أغلبها يؤيد بـ"شيك على بياض"... الأحزاب المصرية بين "بيت الطاعة السياسي" و"التغريد خارج السرب"

الخميس 3 يونيو 202111:28 ص
Read in English:

Unconditional‌ ‌Support‌ ‌–‌ ‌Egypt’s‌ ‌ Parties‌ ‌Pledge‌ ‌Allegiance‌ ‌to‌ ‌the‌ ‌Pharaoh‌

"العدد الأكبر" من الأحزاب السياسية المصرية صار يشبه مريضاً توفي "إكلينيكاً". كل الشواهد تؤكد فشلها في لعب دور حتى لو كان مجرّد "ماكياج" سياسي لوجه السلطة. أحزاب كثيرة تتحرك وتؤيد بـ"ريموت كونترول" تُمسك به الأجهزة السيادية التي أدخلت أغلب الأحزاب إلى "بيت الطاعة السياسي"، جبراً أو طواعيةً.

وعلى الرغم من أنّ نظام الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك كان يتعامل مع الأحزاب المعارضة باعتبارها "ملفاً أمنياً"، حتى لو كانت تمارس معارضةً كرتونيةً، إلا أنّ هذا الملف صار الآن "كله" يجرى التعامل معه بطريقة أمنية سواء أكانت تلك الكيانات "مواليةً" أو "معارضةً"، في محاولة لأن تكون كل الأحزاب "تحت السيطرة".

يجذب انتباه المراقبين للشأن السياسي المصري ابتعاد "أحزاب سياسية كبرى" توصف بـ"الموالية" عن الإدلاء برأيها في القضايا المهمة التي تواجه مصر والمصريين، وعلى رأسها الآن قضية "سد النهضة".

ومن الأحزاب المتهمة بـ"الصمت غير المقبول"، "الوفد"، وهو حزب ليبرالي يرأسه الآن المحامي بهاء الدين أبو شقة، ويحظى بتمثيل في مجلسي الشيوخ والنواب؛ و"مستقبل وطن" الذي يرأسه الرئيس الأسبق للمحكمة الدستورية العليا المستشار عبد الوهاب عبد الرازق، ومن أشهر أعضائه أمينه العام والنائب الأول لرئيسه وزعيم الأغلبية في مجلس النواب أشرف رشاد.

وفي القائمة أيضاً، يأتي حزب "الشعب الجمهوري" الذي يتبنى أفكاراً ليبرالية اجتماعية، ويرأسه حازم عمر، ومن أشهر أعضائه النائب ورجل الأعمال المصري الشهير أحمد أبو هشيمة؛ و"حزب المؤتمر" الذي أسسه أمين عام جامعة الدول العربية الأسبق عمرو موسى، ويرأسه الآن الربان عمر المختار صميدة؛ و"الحركة الوطنية المصرية" الذي أسسه المرشح الرئاسي الأسبق الفريق أحمد شفيق، في كانون الثاني/ يناير 2013، ويرأسه الآن اللواء رؤوف السيد.

أين دور ووجهات نظر تلك الأحزاب الكبرى "الموالية" والمدعومة من السلطة؟ لا تجد. أين آراء قادتها وأعضائها؟ لا تجد. صارت أغلب مواقفها في كافة القضايا تأييداً للسلطة بـ"شيك على بياض".

وعلى غرار تعامل تلك الأحزاب مع قضية مثل "سد النهضة"، تستمر مواقف غالبيتها في التأييد الأعمى لقرارات السلطة السياسية، سواء أكانت متعلقة بـ"أزمة كورونا"، أو بملفات خارجية مثيرة للقلق، أو بأزمات اقتصادية، أو بحوادث كبرى تظهر في بعض الأحيان مثل "حوادث القطارات".

أصوات خارج السياق

أحزاب قليلة تحرص على التغريد خارج السرب، وتحاول الإفلات من القبضة الحديدية التي تخنق العمل السياسي، أبرزها "الكرامة"، وهو حزب ناصري أسسه السياسي والمرشح الرئاسي الأسبق حمدين صباحي، ويرأسه الآن المعارض البارز أحمد طنطاوي؛ و"المصري الديمقراطي الاجتماعي"، وهو حزب تأسس عام 2011، ويتبنى أيديولوجية ليبرالية اجتماعية، ويرأسه فريد زهران؛ فضلاً عن "التحالف الشعبي الاشتراكي"، وهو تجمع يساري التوجه تأسس عقب ثورة 25 يناير، ويرأسه مدحت الزاهد، ومن أشهر أعضائه النائب السابق هيثم الحريري؛ وكذلك "الدستور" الذي أسسه الدكتور محمد البرادعي، عام 2012، ويرأسه الآن علاء الخيام؛ و"العيش والحرية" الذي ما زال تحت التأسيس.

من هذه الأحزاب "الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي". فبرغم مشاركته في القوائم الانتخابية التي "هندستها" الأجهزة السيادية في العام الماضي، إلا أنه كانت له عدة مواقف مغايرة تتجاوز "السقف" الذي تعمل طبقاً له غالبية الأحزاب، و"تشاغب" مع السلطة.

الحديث السابق يؤكده الموقف المتشدد لهذا الحزب تجاه واقعتين مهمتين: طالب في بيان بإقالة وزير الخارجية سامح شكري، ومحاسبته لمخالفته موقف الإدارة المصرية المتعلق بالملء الثاني لسد النهضة، مشيراً إلى أن الخارجية الإثيوبية استغلت تصريحاته واستخدمتها لتسوّق حول العالم أن مصر تعتبر أن هذه الخطوة لن تؤثر على احتياجاتها المائية.

وفي الواقعة الثانية، ناقش عضو الحزب النائب فريدي البياضي الوزير سامح شكرى حول البيان الذي أصدرته 31 دولة وأعربت فيه عن قلقها من انتهاك الحريات في مصر أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. وقال البياضي في حديثه لشكري: "إن إنكار وجود مشاكل في ملف حقوق الإنسان وإنكار وجود تضييق في الحريات هو أشبه بدفن الرؤوس في الرمال"، مطالباً الحكومة المصرية برد مفصل عمّا أنجزته مصر في ملف حقوق الإنسان وبتحديد المشكلات الموجودة بالفعل وما هي خطة الدولة لإصلاحها.

بدوره، يبرز حزب "الكرامة" كصوت ينتقد السلطة ويساجلها. إلى جانب الندوات التي ينظّمها عن الحبس الاحتياطي وأوضاع المحبوسين وطرق التضامن معهم والدعم القانوني لهم، وإدانته مسلسل التصفية في الشركات والمصانع، طرح أحمد طنطاوي رؤيته بشأن قضية "سد النهضة"، مشيراً إلى أنها الخطر الأكبر الذي يهدد الدولة المصرية، لافتاً إلى أن رؤيته للحل تتركز في "التفاوض والتعاون وإشراك المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته، والاستخدام المشروع للقوة في إطار القانون الدولي والمعاهدات الثنائية والجماعية لدول حوض النيل، وطرح حزمة من الحوافز الاقتصادية وتقاسم المنافع المشتركة في المياه وجوانب اقتصادية أخرى بين مصر وإثيوبيا، وإشراك المجتمع الدولي في تحمل مسؤولياته في حفظ السلام والأمن"، مؤكداً أن "دفع المنطقة لحالة من التوتر ليس في مصلحة أحد، ومصر لديها خيار تستطيع اللجوء إليه بتقديم شكوى لمجلس الأمن الدولي باعتباره المسؤول عن حفظ الأمن والسلم الدوليين، تحت البند السابع الذي يجيز استخدام القوة".

أين دور ووجهات نظر الأحزاب الكبرى "الموالية" والمدعومة من السلطة؟ لا تجد. أين آراء قادتها وأعضائها؟ لا تجد. صارت أغلب مواقفها في كافة القضايا تأييداً للسلطة بـ"شيك على بياض"

ولكن، وعلى الرغم من وجود السياسي المعارض الشهير، والعضو السابق في البرلمان المصري أحمد طنطاوي على رأس حزب "الكرامة"، فإنّ ذلك لم يسهم، حتى الآن على الأقل، في تدشين مسار جديد لهذا الحزب، أو تحقيق طفرة من ناحية تواجده في الشارع المصري. يأتي ذلك في وقت يتمتع فيه طنطاوي بحالة قبول كبيرة في الشارع. وتُرجع غالبية القيادات المعارضة هذا الأمر إلى التضييقات الأمنية، والتعتيم الإعلامي على تحركات الحزب.

دعوات لدمج الأحزاب

حالة الضعف التي تعاني منها الأحزاب المصرية التي يزيد عدها عن 104، كانت سبباً في ظهور دعوات لدمجها على فترات زمنية متفاوتة، ومنها ما طرحه الكاتب الصحافي ياسر رزق، الرئيس السابق لمجلس إدارة مؤسسة "أخبار اليوم"، بشأن إجراء حوار شامل بين الأحزاب بهدف "دمج المتشابه منها في البرامج والأفكار والتوجه السياسي لتشكيل كتل سياسية تعبّر عن اليمين واليسار والوسط، قادرة على الفرز وانتقاء العناصر ذات الكفاءة وتأهيل الكوادر القيادية لخوض الانتخابات بدءاً من المحليات وحتى رئاسة الجمهورية".

واقترح رزق المقرب من دوائر صُنع القرار، أن يبدأ حزبا "الوفد" و"مستقبل وطن" هذا الحوار، مشيراً إلى أنه لا توجد "أحزاب قوية ذات قواعد جماهيرية راسخة غير مصطنعة، تستطيع الصمود في مواجهة الأنواء السياسية، وتقود الجماهير ولا تنقاد لنزعات غير عقلانية أو نزوات وقتية".

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد سبق رزق في الدعوة إلى دمج الأحزاب السياسية، مبرراً طرحه بكثرة عدد الأحزاب وبأن دمجها يزيد قدرتها.

وفي نيسان/ أبريل 2018، تحدّث السيسي عن ضرورة التعاون بين رؤساء الأحزاب السياسية، وإجراء مفاوضات بينهم، حتى يحدث تقارب بين هذه الكيانات، سواء عن طريق "الدمج" أو التحالف السياسي حول القضايا المختلفة، وفي المعارك الانتخابية.

وفي وقت "تُهمَّش" فيه أغلب الأحزاب، إلا المرضي عنها، وتظهر دعوات الدمج، تجد "تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين" دعماً واهتماماً كبيرين من السلطة: تغطية إعلامية موسعة في غالبية الوسائل الإعلامية، "تلميع" ولقاءات تلفزيونية لأعضائها، مقالات لهم وحوارات في الصحف الكبرى المملوكة للدولة.

صار هذا الكيان السياسي "البوابة الملكية" للولوج إلى المناصب العليا في الدولة، والتعيين في المجالس النيابية والتشريعية، وحتى الإعلامية والصحافية: له 31 مقعداً في مجلس النواب، و12 مقعداً في مجلس الشيوخ، و6 أعضاء في اللجان النوعية في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، فضلاً عن تعيين خمسة منه نواباً للمحافظين.

قضايا مستحبة وأخرى غير مستحبة

يعتبر اللواء محمد الغباشي، مساعد رئيس حزب "حماة الوطن"، أن حزبه تشكل من رحم "ثورة 30 يونيو"، بهدف ممارسة السياسة لصالح أمن واستقرار الوطن، ويعتبر أنّ هناك نوعين من القضايا السياسية الكبرى: قضايا يمكن أن تشارك فيها الأحزاب بنشاط، وأخرى لا يُستحب أن تشارك فيها أصلاً.

وحزب "حماة الوطن" يرأسه الفريق جلال هريدي، أحد مؤسسي "سلاح الصاعقة" في القوات المسلحة المصرية، ووُصف حين تأسيسه بأنه من "أحزاب الجنرالات" التي ظهرت في السنوات الأخيرة، وضمّت عدداً كبيراً من العسكريين ولواءات الجيش المتقاعدين.

"الدولة تدفن الأحزاب... حتى حزب الوفد لم يتبقَّ منه سوى اسمه... وكل الأحزاب تهرول وراء ما تراه السلطة وما يراه الأمن، هذه كيانات ليس لها آراء مستقلة في ما يخص السياسة الداخلية أو الخارجية"

وكان هذا الكيان السياسي من الأحزاب الداعمة بقوة لانتخاب السيسي، كما حشد أماناته ومقراته في المحافظات المصرية لتأييد التعديلات الأخيرة على الدستور المصري، والتي أقرّت في نيسان/ أبريل 2019، بـ88.33% من أصوات الناخبين، وشملت بنوداً أهمها تمديد فترة الرئاسة لست سنوات.

ويقول الغباشي لرصيف22: "في موضوع سد النهضة، مشاركة الأحزاب السياسية مفروض أن تكون بالتأييد والدعم فقط للمواقف السياسية التي تتخذها قيادات الدولة، لأن هناك كثيراً من المعطيات والمعلومات التي لا يعلمها إلا متخذ القرار، فلو قالت هذه الأحزاب رأياً من تلقاء نفسها يكون منقوصاً، وقد يكون هذا الرأي سليماً من وجهة نظر الحزب، ولكنه خطأ بالنظر إلى الرأي العام أو رأي الدولة".

ويكشف مساعد رئيس حزب "حماة الوطن" أن حزبه شارك في مواجهة الأزمة الناجمة عن انتشار فيروس كورونا، من خلال توزيع المواد الطبية في جميع المحافظات المصرية، وتوزيع إعانات مالية للمتضررين، وكذلك شارك في قافلة المساعدات التي توجهت إلى قطاع غزة مؤخراً، مشيراً إلى أن الحزب يدعم قرار الدولة بإعمار غزة.

ويؤكد: "حزب حماة الوطن هو أكثر حزب شارك في القضايا التي تخص الأمن القومي المصري: توفير رغيف العيش أمن قومي، توفير الخدمة الطبية أمن قومي، لأن الأمن القومي ليس سلاحاً ورعاية حدود فقط".

وبشأن الدعوات التي تظهر على فترات لدمج الأحزاب السياسية المصرية، يؤيد الغباشي هذا التوجه، ويقول إنه يساعد في تقديم دعم لهذه الكيانات من قبل الدولة، بدلاً من حالة التشتت الحالية، وبدلاً من وجود أحزاب يقتصر دورها على مجرد إصدار بيانات سياسية، وبرامجها كلها نسخة واحدة، ولا تمتلك أمانات أو مقرات في المحافظات.

يفسر الغباشي حالة الضعف التي تعاني منها أغلب الأحزاب المصرية، بأنّ الحياة الحزبية قبل ثورة 25 يناير 2011، كانت عبارة عن مسرحية معدّة التجهيز مسبقاً، فالحزب الوطني الديمقراطي كان يتحكم بكل شيء، والمعارضة كانت شكلية بحدود معيّنة وتشارك بتوجيه من القيادة السياسة وقتها، متابعاً: "قبل 2011 عشنا سياسة تمثل مسرحية هزلية، حتى الحزب الوطني الديمقراطي لم يكن داخل أروقته تناول حقيقي للقضايا بشكل يسمح بوجود الرأي والرأي الآخر، الحزب كان يُدار بقرار ورأي الرجل الواحد".

"مع سوء الأحوال الاقتصادية، الناس ترى أن الاهتمام بالسياسة رفاهية"

يعتبر الغباشي أن الفترة التي تلت ثورة يناير تشكلت فيها أحزاب تنقسم إلى ثلاثة أنواع: أحزاب تشكلت على أساس ديني، حُل أحدها بعد 30 يونيو وتحتاج الأخرى إلى حل؛ ثم أحزاب استعانت بكوادر الحزب الوطني المنحل؛ والنوع الثالث كانت أحزاب سيطر عليها رجال الأعمال.

"الدولة تدفن الأحزاب"

يختلف الدكتور عمرو هاشم ربيع، نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والخبير في الشؤون البرلمانية، مع تفسيرات الغباشي لحالة ضعف الأحزاب وغيابها عن مناقشة القضايا السياسية الكبرى، ويؤكد أن الحالة التي وصلت إليها الأحزاب وراءها عدة أسباب أهمها الاستمرار في فرض قانون الطوارئ، والنظام الانتخابي الذي يحدّ من وجود هذه الكيانات السياسية في البرلمان، وعدم وجود تمويل ذاتي لها، فضلاً عن غياب الديمقراطية داخل تلك الأحزاب نفسها.

لا يتفق ربيع مع تبرير قيادات حزبية لعدم حديث أحزابهم في القضايا الكبرى مثل سد النهضة بأنها قضية "أمن قومي"، ويقول لرصيف22: "هذا كلام فارغ وتافه وليس له أي قيمة، الأحزاب في إسرائيل مثلاً ليس لها حديث سوى يهودية الدولة، ومستقبل الفلسطينيين، والأرض، ولكن نحن هنا في حالة فراغ وشلل سياسي كامل يُسأل عنه طرفان: السلطة والأحزاب".

برغم هجومه على الأحزاب وأدائها، إلا أنّ "ربيع" يرى أن هناك أحزاباً إلى حد ما تحاول الاشتباك مع القضايا المهمة، ولكن بحدود وسقف أيضاً، ضارباً بأحزاب "المصري الديمقراطي الاجتماعي"، و"الكرامة" و"التجمع الوطني التقدمي الوحدوي" (أشهر الأحزاب المصرية اليسارية ويرأسه حالياً عضو "مجلس الشيوخ" سيد عبد العال).

ويتابع نائب مدير مركز الأهرام: "الدولة تدفن الأحزاب، فبدلاً من استخدامها نظام القوائم النسبية في الانتخابات وإنعاش وجود هذه الأحزاب في الحياة السياسية، استخدمت القائمة المطلقة. هذا أمر في منتهى السوء. حتى حزب الوفد لم يتبقَّ منه سوى اسمه، وكل الأحزاب تهرول وراء ما تراه السلطة وما يراه الأمن، هذه كيانات ليس لها آراء مستقلة في ما يخص السياسة الداخلية أو الخارجية"، مشيراً إلى أنّ الدولة ليس فيها سوى قوتين منظمتين: "القوة الأمنية" و"البروقراطية".

أما النائب أحمد مهنى، وكيل لجنة القوى العاملة في "مجلس النواب"، ونائب رئيس حزب الحرية المصري، وهو حزب تأسس عام 2011، فيرى أنه رغم العدد الكبير للأحزاب إلا أنّ المتواجد منها على الساحة لا يصل إلى عشرة، والبقية اختفت نهائياً وليس لها أي دور في قضايا الدولة، كاشفاً عن تساقط أحلام العديد من "الساسة" الذين كانوا يحلمون بعد ثورتي "25 يناير" و"30 يونيو" بأن يكونوا قادةً يساندهم ظهير شعبي وظهير سياسي من نواب البرلمان أو نواب المحليات، فالتجربة أثبتت أن هذه الأحلام لا تحقق من فراغ ولكن لها متطلبات.

يقول مهنى لرصيف22 إن بروز حزب سياسي الآن على الساحة المصرية يتطلب العديد من المقوّمات مثل: الإمكانيات المالية، لا سيما أن الدعم المالي للأحزاب توقف بعد ثورة 25 يناير، إذ كان كل حزب يحصل قبل تلك الثورة على 100 ألف جنيه (سنوياً) تكفيه في تلك الفترة الزمنية على الإنفاق على مقراته، وتنظيم بعض الفعاليات السياسية، وهو مبلغ يعادل الآن في قيمته أكثر من نصف مليون جنيه.

يتحدث أكثر عن الشخصيات السياسية القوية والنواب أصحاب الشعبية الطاغية في الشارع المصري، ويقول إنّ هذا العامل يساعد الحزب في التواجد على الساحة السياسية، والتفاف الشارع حوله، فالناس دائماً تذهب إلى الشخص والكيان القوي، ولكن غياب مقوّمات بروز الأحزاب كان سبباً في القضاء على غالبية الأحزاب التي كان يحلم رؤساؤها بأن يصيروا نواباً في مجلسي النواب والشيوخ، أو الاقتراب من رجالات السلطة، وهذه أهداف وغايات ومصالح شخصية لا تصنع كيانات سياسية كبرى.

ويتابع: "العدد الكبير للأحزاب، أي 104 أو 106، هذا موجود في أوراق لجنة شؤون الأحزاب فقط، ولكن على أرض الواقع لا يوجد سوى 10 أو 12 حزباً فاعلاً، وحتى هذه الأحزاب تتدرج من حيث القوة، فمنها القوي المتواجد فعلاً سواء بين الناس أو في مجلسي النواب والشيوخ، ومنها المتوسط القوة، ثم أحزاب أخرى يقتصر تواجدها على البيانات التي تصدرها للتفاعل مع القضايا التي تدور في الدولة، وبقية الأحزاب مُحيت تماماً من الخريطة".

يرى مهنى أن تواجد الأحزاب في مصر "تواجد موسمي"، بمعنى أنه عندما تكون هناك انتخابات تجد الحزب "فاتح أبوابه والناس كلها بتجري عليه"، وهذه طبيعة السياسي المصري التي تكشف عن أنه ليس سياسياً طوال الوقت، ولكنه سياسي وقت الحدث فقط، ضارباً المثل بالأحداث الأخيرة في فلسطين فقد أصدرت بعض الأحزاب بيانات تضامنية، أو نظمت ندوات، أو شاركت في قافلة مساعدات توجهت إلى قطاع غزة، نافياً أن تكون كل الأحزاب المصرية قادرة على المشاركة في حدث مثل هذا.

وبشأن مشاركة أو دور الأحزاب السياسية في القضايا الكبرى التي تحيط بالدولة مثل سد النهضة، يؤكد أنّ هناك قضايا تتعلق بالأمن القومي المصري، لا يكون الحديث فيها كثيراً في الصالح العام، ولذلك ترفع بعض الأحزاب شعار "خلينا بعيد أحسن". وعلى الجانب الآخر، ينقل بعض النواب في مجلسي النواب والشيوخ وجهات نظر أحزابهم إلى اللجان المتخصصة في تلك المجالس، أو في "ورش العمل"، وهي تمثّل المنافذ الشرعية.

ويقول نائب رئيس "حزب الحرية المصري" إنّ من الأفضل ألا تتحدث شخصيات سياسية في ملفات لا تدرسها جيداً، خاصة ملف سد النهضة، ضارباً المثل باجتماع الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي مع قيادات حزبية وسياسية، وحديثهم عن استخدام القوة ضد إثيوبيا لحل أزمة سد النهضة، فبرأيه، هذا الاجتماع كان سبباً في تعقيد وبداية الأزمات مع إفريقيا كلها.

وعقد الرئيس المصري محمد مرسي جلسة حوار وطني مع القوى السياسية، في الثالث من حزيران/ يونيو 2013، لبحث تداعيات القرار الإثيوبي ببناء سد النهضة، واستجابت بعض قوى المعارضة، وفوجئت قيادات سياسية ببث وقائع اللقاء على الهواء مباشرة، واعتذرت الرئاسة المصري عما أسمته "الحرج غير المقصود" الذي خلفه بثه، والذي تضمن تلويح بعض الحاضرين باستخدام القوة، والتدخل في الشأن الإثيوبي، كما تضمن انتقادات حادة للموقف السوداني من القضية.

كخلاصة، يؤكد مهنى تأييده لفكرة اندماج الأحزاب المتشابهة في الأيديولوجيات السياسية حتى يكون لدينا أربع أو خمس أحزاب قوية على أن يكون ذلك الاندماج بضمانات معيّنة، بعيداً عن الصراع على المناصب الرئيسية في هذه الكيانات السياسية، نافياً أن تكون السلطة السياسية تمارس تضييقاً على أحزاب المعارضة، ومؤكداً أن "الدولة تترك أي حزب يعمل في الشارع ما دام لا يعمل ضد مصالح الدولة المصرية".

من جانب آخر، يرى النائب السابق في مجلس النواب المصري، وعضو المكتب السياسي لحزب "التحالف الشعبي الاشتراكي" المعارض، هيثم الحريري، أنّ الأحزاب لم تنسحب من المشاركة في مناقشة القضايا الكبرى، أو طرح وجهات نظر بشأنها، ولكن الأزمة أن هناك تهميشاً وتقييداً لنشاط تلك الأحزاب.

ويضيف الحريري لرصيف22 أنه على الرغم من ذلك فإن هناك عدداً محدوداً من الأحزاب الجادة التي لها مواقف واضحة قوية بشأن القضايا الكبرى مثل "سد النهضة"، وتحاول التعبير عن هذه المواقف من خلال إصدار بيانات، أو تنظيم ندوات، مستدركاً: "لكن المشكلة أن النظام السياسي الحالي يرى أن الأحزاب لا يجب أن يكون لها دور الآن، وبالتالي لا توجد حياة سياسية"، مؤكداً أنّ هذه الحالة تنسحب أيضاً على الوسائل الإعلامية المختلفة التي لا تطرح الرأي والرأي الآخر، لكن المطروح الآن "رأي واحد واتجاه واحد".

يشير الحريري إلى أنّ حزب التحالف الشعبي الاشتراكي يناقش دائماً كل القضايا الكبرى سواء عن طريق البيانات الرسمية التي يُعلن فيها عن موقف بشكل واضح وصريح، أو عن طريق الندوات الإلكترونية التي ينظمها على صفحته الرسمية على فيسبوك، ويستعين من خلالها بالخبراء المتخصصين في هذه القضايا. بالطريقة الأخيرة، ناقش الحزب قضايا سد النهضة، الملفات الخارجية مثل ليبيا، أحداث فلسطين، أزمات كورونا، القضايا الخاصة بالمعاشات، كما أن "الحزب دائماً ما يقدّم توصيات بشأن ما يراه بخصوص تلك القضايا، ولكن المشكلة أنه لا توجد نية حقيقية لإيجاد حياة سياسية".

وبشأن وجود شخصيات شهيرة على رأس الأحزاب، مثل أحمد طنطاوي، وإمكانية أن يساعد ذلك على تواجدها بقوة في الشارع، قال: "وجود هذه الشخصيات قد يكون مجرد تزكية لهذه الأحزاب أمام المنافسين، ولكن في الوقت ذاته لن يضيف كثيراً للحزب في ظل وجود حياة سياسية مقيّدة بالسلاسل. ومع سوء الأحوال الاقتصادية، الناس ترى أن الاهتمام بالسياسة رفاهية".

ويضيف أنّ المواطنين الذين تخاطبهم الأحزاب أصلاً لديهم تخوفات أو حالة ترهيب من العمل السياسي، كما أن نظام الانتخابات، سواء في مجلس النواب أو الشيوخ، لا يشجع العناصر الأصلح على الدخول إلى تلك المؤسسات، ولكن يدخل الأكثر حظاً والذين ترضى عنهم السلطة، فضلاً عن أن "الإعلام لا يتيح لنا طرح وجهات نظرنا أو الوصول إلى المواطنين أو مناقشة قضايا مهمة".

وطالب عضو المكتب السياسي لـ"التحالف الشعبي الاشتراكي" بأن تكون للنظام إرادة سياسية لفتح المجال أمام العمل السياسي، متابعاً: "النظام يكون قوياً في حالة وجود معارضة سياسية قوية، والعكس. قبل الثورة، كانت هناك تدخلات أمنية في الحياة السياسية، وما زالت، ولكن كانت تتم في عصر مبارك بشكل أكثر حكمة".

وعن الكيانات السياسية التي ترعاها السلطة وتغدق على أعضائها المناصب والتعيينات، قال الحريري إنها كلها اختيارات أمنية لشخصيات أصلاً ليس لها تأثير في الشارع، وليس لها أي قضية حقيقية، مدللاً على ذلك بأن الأحزاب التي لها مواقف واضحة وقوية مثل "الكرامة"، "التحالف الشعبي الاشتراكي"، "الدستور"، ليست ممثلةً في البرلمان، متابعاً: "هناك أحزاب تعمل بطريقة براغماتية من أجل الاستمرار في الحياة السياسية، لكننا لن نعمل مثلها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard