تاريخ موجز للوشاية في تونس... من تمكين المستعمر إلى ضبط المجتمع

الثلاثاء 4 مايو 202111:41 ص

على سبيل التشنيع، يسمّي التونسيون "الوشاية" في العامية المحكية بـ"القِوادة"، في تشبيه شعبي بين الوشاة والعاملين في الدعارة المأجورة يوحي بشناعة الوشاية على شرف الإنسان في المخيال السائد.

لكن هذا الحكم المطلق نظرياً ليس كذلك في الواقع، إذ لم يخلُ تاريخ البلاد القديم والجديد من "الوشاية"، باعتبارها إحدى أدوات السلطة لضبط المجتمع وتوطيد أركان الحكم.

لا أحد يعلم على وجه التحديد كيف تحوّلت الوشاية من صنيع مخلٍّ بالشرف إلى جزء أصيل من جهاز الدولة، لكن المؤكد أن الأمر ليس جديداً ولم يكن أبداً مرتبطاً بتشكل نظام الحزب الواحد والزعيم الملهم. فالاستعمار الفرنسي اشتغل بقوة على فكرة استمالة جزء من "الأهالي" لضرب جزء آخر منهم، وكانت الوشاية وسيلة جيدة للإيقاع بمئات الوطنيين ووسيلة لمئات الأهالي لمراكمة ثروات مادية ومعنوية وللترقّي في السلّم الوظيفي الرسمي، في نظام الحماية أو على هامشه، من خلال كسب الامتيازات.

لكن مع تشكل الدولة المستقلة عام 1955، اعتقد البعض، على سبيل النوايا الطيبة، أن هذا الأمر المشين أخلاقياً والمحقّر في مصفوفة القيم السائدة أصبح جزءاً من التاريخ، إلا أن النظام الجديد أعاد إنتاج "الوشاية" بما هي وسيلة للسيطرة على المجال العام.

في خدمة السلطة الكولونيالية

كان همّ السلطة الاستعمارية الفرنسية، منذ عام 1881، السيطرة على المجال الجغرافي التونسي وتطويق أي محاولات مقاومة عسكرية أو سياسية لوجودها، لذلك عملت على زرع شبكة واسعة من الوشاة، خاصة في صفوف الشرائح النخبوية، كالمثقفين والنقابات والجمعيات ورؤوس القبائل.

ويشير تقرير هيئة الحقيقة والكرامة، حول العدالة الانتقالية في تونس، إلى أن ''الوشاية، كآلية ضبط ومراقبة، لم تكن من بين الآليات الجديدة التي أنشأها النظام البورقيبي بل يعود امتدادها إلى الفترة الاستعمارية وبداية فترة الاستقلال"، ويضيف: "تعددت المراسلات التي احتوت على معلومات ومعطيات سرّية بين السفارة الفرنسية بتونس والدولة الفرنسية والتي تضمنت بكل وضوح مصادر معلومات تعود إلى مخبر محلي وموظفين عموميين في الدولة وبعض الأعيان".

عام 1932، شد الممثل المصري نجيب الريحاني الرحال إلى تونس مع فرقته، ورافقه الممثلة والراقصة السورية اللبنانية بديعة مصابني، بحثاً عن المال والشهرة في بلاد المغرب، بعد ضائقة مالية في القاهرة، لكن حظه العاثر قاده ليكون ضحية خسائر مالية جديدة وضحية أحد وشاة السلطة الاستعمارية.

يحكي الريحاني في مذكراته عن هذه الواقعة بنفس ساخر لا يختلف عن براعته في الفكاهة: "وصلنا إلى تونس فاستقبلنا أهلها الأكرمون استقبال الفاتحين ورأينا الموسيقيين يدقّون الطبول والزمور، وشاهدنا مندوبي الجمعيات الخيرية يحملون إلينا الأزهار، والشعراء ينثرون أمامنا القصائد من كل البحور، وخطب الترحيب تتلى علينا من هنا ومن هناك بشكل لم نرَ له مثيلاً من قبل. وقد فاتني أن أشير إلى شخص بالذات تقدّم إليّ مرحّباً أجلّ ترحيب، ومحيياً أحسن تحية، وتطوع بالتعريف قائلاً إنه من هواة التمثيل، وإنه سمع عنّي كثيراً ورغب في العمل بفرقتي، وقد رحّبت به أنا الآخر، ولكن رابني منه بعض تصرفات لم أفهم سرّها! فما كدنا نصل مدينة تونس حتى سعى في كثير من العناية والاهتمام بإنزالنا في أكبر فنادق المدينة (واسمه ماجيستيك)، وراعني أنه نجح في حجز أحسن أجنحة الفندق لنا، كما راعني قبول إدارة الفندق أن تتقاضى من الممثلين مبلغ عشرين قرشاً فقط كأجر عن الغرفة يومياً، في حين أن إيجار غرفتي في اليوم الواحد هو مائة وستون قرشاً، وهو أجر معقول بالنسبة لفخامة الفندق الذي لا يقل من هذه الناحية عن أفخم فنادق القاهرة. أقول إنني رأيت في هذه التصرفات ما رابني، وأخيراً عرفت أن ريبتي كانت في موضعها تماماً، وأن صديقنا الجديد هذا، لم يكن إلا عيناً خصصته الإدارة الفرنسية ليكون بمثابة رقيب علينا في كل خطوة نخطوها، أو حركة نأتيها. وذلك خشية من أن نثير في البلاد شعور الوطنية والحماس، وهو ما يأباه الاستعمار ويعمل على محاربته بكل وسيلة".

يسمّي التونسيون "الوشاية" في العامية المحكية بـ"القِوادة"، في تشبيه شعبي بين الوشاة والعاملين في الدعارة المأجورة يوحي بشناعة الوشاية على شرف الإنسان في المخيال السائد. لكن هذا الحكم المطلق نظرياً ليس كذلك في الواقع...

ومسترسلاً في سخريته، يروي الريحاني حيلته للتخلص من الواشي قائلاً: "ولما كنّا والحمد لله لم نقصد من رحلتنا أن نثير حرباً شعواء بين الفرنسيين والوطنيين، فإن هذه الرقابة لم تؤثر فينا أقل تأثير، بل بالعكس أفادتنا كل الفائدة بأن جمعت أفراد الفرقة كلهم في صعيد واحد، وصعيد إيه يا سيدي… أوتيل، لا تقوللي ولا تعيد لي. والأجرة إيه؟! تراب الفلوس! نهايته… توددت إلى الأخ المحترم الرقيب الهاوي وقرّبته إليّ… وصافي يا لبن".

مشهد من إحدى مسرحيَّات الريحاني الفرانكوعربيَّة الأولى

حُرّاس صورة السيد الرئيس

منذ عودته الكرنفالية إلى تونس، في حزيران/ يونيو 1955، حاملاً الاستقلال الداخلي عن فرنسا، تحوّل الحبيب بورقيبة من زعيم حركة وطنية تحررية إلى "قائد ملهم"، وشكلت تظاهرات الاستقبال الجماهيري للرجل في ميناء حلق الوادي في تونس، والتي ملأت شوارع العاصمة وساحاتها، نقطة بداية تشكل "عبادة الفردّ" في البلاد.

وعلى هامش هذا التحوّل الجذري، برزت الحاجة لحراسة "صورة القائد" من الخدش والنقد أو مجرد الانتقاد السطحي. فقبل حتى أن يُبنى الجهاز الأمني الوطني، الذي سيكلَّف لاحقاً بإدارة شبكات الوشاية، سعى الحزب الدستوري الحاكم إلى إقامة هياكل رقابية مؤقته بين عامي 1955 و1956، وهي الفترة الفاصلة بين الاستقلال الداخلي والاستقلال التام، وذلك من أجل ملاحقة معارضيه، وحملت اسم "لجان الرعاية"، وهي عبارة عن ميليشيا توزّعت أعمالها بين الملاحقة الجسدية لأتباع صالح بن يوسف (1907-1961)، الأمين العام للحزب والمعارض الأبرز للرئيس الحزب بورقيبة، وبين جمع المعلومات من خلال الوشاية.

تحوّل الحزب، الذي تداخل مع جهاز الدولة بعد الاستقلال بشكل شديد التعقيد، إلى جهاز مراقبة يملك إمكانيات بشرية هائلة، لا تحرّكها فقط الأطماع الشخصية الضيّقة بل العقيدة الصلبة في شخص الحزب والقائد. وحتى قبل أن تتم مأسسة الأجهزة الرقابية والقمعية للدولة في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، بدأت بذور الوشاية تنتشر في صفوف العناصر الحزبية منذ الشهور الأولى للاستقلال، بل قبل الحصول على الاستقلال الخارجي.

عام 1955، قام الصحافي والكاتب المصري الساخر محمود السعدني بزيارة إلى تونس بينما كانت البلاد تعيش على وقع الخلاف اليوسفي البورقيبي حول اتفاقيات الاستقلال الداخلي. وكان السعدني على علاقة سابقة بزعامات الحركة الوطنية في القاهرة، فدُعيَ لحضور مؤتمر صفاقس (1955) الذي سيُحسَم فيه الخلاف من جانب واحد، وهو المؤتمر الذي حضرته العديد من الشخصيات العربية، أبرزها الشيخ أحمد حسن الباقوري، وزير الأوقاف في حكومة ثورة يوليو والقيادي السابق في جماعة الإخوان المسلمين.

مؤتمر صفاقس 1955

السعدني لم يكن من النخب التي تكتفي بحضور المؤتمرات والجلوس في الصالونات الأدبية، باعتباره صعلوكاً عتيقاً. قال لمرافقه التونسي: دلّني على وسط البلد. فنزل إلى الأسواق وجلس في المقاهي وطاف في القرى والبوادي، وكان يعارك ويناقش العوام والنخب المتأثرين ببورقيبة من وجهة نظره الناصرية والقومية الشديدة. إلا أن السعدني لم يكن يدري أن الرقباء والوشاة لن يتركوا أحاديثه الناقدة للزعيم حبيسة المقاهي والنوادي التي جلس فيها.

قبل أن يُبنى الجهاز الأمني الوطني في تونس بعد الاستقلال، برزت الحاجة لحراسة "صورة القائد" من الخدش والنقد أو مجرد الانتقاد السطحي، فسعى الحزب الدستوري الحاكم إلى إقامة هياكل رقابية مؤقته من أجل ملاحقة معارضيه

ويحكي الكاتب الساخر في كتابه "على باب الله" عن حادثة وقوعه في براثن أحد وشاة الرئيس قائلاً: "في آخر يوم في جولتنا، جلسنا بعد انتهاء الجولة في أحد المقاهي الشعبية وكنّا مجموعة من الصحافيين كلهم من تونس والعبد لله هو الغريب الوحيد وكان معنا مسؤول صغير في الحزب الحر الدستوري التونسي وكان مستواه كمستوى أمين مكتب الاتحاد الاشتراكي في مركز العياط، ولكنه كان يجلس وسطنا كأنه المارشال مونتغمري بعد حركة العلمين وراح يشرح لنا الحكمة وراء كلمات بورقيبة ثم ختم حديثه قائلاً: لو أراد الله خيراً للأمة العربية فسيتحد العالم العربي كله تحت رئاسة الزعيم بورقيبة لأنه هو وحده الذي سيقود العرب إلى قمة المجد".

ويتابع رواية تفاصيل الحداثة: "أذكر أنني علقت بكلمات ساخرة قبل أن نقوم من جلستنا ونرجع عائدين إلى العاصمة تونس. وفي الصباح الباكر كان سفيرنا في تونس على الخط الآخر في التليفون يعاتبني بشدة على الكلام الذي قلته في القهوة ليلة الأمس. نفيت له أن أكون قد قلت ما سمعه وأن ما قلته في القهوة لم يكن أكثر من مداعبة وسخرية في مواجهة سب مباشر لحكومة بلدي ورئيسها ونظامها دون أن يكون هناك داعٍ على الإطلاق... قال السفير استعد وسأمرّ عليك بعد دقائق... ارتديت ملابسي وانتظرت السفير على باب الفندق وعندما وصل ركبت معه سيارته وبعد دقائق كنّا في قصر الرئاسة وفي حضرة الرئيس بورقيبة ووقف السفير يشرح للرئيس أنني ما جئت لتونس إلا لكي أنشر قصة كفاحه وجهاده ونضاله على صفحات الصحف المصرية وأنني من أشد أنصار بورقيبة ومن أشد المتحمسين له. وقال له سترى سيادتك بعد عودته إلى القاهرة الصفحات الطوال التي سيكتبها عن نضال وكفاح سيادتكم".

ويتابع: "وقال بورقيبة كأنه يخاطب الجماهير في الشارع أنا زعيم باعتراف العالم كله ولا أحتاج إلى اعتراف من أي جهة كانت... وطيّب السفير خاطره بكلمات كثيرة حتى هدأ روعه... فنظر إليّ ومدّ يده نحوي وصافحني بشدة وقال: سأضمك للحزب الدستوري لتكون على مقربة منّي ولكي تتعلم في مدرستي السياسية".

بعد عودته إلى القاهرة، أخلف السعدني وعده، وكتب سلسلة مقالات عن الرحلة بعنوان "الرجل الأوحد في تونس"، وبعد نشر السلسلة على صفحات جريدة الجمهورية صدر قرار يمنع دخوله إلى تونس، وكان ذلك عام 1956، وبقي القرار معمولاً به حتى وفاته عام 2010.

لاحقاً، وبعد أن استقرّت الأوضاع وتوطدت دعائم نظام الحزب الواحد في أعقاب إلغاء التعددية الحزبية بداية من العام 1962 ورُبطت المنظمات الشعبية والنقابية بالحزب الحاكم، توسعت دوائر الوشاية وتوزعت بين شبكات تابعة للجهاز الأمني وشبكات تابعة للحزب، والأخيرة كانت تسمّى "لجان اليقظة" وهي أقرب في عملها للميليشيا، إذ تجاوز نشاطها مجرد جمع المعلومات نحو البلطجة والعنف، خارج القانون.

ومنذ نهاية الستينيات، بدأت الوشاية تأخذ طابعاً مؤسسياً، وأصبح الوشاة يعملون بشكل رسمي في أجهزة الحزب والدولة لقاء مقابل مادي وامتيازات أخرى، تتراوح بين رخص وتسهيلات إدارية، لتُزرع البلاد بالوشاة في كل شارع ومدرسة وجامعة ودائرة حكومية ومقهى وحانة.

اشتغل الاستعمار الفرنسي في تونس بقوة على فكرة استمالة جزء من "الأهالي" لضرب جزء آخر منهم، وكانت الوشاية وسيلة جيدة للإيقاع بمئات الوطنيين ووسيلة لمئات الأهالي لمراكمة ثروات مادية ومعنوية وللترقّي في السلّم الوظيفي الرسمي

يزحف الليل على قرية قصر قفصة، جنوب غرب تونس، مغموساً بالكآبة، ومساءات البلدة تقطر بالملل. يأخذ علي الزيتوني مكانه المفضل في طرف الحانة، ويتجمع حوله لفيف من الشباب، يحبّون حكاياته السخية بالمغامرة والشتائم الجنسية، وخاصة بالشتائم الموجهة رأساً نحو الرئيس، في عز قداسة "المجاهد الأكبر"، كما كان بورقيبة يطلق على نفسه، بينما كانت الستينيات تنتعل حذاءها.

الضجيج يكلل الحانة ورائحة الفول المطبوخ والبيض المسلوق الغارق في الكمون تخترق المكان. الوقت يتسع والمكان يضيق والكلام يخرج على سجيته من الأفواه والخمرة تلعب بالعقول. يسترسل علي الزيتوني في سرد مغامرات ثورة التحرير وفي وصف الكهوف التي نام فيها عند سفوح عرباطة الجرداء، ويتحدث عن حفنة اللصوص الذين قطفوا ثمار الاستقلال، وعن المسلحين البسطاء الذين نذروا للنسيان والحرمان والخذلان، وساق الحرمان بعضهم لاحتراف الوشاية والبلطجة ليصيروا أعوانا صغاراً في لجان اليقظة يقتفون آثار إخوة السلاح فيما كانت دولة الاستقلال تأكل أولادها.

وبين الحكاية والحكاية، كان يطلق شتيمة ضد الرئيس. وفي الطرف الآخر، كان هادي يتلصص على حلقة الزيتوني. هادي، وكأي "مواطن صالح" في دولة الاستقلال، كان يقوم بدوره الوطني، سكراناً كان أو صاحياً، قائماً أو نائماً. وما إنْ أنهى كأسه حتى تسلل نحو الخارج ليحمل الوشاية ساخنة إلى رئيس مركز الحرس الوطني.

ويكتب رئيس المركز في تقريره، بتاريخ 22 تشرين الأول/ أكتوبر 1968، والذي وُزّعت منه نسخاً على الوالي والمعتمد وآمر الحرس الوطني في العاصمة ونشرته "هيئة الحقيقة والكرامة" بعد نصف قرن من السرية: "علمت أن المدعو علي الزيتوني كان قد تفوّه بعبارات تنال من شخص فخامة رئيس الجمهورية (...) وذكر المخبر أن الزيتوني يعمل حالياً بقفصة وليس له قيمة في المجتمع ويعتبر من الطبقة المنحطة، أما المخبر نفسه (هادي) فهو من قدماء الثوار غير أنه ينعت بكثرة الكلام والثرثرة، مع العلم أنه أكد لي شخصياً أنه حال سماعه لتلك العبارة فقد أخذ صحناً أُعِدّ لبقايا السجائر وضرب به الزيتوني إلى أن أسال الدم من أنفه وذلك نتيجة نيله من شخص الرئيس الجليل".

بن علي وازدهار "جمهورية الوشاية"

جاء زين العابدين بن علي إلى حكم تونس، قادماً من قلب الأجهزة القمعية للدولة. تدرّج من ضابط صغير في الجيش إلى مسؤول في الاستخبارات العسكرية ثم مديراً للأمن حتى وصل إلى وزارة الداخلية، لذلك لم يكن غريباً عن أجواء عمل شبكات الوشاية، باعتبارها جزءاً من مصادر المعلومات لدى الأجهزة الأمنية.

ويشير تقرير "هيئة الحقيقة والكرامة" إلى أن توظيف آلية الوشاية بشكل ممنهج ضد الخصوم السياسيين برز جلياً خلال فترة "حزب التجمع الدستوري الديمقراطي"، الاسم الجديد للحزب الحاكم في عهد بن علي، ليصل إلى مستوى المكافأة المادية للمخبرين والمكافأة بالمناصب وتصفية الحسابات الشخصية في ما بينهم.

لم يستمد نظام بن علي قوته الرقابية والقمعية من قدرات وإمكانيات مختلف الأجهزة الأمنية النظامية فقط، بل كان ذلك نتيجة خدمات وقدرات شبكات الوشاية سواء التي تنشط بصفة مباشرة بالتنسيق مع المصالح الأمنية مقابل مكافأة مادية أو تلك التي تتعامل مع لجان التنسيق والشِعَب الدستورية التابعة لحزب التجمع.

برز توظيف آلية الوشاية بشكل ممنهج ضد الخصوم السياسيين في تونس جلياً خلال عهد زين العابدين بن علي، ليصل إلى مستوى المكافأة المادية للمخبرين والمكافأة بالمناصب

ويكشف مسؤول رفيع، مكلف بمهمة في ديوان المدير العام للإدارة العامة للمصالح المختصة (المخابرات) من سنة 1983 إلى حدود 2011، في شهادته أمام الهيئة حول كيفية تعامل وزارة الداخلية مع شبكة المخبرين، عن وجود صندوقين في الوزارة: "صندوق خاص'' مخصص للشراءات الخاصة بالوزارة مثل التزود بآلات التنصت، وتُصرف منه مبالغ مالية إضافية وغير ثابتة بعنوان مكافأة عن "الخدمة الإرشادية المسداة"، و"صندوق أسود" يوزَّع ما فيه على شكل منح مخصصة لشبكة المخبرين المصنفة في قوائم اسمية وموزعة بين العمل لصالح فرق أمن الدولة وفرق الإرشاد والاستعلامات وفرق الشرطة والحرس الوطني والمهام في الخارج.

واعتمد النظام السياسي على هيكل واسع لتنظيم عمليات الوشاية من خلال توزيع الوشاة على مختلف المناطق الجغرافية والشرائح الاجتماعية والقطاعات المهنية: في الجامعات، داخل منظمات المجتمع المدني، في المساجد، سائقي التاكسي ولجان الأحياء في المدن.

وكانت مهمة هؤلاء الأساسية، وفقاً لتقرير هيئة الحقيقة، هي مراقبة تحركات واجتماعات المواطنين ومراقبة نشاط وتحركات كل العناصر المنتمية لأحزاب المعارضة.

وتنقل الهيئة في تقريرها عن وثيقة أمنية صادرة في آذار/ مارس 2004 تحت عنوان "تقرير اللجنة الجهوية للجان الأحياء"، التي أشرف عليها وزير الداخلية السابق هادي منهي، معطيات مهمة حول العدد الإجمالي للجان الأحياء في مدينة تونس العاصمة لوحدها والذي بلغ حوالي 353 لجنة حي، تضم 3563 عضواً موزعين بين 3106 من الذكور و457 من الإناث. ووصل مجموع نفقات هذه اللجان إلى حدود سنة 2003 حوالي 3 ملايين دينار، أي نحو 1.5 مليون دولار بأسعار صرف ذلك الوقت. وأكد التقرير على أهمية هذه اللجان نظراً لقدرتها على "الالتصاق اليومي والمباشر بحياة السكان" و"على استقطاب وربط علاقات معهم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard