الأمن التونسي يقتحم مقر وكالة تونس إفريقيا للأنباء... سابقة تدقّ ناقوس الخطر على الحريات

الأربعاء 14 أبريل 202107:21 م

تُعَدّ حرية التعبير وحرية الصحافة من بين أهم المكاسب الملموسة التي حققتها ثورة الياسمين في تونس. فبعد عقود من تضييق النظام السابق على السلطة الرابعة ومحاولات تطويعها لتبييض صورة الدكتاتورية، أقرّ الدستور التونسي جملة ضمانات متعلقة بهاتين الحريّتين مكّنت تونس من احتلال المرتبة 72 عالمياً والأولى عربياً في مؤشر حرية الصحافة بعد أن كانت قبل الثورة تتذيّل القائمة، وأخرجت البلاد من القائمة السوداء للدول المعادية لحرية الإعلام والإنترنت.

ورغم المكاسب والإصلاحات التي حققها الإعلام، ظلّت المخاوف من فرض الأحزاب السياسية وأصحاب الأموال لأجنداتهم على القطاع هاجساً يؤرق الصحافيين الذين تجنّدوا للدفاع عن قطاعهم وقطع السبل أمام كل مَن يحاول إخضاعه وقمع صوت الصحافيين.

في هذا السياق، أتت حادثة اقتحام قوات الأمن لمقر وكالة تونس إفريقيا للأنباء واعتداء عناصرها على الصحافيين العاملين فيها لأنهم اعترضوا على تنصيب مدير عام للوكالة سمّته رئاسة الحكومة، في سابقة خطيرة في تاريخ الإعلام ما بعد الثورة استوجبت دق ناقوس الخطر والتصدي لكل أشكال تسليط العنف على أبناء السلطة الرابعة.

واستعملت قوات الأمن القوة والعنف ضد الصحافيين والمصورين الصحافيين المحتجين لتمكين كمال بن يونس من تولي مهامه كما منعتهم من تصوير حادثة الاعتداء لكي لا يتم توثيقها ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي.

رفض لتسمية كمال بن يونس

في الخامس من نيسان/ أبريل، عَيّن رئيس الحكومة هشام المشيشي الصحافي والباحث في التاريخ والعلوم السياسية والدراسات الدولية كمال بن يونس مديراً عاماً لوكالة تونس إفريقيا للأنباء.

ورغم صدور التسمية في الرائد الرسمي (الجريدة الرسمية)، إلا أن بن يونس لم يتمكن من تسلّم مهامه بسبب رفض صحافيي الوكالة ما اعتبروه "تسمية مسقطة وتعييناً حزبياً" من شأنه تطويع الوكالة لصالح الحكومة.

ورفع الصحافيون شعار "ديغاج" (ارحل) أمام كمال بن يونس، مهدِّدين بالتصعيد في حال عدم تراجع الحكومة عن تعيينها.

مقابل ذلك، قال رئيس الحكومة إنه لن يتراجع عن تعيين بن يونس مذكّراً بأن التكليف في المؤسسات العمومية يتم عبر التعيينات لتسيير الإدارة دون المساس بالخط التحريري للمؤسسة الإعلامية.

من جهته، حاول بن يونس في 13 نيسان/ أبريل تسلّم مهامه، وقدم إلى مقرّ الوكالة برفقة "عدل منفّذ" وقوات أمنية، معتبراً أن منعه من تولّي منصبه جريمة يعاقِب عليها القانون.

وسادت حالة من الاحتقان في صفوف صحافيي الوكالة، خاصة بعد تعمّد قوات الأمن الاعتداء عليهم لفرض تنصيب كمال بن يونس، ما استوجب انسحابه وسط تعزيزات أمنية مشددة.

مطالبة بتعيينات شفافة

يواصل أبناء وكالة تونس إفريقيا للأنباء اعتصامهم المفتوح في مقر الوكالة، كما قرروا مقاطعة جميع الأنشطة الحكومية والأحزاب الداعمة لها، ويطالبون رئاسة الحكومة ووزارة الداخلية بالاعتذار عن الاعتداء السافر الذي طالهم إضافة إلى مراجعة تعيين كمال بن يونس.

وأشارت رئيسة فرع نقابة الصحافيين في الوكالة ألفة حبوبة إلى أن بن يونس معروف بموالاته للنظام السابق وبمعاداته للحقوق والحريات علاوة على مشاركته في الانقلاب على نتائج المؤتمر الثاني للنقابة الوطنية للصحافيين سنة 2011، والذي انعقد تحت شعار "حرية الصحافة ضمانة أساسية للانتقال الديمقراطي"، وقيامه بصفع الصحافية فاتن حمدي بعد أن اتهمته بالانقلابية، إضافة إلى اعتدائه على نقيب الصحافيين السابق ناجي البغوري.

وأضافت حبوبة لرصيف22 أن الانتماء الحزبي لبن يونس مفضوح وكان محسوباً على التيار الإسلامي ثم على حزب "تحيا تونس" الذي يترأسه رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد، والآن على حزب حركة النهضة، في حين أن أبناء وكالة تونس إفريقيا للأنباء يطالبون بتسمية "شخص محايد ونظيف".

وتتابع المتحدثة أن لجوء كمال بن يونس إلى القوة العامة يؤكد أنه "عنيف ويفتقر إلى أبجديات التصرّف"، معتبرة أن الحضور الأمني المكثف في مقر الوكالة يوحي بمحاربة الإرهاب في حين أن صحافيي الوكالة معتصمون بطريقة سلمية، ومتسائلة عن كيفية تسيير بن يونس للمؤسسة في المستقبل بوجود هذا الاحتقان وبعد تسببه في الاعتداء على الصحافيين.

رغم المكاسب والإصلاحات التي حققها الإعلام التونسي بعد الثورة، ظلّت المخاوف من فرض الأحزاب السياسية وأصحاب الأموال لأجنداتهم على القطاع هاجساً يؤرق الصحافيين الذين تجنّدوا للدفاع عن قطاعهم

واعتبرت حبوبة أن بن يونس أضاف صفحة سوداء في تاريخه بخروجه من الباب الخلفي للوكالة وسط تعزيزات أمنية، مكثفة كما أضاف صفحة سوداء في تاريخ الإعلام التونسي الذي لم يشهد اعتداء مماثلاً على الصحافيين داخل منشأة عمومية من قبل الأمنيين.

وبعد حالة الاحتقان والتشنج التي شهدتها الوكالة، اضطرت قوات الأمن المرافقة لبن يونس إلى تأمين خروجه من الباب الخلفي للوكالة وسط هتاف من الصحافيين "ديغاج، ديغاج".

وختمت حبوبة بالتأكيد على أن أبناء الوكالة يطالبون بتغيير التعيينات على رأس الوكالة من قبل رئاسة الحكومة وتغيير القانون الأساسي الذي يمكّن الرئيس المدير العام من صلاحيات واسعة تم استغلالها سابقاً في التشفي في العديد من الزملاء إضافة إلى التصدي لكل محاولات السيطرة على الإعلام لأن "الديمقراطيات التي تحترم نفسها تحافظ على حيادية الإعلام".

من الدعائية إلى الفوضى؟

تشير الكاتبة وأستاذة الإعلام والاتصال في معهد الصحافة وعلوم الإخبار سلوى الشرفي إلى أنها من حيث المبدأ، وبقطع النظر عن وجود شبهة تعيين سياسي لكمال بن يونس على رأس وكالة تونس إفريقيا للأنباء من عدمها، ضد رفض تعيين أي شخص على رأس مؤسسة إعلامية بسبب انتماءاته الحزبية أو الإيديولوجية، خاصة وأن الرئيسة المديرة العامة السابقة للوكالة معروفة بانتمائها للحزب الجمهوري، وهو حزب سياسي تونسي أسسته سنة 2012 المعارِضة الراحلة مية الجريبي، كما أنها ترى أن لا وجود لشخص مستقل ولا يحمل أيّة انتماءات ولو فكرية، لافتةً إلى أن ما يهمها هو الكفاءة واحترام القانون.

وقالت الشرفي لرصيف22 إنها ضد محاسبة شخص على موقفه السياسي، لكن إذا تكررت مسألة التعيينات المشبوهة وأصبحت ممنهجة، وهو ما يحصل في العديد من المؤسسات العمومية، فبإمكان الصحافيين التعبير عن شكوكهم، والقوف ضد ضرب التعددية الإعلامية.

وفي تقييمها للمشهد الإعلامي التونسي بعد الثورة، اعتبرت الشرفي أنه تم التحوّل من إعلام اتصالي سياسي دعائي لصالح النظام السابق إلى "إعلام فوضى" يفتقد فيه بعض الإعلاميين للكفاءة المطلوبة وتلهث فيه المؤسسات الإعلامية وراء الإثارة وتغلب فيه الخيارات التجارية بهدف الربح المادي، واصفة أغلب البرامج التي تُبَثّ بـ"برامج قمامة" لا تثقّف المواطن التونسي لا سياسياً ولا تربوياً.

وتعتبر الشرفي أن "هذه الفوضى مهّدت الطريق لجميع الأحزاب دون استثناء لوضع اليد على الإعلام، وعلى الإعلاميين الدفاع عن شرف المهنة ورفض الخضوع لهذه المحاولات".

أحزاب سياسية على الخط

في بيانات أصدرتها، أعربت العديد من الأحزاب السياسية عن تضامنها مع صحافيي الوكالة، بعد اقتحام قوات الأمن لمقر عملهم. وحذّرت حركة الشعب ذات التوجّه الناصري من محاولات حكومة المشيشي وحزامها السياسي التمادي في سياسة تطويع الإعلام وفرض تعيينات حزبية على رأس منشاة إعلامية عمومية، كما أعلن "التيار الشعبي"، وهو حزب منشق عن حركة الشعب، عن دعمه المطلق لمقاومة الصحافيين لسياسة وضع اليد على الوكالة من قبل الائتلاف الحكومي، معتبراً أن الهيمنة على الإعلام العمومي يجعل من الحديث عن حرية التعبير شعارات جوفاء.

الحضور الأمني المكثف في مقر وكالة تونس إفريقيا للأنباء أوحى بأن هناك عملية محاربة إرهاب، في حين أن المتحتجين كانوا صحافيي الوكالة وبطريقة سلمية

بدوره، اعتبر "حزب المسار الديمقراطي" أن هشام المشيشي ينتهج سياسة أمنية قمعية ضد احتجاجات سلمية للصحافيين، مطالباً رئيس الحكومة بمراجعة التعيينات "المشبوهة"، كما طالب الحزب الجمهوري بإنقاذ قطاع الإعلام من سيطرة اللوبيات والمال الفاسد بما يتعارض ودوره في حماية المسار الديمقراطي.

وفي المقابل، ساند رئيس كتلة ائتلاف الكرامة المحسوب على التيار الإسلامي في البرلمان سيف الدين مخلوف في تدوينة تعيين كمال بن يونس على رأس الوكالة معتبراً أن سلطة التعيين في الوظائف العليا المدنيّة أسندها الدستور حصراً لرئيس الحكومة وأن ذلك "لم تهضمه بعد منظومة العصابات لذلك فهي تنتفض مع كل تعيين لا تكون هي وراءه... حتى وإنْ كان من داخل منظومتها".

في سياق متصل، أكد النائب عن حركة النهضة معزّ بالحاج رحومة أن بن يونس كانت له ميولات إسلامية عندما كان تلميذاً، لكن مع بداية الثمانينيات من القرن الماضي سلك مساراً حراً وليس له أي علاقة بحزب حركة النهضة لا من بعيد ولا من قريب.

وأضاف بالحاج رحومة لرصيف22 أن عدم اصطفاف بن يونس ضد الحركة الإسلامية سُجّل عليه، معتبراً أن المشهد في المؤسسات الحساسة من إعلام ونقابات لا يشفع لذوي الخبرة والكفاءة في احتلال مواقع "قلعات تاريخية لليسار والمنظومة القديمة".

كما اعتبر أن الاعتراض على تسمية بن يونس لا علاقة له بحركة النهضة لأنه لا ينتمي إليها ولا لمؤسساتها وكثيراً ما انتقدها، وإنما الموقف منه يأتي بخلفيات إيديولوجية، وسبق أن تكررت عملية الصد والرفض لتعيين أشخاص على رأس مؤسسات عمومية "لمجرد قربهم من العائلة السياسية الإسلامية".

وفي تعليقه على العنف الذي طال صحافيي الوكالة، أدان بالحاج رحومة أي عنف يمارَس على الصحافيين حتى من أجل إنفاذ قرار وجيه.

سياسة ممنهجة؟

تواترت في الآونة الأخيرة حوادث الاعتداء على الصحافيين خلال أدائهم لمهامهم ومواكبتهم للاحتجاجات والتظاهرات. ويتصدر الأمنيون قائمة المعتدين وفقاً لما تؤكده تقارير نقابة الصحافيين التونسيين، ما فاقم المخاوف من عودة الدولة البوليسية ومحاولات قمع حرية التعبير ونشر المعلومات، وغذّت حادثة المداهمة الأمنية لمقر وكالة تونس إفريقيا للأنباء واعتداؤها على الصحافيين هذه المخاوف.

واعتبر مسؤول في وزارة الداخلية في تصريح مقتضب لرصيف22 أن لا وجود لأي سياسة ممنهجة للاعتداء على الصحافيين وأن وزارة الداخلية محايدة ومهمتها تأمين المواطنين وليس الاعتداء عليهم.

من جانبها، طالبت النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين في بيان لها رئاسة الحكومة ووزارة الداخلية، بالاعتذار عن الاعتداءات بالعنف وانتهاك حرمة مؤسسة وكالة تونس إفريقيا للأنباء، كما طالبت رئيس الجمهورية بتحمل مسؤولياته باعتباره حامياً للدستور والحقوق والحريات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard