سياسياً، وعلى اللوائح الانتخابية، فهذا يضعف العملية السياسية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard