حق النفاذ إلى المعلومة في تونس... "موروث سياسي" يقاوم قانوناً "ثورياً"

الاثنين 7 يونيو 202110:47 ص

رغم مرور نحو خمس سنوات على إقرار البرلمان التونسي قانوناً يضمن الحق في النفاذ إلى المعلومة، أرسل الصحافي التونسي في موقع "صحيفة الأحد" الإلكتروني محمد جلالي يوم 17 آذار/ مارس 2021، 15 طلباً كتابيّاً إلى 15 مؤسسة عمومية، وكانت النتيجة أن مؤسستيْن فقط زوّدتاه بالمعطيات التي يريدها، فيما لم يحصل على إجابة بالرفض أو القبول من البقية.

حدث ذلك مع أن البرلمان أقرّ عام 2016 قانوناً أساسياً عدده 22، يهدف وفق فصله الأول إلى "ضمان حق كل شخص طبيعي أو معنوي في النفاذ إلى المعلومة بغرض الحصول على المعلومة وتعزيز مبدأي الشفافية والمساءلة وتحسين جودة المرفق العمومي".

ويُعدّ هذا القانون خطوة مهمة نحو مزيد من تكريس حرية التعبير والصحافة والنشر ومبدأ المحاسبة في البلاد، غير أنه لم يمنع عدة مؤسسات خاضعة له من الامتناع عن تطبيقه وانتهاج سياسة حجب المعلومة عن طالبيها.

ويوضح جلالي لرصيف22: "طلبتُ تقارير مراجعة حسابات هذه المؤسسات التي يفترض أن تكون منشورة على مواقعها الإلكترونية وهي لا تدخل في استثناءات النفاذ إلى المعلومة".

وينص الفصل 14 من القانون على أنه "على الهيكل المعني الردّ على مطلب النفاذ في أجل أقصاه 20 يوماً من تاريخ توصّله بالمطلب، وإذا كان الردّ بالرفض فيجب أن يكون كتابياً ومعلّلاً".

ووفق الفصل 29، يمكن لطالب النفاذ الطعن في قرار الهيكل المعني لدى "هيئة النفاذ إلى المعلومة" خلال أجل لا يتجاوز 20 يوماً من تاريخ بلوغ قرار الرفض الصادر عن رئيس الهيكل إليه.

والهيئة المذكورة نص عليها الفصل 37 من القانون، و"من مهامها البت في الدعاوى المرفوعة لديها في مجال النفاذ إلى المعلومة ومباشرة جميع إجراءات التحقيق ومتابعة الالتزام بإتاحة المعلومة". وتأخر البرلمان في انتخاب أعضاء مجلسها حتى 18 تموز/ يوليو 2017، ولم تضطلع بمهامها إلا في شهر كانون الثاني/ يناير 2018.

استثناءات

يحدد الفصل السادس من القانون عدد 22 المعلومات التي "يتعيّن على الهياكل الخاضعة لأحكامه أن تنشرها وتحيّنها وتضعها على ذمة العموم بصفة دورية وفي شكل قابل للاستعمال".

من بين هذه المعلومات الميزانية المرصودة للهيكل مفصَّلة، والصفقات العمومية المبرمجة والمصادق على ميزانيتها والتي يعتزم الهيكل إبرامها، ونتائج تنفيذها، وتقارير هيئات الرقابة، وكل معلومة تتعلق بالمالية العمومية والمعطيات المتعلقة بالمديونية العمومية والحسابات الوطنية وكيفية توزيع النفقات العمومية.

أما الفصل 24، فقد أشار إلى استثناءات في حق النفاذ إلى المعلومة وهي المعلومات "التي تؤدي إلى إلحاق الضرر بالأمن العام أو بالدفاع الوطني أو بالعلاقات الدولية أو بحقوق الغير في حماية حياته الخاصة ومعطياته الشخصية وملكيته الفكرية".

وكان محمد جلالي نفسه قد طلب في شباط/ فبراير 2019 تقارير تفقُّد (رقابة) من وزارة التجهيز، فرفضت الأخيرة طلبه، فقدم شكوى يوم الأول من آذار/ مارس 2019 إلى هيئة النفاذ إلى المعلومة، فأصدرت الأخيرة في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2019 قراراً لصالحه يلزم الوزارة بتسليمه المعطيات التي طلبها.

رغم هذا القرار، توجّه محمد إلى مقر الوزارة يوم التاسع من  كانون الأول/ ديسمبر 2019، ولكن الموظفين هناك رفضوا تمكينه من الوثائق بحجة أن طرفاً آخر طلب نفس المعطيات، وفي هذه الحالة يقضي القانون في فصله الثامن بنشرها على الموقع الإلكتروني.

"لا أعلم إنْ كانوا صادقين معي أم لا"، يقول.

حينها، سلّموه وثيقة رسمية تعِدَه بنشر الوثائق التي طلبها على موقع الوزارة الإلكتروني قبل نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2020، وهو ما لم يتم إلى اليوم.

"أخيراً، وردني اتصال من وزارة التجهيز يوم 27 أيار/ مايو 2021، وطلبوا منّي الحضور في اليوم الموالي للحصول على الوثائق التي طلبتها وقد حدث ذلك فعلاً. أنا سعيد جداً"، يكمل محمد القصة.

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، طلب محمد أيضاً من وزارة الصناعة محاضر جلسات اللجنة الاستشارية للطاقة التي تنظر في التراخيص الممنوحة لشركات التنقيب عن النفط وتجديد استكشاف حقول النفط في تونس ولم يحصل على ردّ، فلجأ في كانون الأول/ ديسمبر 2018 إلى الهيئة التي أصدرت يوم 23 أيار/ مايو قراراً لصالحه.

فوجئ جلالي باستئناف الوزارة القرار لدى المحكمة الإدارية في حزيران/ يونيو 2019، ويقول: "من المضحكات أن ممثليها لم يحضروا جلسة النطق بالحكم في تموز/ يوليو 2020 الذي كان لفائدتي، وللأسف لم تُصدر المحكمة إلى الآن الحكم كتابياً حتى أستطيع إلزام الوزارة بتنفيذ القرار".

"تأخير متعمَّد"

يرى جلالي أن المشكلة الكبيرة تكمن في طول وبطء تنفيذ إجراءات النفاذ إلى المعلومة وإجراءات الطعن لدى الهيئة وبطء المحكمة الإدارية في إصدار الأحكام الكتابية.

ويُرجع تجاوز المؤسسات للقانون إلى عدم إصدار رئاسة الحكومة الأوامر الترتيبية التي تفرض على موظفي المؤسسات العمومية تطبيقه، وهذا برأيه "دليل على أن التأخير متعمَّد للتعتيم على المعلومة وعلى أن الجميع لم يستوعبوا أنه حدث تغيير ديمقراطي في تونس قائم على إتاحة المعلومة للمواطن والصحافي".

ما حدث مع محمد ليست حالات فريدة. بدورها، أرسلت الصحافية التونسية في موقع نواة نجلاء بن صالح يوم السادس من تموز/ يوليو 2020 طلب نفاذ إلى المعلومة إلى الشركة التونسية للكهرباء والغاز، طلبت فيه الحصول على عقود تزود الشركة بالغاز.

"قانون عدد 22 وثقافة الشفافية والمساءلة هي أمور جديدة تتطلب تغييراً في العقليات والتخلي عن موروث سياسي كامل قائم على ثقافة الحجب والتعتيم وعلى استمرار رفض مبدأ قبول انفتاح الإدارة على المواطن"

حصلت بن صالح على رد بالرفض يوم السادس من آب/ أغسطس 2020 مرفقاً بتعليل جاء فيه أنه "يتعذر مدكم بالعقود لعدم حصولنا على الموافقة الكتابية للمتعاقدين مع الشركة، ذلك أن العقود موضوع مطلبكم لا يمكن النفاذ إليها إلا بعد الحصول على موافقة المتعاقدين، نظراً لتنصيصها على بنود سرية تعرّض الشركة لتتبعات قضائية في صورة الإخلال بها".

تقول بن صالح لرصيف22 إن استمرار سياسة حجب المعلومات "يعود إلى وجود نسبة هامة من الأشخاص الذين لا يؤمنون بقانون حق النفاذ إلى المعلومة ولتواصل سياسة البيروقراطية في العمل الإداري في تونس".

من جانبها، تقدّمت الصحافية الاستقصائية أمل مكي باسم موقع "إنكفاضة" الإلكتروني، في كانون الثاني/ يناير 2019، بطلب نفاذ إلى المعلومة إلى وزارة العدل، للحصول على معطيات حول موضوع المتمتعين بالعفو التشريعي العام، فلم تحصل على أي ردّ بالقبول أو الرفض، تروي لرصيف22.

هذا الأمر دفع الموقع إلى رفع دعوى ضد وزارة العدل لدى هيئة النفاذ إلى المعلومة، بتاريخ الثالث من نيسان/ أبريل 2019، وانتظر قرابة السنة حتى أصدرت الهيئة يوم 14 أيار/ مايو 2020 قراراً يلزم الوزارة بمد الموقع بنسخة ورقية من المعطيات المطلوبة. لم ينتهِ الأمر هنا. قدّمت الوزارة طعناً بالقرار يوم 13 تموز/ يوليو 2020 لدى المحكمة الإدارية، ولا زال الموقع ينتظر إلى الآن البت في القضية، تضيف مكي.

"سياسة عرقلة"

ترى مكي أن واقع النفاذ إلى المعلومة في تونس يشهد تدهوراً وتُرجع ذلك إلى ما تعتبره تراجعاً كبيراً في أداء الهيئة التي "لا تقوم بدورها بالتشهير بالمؤسسات والأطراف التي تمتنع عن إتاحة المعلومة، ما شجّع هذه المؤسسات على الاستمرار في سياسة العرقلة، وحتى الذهاب إلى أبعد من ذلك والطعن في قرارات الهيئة".

وتضيف أن "الهيئة ذهبت باتجاه اعتماد سياسة الدبلوماسية والحُسنى في التعامل مع هذه المؤسسات".

وكشف رئيس هيئة النفاذ إلى المعلومة بالنيابة عدنان الأسود أن الهيئة بتّت في 2180 قضية من جملة 3217 قضية وصلتها منذ اضطلاعها بمهامها وإلى غاية 25 آذار/ مارس 2021.

وأضاف أن عدد القضايا المستأنفة أمام المحكمة الإدارية بلغ 249 قضية من بين 1602 قضية أعلمت الأطراف القائمة بالدعاوى بالقرارات بشأنها.

نقص الإمكانيات

لا تتمكن الهيئة إلا من متابعة وتقييم 842 هيكلاً عمومياً فحسب، من جملة أكثر من 5000 هيكل خاضع للقانون عدد 22، جراء نقص الإمكانيات اللوجستية والبشرية المتاحة لها، يقول الأسود لرصيف22.

وحدد الفصل الثاني من القانون مختلف الهياكل الخاضعة للقانون ومن بينها رئاسة الجمهورية وهياكلها ورئاسة الحكومة وهياكلها ومجلس نواب الشعب وهياكله والوزارات وأشخاص القانون الخاص التي تسيّر مرفقاً عاماً والمنظمات والجمعيات وكل الهياكل التي تنتفع بتمويل عمومي.

"استمرار سياسة حجب المعلومات يعود إلى وجود نسبة هامة من الأشخاص الذين لا يؤمنون بقانون حق النفاذ إلى المعلومة ولتواصل سياسة البيروقراطية في العمل الإداري في تونس"

وحتى تؤدي الهيئة مهام الرصد والمتابعة والتقييم بشكل منظَّم وناجع، لا بد من أن تتوفر على الإطار البشري الكافي والمؤهل لذلك، وعلى نظام معلوماتي خاص بها تعمل حالياً على تطويره بالتعاون مع مجلس أوروبا، وتأمل أن يكون جاهزاً في أواخر هذه السنة، يشرح الأسود.

ويوضح أن النظام المعلوماتي سيساعد الهيئة على الإشراف على المكلفين بالنفاذ إلى المعلومة في الهياكل العمومية، والتدخل كلما واجهتهم أية إشكالات، وعلى تنظيم مكاتب الضبط في هذه الهياكل وتمكين المتقاضين لدى الهيئة من متابعة مسار قضاياهم بشكل واضح على موقعها الإلكتروني.

وينص الفصل 32 من القانون على أنه "يجب على كل هيكل خاضع لأحكام القانون عدد 22، تعيين مكلف بالنفاذ إلى المعلومة ونائب له ويجب إعلام الهيئة بقرار التعيين في أجل 15 يوماً من تاريخ إمضائه ونشره في الموقع الإلكتروني الخاص بالهيكل المعني".

ومن مهام المكلف التي فصّلها الفصل 34، تلقّي مطالب النفاذ ومعالجتها والرد عليها وربط الصلة بين هيكله (مؤسسته) الذي ينتمي إليه وهيئة النفاذ إلى المعلومة.

"أمور جديدة"

يرجع الأسود افتقار الهيئة للإطار البشري إلى تأخر رئاسة الحكومة في إصدار الأوامر التطبيقية، وخاصة الأمر المتعلق بالنظام الأساسي الخاص بأعوان الهيئة والذي سيمكّنها من انتداب أعوانها بشكل مباشر، إذ إنها لا تستطيع الآن الانتداب إلا بصيغة الإلحاق من مؤسسات عمومية أخرى كالوزارات.

ويطالب بالتعجيل في إصدار الأمر المتعلق بالهيكل التنظيمي للهيئة والذي سيحدد الخطط الوظيفية الموجودة فيها حتى تستطيع تعيين وتسمية إطاراتها بشكل رسمي.

ويقول: "نحن قمنا بكافة الإجراءات وأحلنا مشاريع أوامر على الأطراف المعنيّة برئاسة الحكومة والكرة الآن في ملعبهم لأن تأخر صدورها بات يعطل حسن سير عمل الهيئة بمختلف وحداتها (القضائية والمتابعة والرصد والتقييم)".

وفي تقييمه لمدى احترام الهياكل والمؤسسات العمومية لحق النفاذ إلى المعلومة، يصف أداء هذه المؤسسات بالإيجابي "على اعتبار أن قانون عدد 22 وثقافة الشفافية والمساءلة هي أمور جديدة تتطلب تغييراً في العقليات والتخلي عن موروث سياسي كامل قائم على ثقافة الحجب والتعتيم وعلى استمرار رفض مبدأ قبول انفتاح الإدارة على المواطن".

قانون ثوري... ونقائص

يصف الخبير في البيانات المفتوحة ونظم المعلومات وأحد مؤسسي جمعية "انشر" كمال ملاح، قانون النفاذ إلى المعلومة بالثوري، لافتاً في الوقت ذاته إلى وجود عدة نقائص تحدّ من تطبيقه.

وتأسست الجمعية سنة 2019 وتهدف إلى تقديم الإحاطة والدعم اللازمين في مجال النفاذ إلى المعلومة ونشر البيانات المفتوحة في تونس.

وتتعلق النقائص بتسجيل صعوبات في تنفيذ مؤسسات عمومية لقرارات وأحكام الهيئة والتي تُعَدّ شبه قضائية، يقول لرصيف22.

كما تتعلق بتعسف العديد المواطنين في استعمال حق النفاذ إلى المعلومة إذ يتقدمون بمطالب "تعجيزية" ولا يتعاملون بجدية مع هذا الحق، ما يصعّب مهمة المكلف بالنفاذ إلى المعلومة، يضيف.

ويتجلى هذا التعسف بحسب ملاح، في "تقديم مواطن أكثر من عشرين مطلب نفاذ لمؤسسة واحدة وفي وقت واحد وفي طلب معلومات خيالية في عشرين نقطة بينما تتطلب كل نقطة فترة زمنية طويلة حتى يعمل المكلف بالنفاذ على توفيرها".

يُشار إلى أن جمعية "انشر" أحدثت منصة "إنفورميني" Informini لمساعدة المواطنين وجمعيات القطاع الخاص على تقديم مطالب نفاذ إلى معلومات في أي مؤسسة حكومية مسجلة في هذه المنصة وتلقّي جواب عبرها يشاهده الجميع.

ووفق إحصائيات المنصة لشهر نيسان/ أبريل 2021، سجلت وزارتا التربية والمالية أسوأ مؤشرات استجابة لمطالب النفاذ بنسبة تتراوح بين 10 و12%، بينما تجاوزت نسبة وزارة الداخلية 44%، ونسبة الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات 45%، والبرلمان 84%، ووزارة الصحة 39%.

وأوضح ملاح أن الإجابة لا تعني بالضرورة القبول وإنما الرد سواء برفض المطالب أو بقبولها مع التعليل.

ويعزو عدم تطبيق عدة مؤسسات للقانون عدد 22 إلى "الإرادة السياسية المفقودة في تبني مثل هذه المشاريع الثورية على مستوى الإدارة، صلب رئاسة الحكومة، ومتابعتها والإشراف على تطبيقها ومراقبة الأطراف التي لا تطبقها، كما أن عدم الاستقرار الحكومي ساهم في عدم الاهتمام بها وعطّل كل مشروع إصلاحي".

وفي ما يتعلق بالمؤسسات التي لا تتجاوب مع القانون، توضح الناشطة في المجتمع المدني في مجال الدفاع عن حق النفاذ إلى المعلومة عفاف الشابي لرصيف22 أن المجتمع المدني يعمل على توعيتها بأهمية الانخراط في هذه الثقافة عبر تنظيم دورات تكوينية بالتعاون مع الهيئة والرئاسات الثلاث (الحكومة والجمهورية والبرلمان).

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard