"نمبر وان"... كيف تضخّم محمد رمضان وابتلع الجميع؟

الجمعة 4 يونيو 202110:37 ص

"صحيت النهاردة من النوم على تليفون من بنك CIB بيقول لي: أستاذ محمد رمضان؟ قلتلو: أفندم؟ قال لي الدولة تحفظت على فلوسك. قولت له أنا وفلوسي وبيوتي ولحم كتافي ملك بلدي وملك أهل بلدي. إيه المشكلة يعني؟ قال لي أنا قولت أقول لك علشان متتحطش في موقف محرج، لو هتشتري بالفيزا ممكن متلاقيش فلوس. قلت له الشعبيين اللي زي حالاتي والفلاحين والصعايدة قد ما بيحطو في البنك قد ما بيسيبو في بيوتهم. مستورة".

هذا ما قاله الفنان المصري محمد رمضان في فيديو قصير نشره على صفحاته الخاصة على فيسبوك وإنستغرام، مستغلاً تنفيذ حكم قضائي ضده بتعويض الطيار أشرف أبو اليسر بستة ملايين جنيه لما لحق به من ضرر، جراء نشر رمضان صورة في قمرة قيادة طائرة كان يقودها أبو اليسر، ما دفع هيئة الطيران المدني إلى معاقبة الأخير بسحب رخصته مدى الحياة، لانتهاكه معايير السلامة المهنية.

اختزل رمضان بشكل غير مباشر ما يحكم علاقته بـ"الجمهور" وبـ"الدولة" المصرية، في إشارته إلى انتمائه للطبقات المصرية الفقيرة "الشعبيين اللي زي حالاتي"، بعد تأكيده على مبايعة "رمزية" للدولة المصرية. وكل ذلك في سياق ترويجي واستغلالي لشعبيته، إذ تشير مواقفه المتتالية إلى إطاحته بكل شيء في سبيل الـ"أنا" التي يرمز إليها دوماً بشكل غير مباشر بـ"نمبر وان".

ما القصة؟

في تعليقه على الأمر، يقول المحامي عبد الستار البلشي لرصيف22 إن استغلال رمضان لتنفيذ حكم التعويض عبر ظهوره في فيديو يدّعي فيه "التحفظ على أمواله" يعرّضه للمساءلة القانونية، أي يمكن محاسبته على نشره معلومات مزيفة.

وأوضح "مصدر قضائي" أن التحفظ على أموال رمضان لا اختصاص للنيابة العامة فيه، والأمر متعلق بتنفيذ حكم قضائي. كما أصدر البنك التجاري الدولي CIB بياناً أشار فيه إلى أن المسألة هي "حجز على حساب عميل أو منعه من التصرف فيه"، وفق حكم قضائي من جهة قضائية.

ويشير البلشي إلى أن قرار الحجز الإداري على الحسابات البنكية يصدر من المحكمة لتنفيذ حكم قضائي، وينتهي فور استيفاء الحقوق، ويسترد المحكوم عليه أمواله وحسابه بعدها مباشرة.

ولفت إلى أن محامي المدّعي يمكنه أن يطالب بالحجز الإداري قبل إصدار الحكم، إذا خشي ضياع حقوقه، وهنا يخضع الأمر لسلطة القاضي التقديرية، لكنه يكون محسوماً بحال صدور حكم قضائي نافذ.

وفي السياق عينه، قرر المحامي المثير للجدل سمير صبري رفع دعوى قضائية ضد رمضان، لتعمده نشر أخبار كاذبة "تهدد الاقتصاد القومي"، وطالب بالتحفظ على أمواله ومنعه من مغادرة البلاد، والتحفظ على بقية الأموال التي يدّعي أنها بحوزته في منزله.

تضخم "نمبر وان"

شهادة الفنان المصري عمر الشريف بموهبة محمد رمضان ساعدته على تخطي حواجز زمنية، وعجّلت في بروز نجوميته، إذ اعتبر الفنان العالمي أن رمضان يمكن أن يكون أفضل منه "بكتير".

خمس سنوات فقط بعد هذه الشهادة، أدى رمضان أول دور بطولة في فيلم، وكان ذلك في فيلم "الألماني" (2012) الذي جسد فيه شخصية شاب يقطن في أحد الأماكن العشوائية، ويسعى إلى توفير لقمة عيشه بالبلطجة والطرق غير المشروعة.

تشير مواقف محمد رمضان المتتالية إلى إطاحته بكل شيء في سبيل الـ"أنا" التي يرمز إليها دوماً بشكل غير مباشر بـ"نمبر وان"

غالباً، لم تختلف الخلطة التي أبرزت رمضان طوال أعماله الفنية الجماهيرية، سينمائياً ودرامياً: فيلم "قلب الأسد" (2013)، مسلسل "الأسطورة" (2016)، فيلم "الديزل" (2018)، مسلسل "زلزال" (2019). دائماً هناك البطل المظلوم طوال الأحداث، والذي ينتصر لنفسه في النهاية، وغالباً يعيش في منطقة عشوائية، بين "مسجلين خطر".

حقق رمضان نجاحاً جماهيرياً ضخماً عوّضه عن لوم النقاد والمشاهدين المثقفين الذين انتقدوه بشراسة وحمّلوه مسؤولية المشاركة في تفشي البلطجة والتحرش الجنسي في المجتمع المصري. أما هو، فيعتبر أنه يقدّم الشخصيات "بواقعية وصدق"، وهذا هو "سر انتقادها وتسليط الضوء عليها".

جماهيرية رمضان دفعته مبكراً إلى مناطحة الفنان المصري عادل إمام، إذ تفاخر في حلقة في برنامج "مساء دي إم سي" عام 2017 بقوله: "وقّعت مع شبكة قنوات mbc لعرض مسلسل ‘الأسطورة’ بأعلى أجر في مصر، حتى أعلى مما تقاضاه عادل إمام عن مسلسل ‘مأمون وشركاه’".

في الوقت الذي يهادن فيه النجم الشاب جمهوره على مواقع التواصل الاجتماعي ويصفه بـ"جمهوري العظيم"، ويتحدث عن "ثقتي في الله وفي جمهوري اللي دايماً في ظهري"، يحسم خلافاته في الوسط الفني بالصدام، وقد يصل الأمر إلى إنتاج أغنية يتعمد فيها إيصال رسائل إلى بعض الفنانين. فكلمات أغنية "الدبابة" كانت موجهة للفنان أحمد الفيشاوي: "إيه مالك اتخضّيت، تشوفني تقول يا ريت، رقم 1 مش تو، واخد قراري ولازم أكسب أي فورة، مع اعتذاري للفيشاوي أخره معايا صورة".

كما تهكّم على الفنان بيومي فؤاد ووصفه بـ"زميلي النحيت"، إثر انتقاده لمسلسل "الأسطورة"، فكتب على صفحته على فيسبوك: "ما شاء الله وكان عندك وقت كمان تشوف الأسطورة يا بيومي؟ ده أنت تمسك القلم وتشتغل ناقد بصوت رفاعي الدسوقي، سيبك من النقد وركز في شغلك زميلي النحيت".

حتى الآن، يربح رمضان معاركه ويراكم شعبية عبر خلق "تريندات" على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى وإنْ كان مضمون ما يروجه مزيف، وما الفيديو الأخير سوى فصل في هذا الكتاب

ولا يتوانى عن انتقاد فنانين لديهم جماهيرية كبيرة وقبول نقدي معقول، مثل أحمد السقا ومحمد هنيدي وأحمد حلمي، إذ يصفهم بالـ"الكسل"، لقلة رصيدهم الفني، سينمائياً ودرامياً.

وتماشياً مع نهجه، عندما قرر خوص تجربته المسرحية "أهلاً رمضان"، عام 2016، اختار عرضها على مسرح "الزعيم" في الهرم، وهو المكان الذي شهد عروضاً مسرحية لأعمال عادل إمام لسنوات طويلة إلى أن ارتبط باسمه.

تقول أستاذة علم الاجتماع في جامعة عين شمس سامية خضر لرصيف22 إن تصرفات محمد رمضان على مواقع التواصل الاجتماعي هي للفت الانتباه، وكسب مساحة أكبر من النجومية، وتتهمه بأنه "يؤجج أحقاداً لدى المجتمع المصري ويفتح مجالاً لارتكاب الجرائم، والفساد، خاصة وأنه يصر دائماً على استعراض أمواله وسياراته الفخمة".

وترى خضر أن الصورة الذهنية التي يخلقها رمضان لدى قطاعات عريضة من الشباب هي خطة الوصول إلى الثراء بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة، خاصة في ظل إصرار شركات الإنتاج على مفاهيمه التي يقدمها في أعماله الدرامية.

تمسك محمد رمضان بتصاعد منحنى نجوميته، خاصة لدى "الشباب" و"الطبقات الشعبية" الذين تجاوبوا معه كـ"بطل شعبي" يجسد معاناتهم، ويقترب من تمثيل شخصياتهم بأدق تفاصيلها وتعبيراتها وسلوكياتها النفسية. والأكثر أهمية هو انتصارهم "الوهمي" في أعماله الفنية على كل ما يؤرقهم: سلطة أو شخصيات رفيعة في المجتمع.

تأييد الكل

دفعت جماهيرية رمضان في الأوساط الشعبية الدولة المصرية ممثلة في "القوات المسلحة" إلى استخدام ظاهرته لتمرير رسائل تجميلية للمجند ضمن صفوف الجيش المصري.

في لقاء تلفزيوني أثناء فترة تجنيده، ظهر محمد رمضان وهو يصف المساواة في المعاملة بين الجنود. وعن معاملة القادة له بشكل مختلف جذرياً عن بقية المجندين قال: "كانوا يحصلون على حقوق لم أحصل عليها بسبب أنني محمد رمضان، النجم المشهور".

واستكمالاً لهذا الاستثمار في ظاهرة رمضان، أُنتج فيلم تسجيلي بعنوان "حراس الوطن"، من بطولته، وظهر فيه بملابس "التجنيد" مجسداً الواقع اليومي لقوات الصاعقة المصرية داخل القوات المسلحة، ومستعرضاً الشعارات التي تتردد بين المجندين.

لا ينسى رمضان الـ"أنا" أبداً. في كل خطوة يخطوها، يركّز على جماهيريته. حتى في الفيلم التسجيلي المذكور يقول: "أنا محمد رمضان الفنان الذي يقضي فترة التجنيد" قبل أن يضيف: "لكني خلعت عباءة الفنان لأرتدي ملابس الجندية".

يكتفي الفنان المصري بإعلان تأييده للنظام فقط، دون تنظير سياسي قد يوقعه في مأزق يبتلعه، فمثلاً، كتب على صفحاته الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، تأييداً للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عام 2018: "صوتي للسيسي، ربنا يعينك ويوفقك ضد الإرهاب".

وإثر نشر المقاول محمد علي لفيديوهات يدعو فيها الشعب المصري للاحتجاج ضد سياسات السيسي، ظهر محمد رمضان، مستغلاً شعبية أغنياته، في فيديو كليب بعنوان "هم عايزينها فوضى" (2019)، في إطار حملة دعائية احترازية لإخماد التظاهرات.

ورغم ظهوره في فيديو يوثق تظاهرات ثورة 25 يناير "ضد نظام مبارك"، وتأييده لتظاهرات 30 يونيو باعتبارها "ثورة"، إلا أنه، كعادته، يحكمه "التريند"، فقد استغل حدث وفاة الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، وظهر في العزاء، بل نعاه بوصفه "رئيساً عظيماً، له إنجازات لا تُنسى".

يرتبط رمضان بعلاقة متينة بالسلطة المصرية، فهو إحدى القنوات الجماهيرية التي تمرر عبرها أفكارها إلى طبقات مهمشة يصعب الوصول إليها عبر فنانين آخرين، إذ يعتبره "الشعبيون" رمزاً للوصول إلى الثراء، كونه أحد أبنائهم الذين حققوا هذا الحلم.

بسبب هذه العلاقة، يتجاوز رمضان أزمات قد تدمّر آخرين، مثل أزمة نشر صورته مع المطرب الإسرائيلي عومير آدم وهو يحتضنه في دبي. وقتها، عاقبته السلطة، ممثلة بنقابة المهن التمثيلية ونقابة الصحافيين، بإيقاف تصوير عمله الدرامي "موسى"، وبمنع نشر صوره واسمه في الصحف والمواقع المصرية. وبعد امتصاص غضب الشارع، حُفظ التحقيق ورُفع حظر النشر، وعُرض مسلسل "موسى" (إنتاج شركة المتحدة الإعلامية التابعة للدولة المصرية)، ضمن موسم رمضان 2021.

حتى الآن، يربح رمضان معاركه ويراكم شعبية عبر خلق "تريندات" على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى وإنْ كان مضمون ما يروجه مزيف، وما الفيديو الأخير سوى فصل في هذا الكتاب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard