"متحوّرات كورونا دخلت البلاد"... هل موريتانيا مستعدة لمواجهة الجائحة؟

السبت 29 مايو 202102:41 م

تتجدد هذه الأيام في موريتانيا الأحاديث حول جائحة كوفيد19، وذلك بعد فترة من الهدوء النسبي، وخفوت صوت الجائحة وانحسارها، حسب الأرقام الرسمية التي أعلنتها وزارة الصحة الموريتانية.

لكن إعلان وزارة الصحة الموريتانية عن وجود حالات من المتحوّر الهندي، والبريطاني، والجنوب إفريقي في موريتانيا، أقلق الناس وجعلهم يدقّون ناقوس الخطر، ويطالبون بإجراءات جديدة لمكافحة الفيروس وتجنّبه، حتى لا يجتاح البلد، ويضعف القطاع الصحي. هذا بالإضافة إلى أن أرقام الإصابات بدأت تشهد ارتفاعاً طفيفاً في الأيام الأخيرة، بعد أن كانت مستقرة طوال أشهر، ونادراً ما سُجلت حالات وفاة بين المصابين.

ومن الإجراءات الجديدة التي اتّبعتها الحكومة، زيادة حظر التجوّل ساعتين إضافيتين، ليبدأ من منتصف الليل وحتى السادسة صباحاً، بعد أن كان يبدأ عند الثانية فجراً.

ظهور المتحور الهندي في موريتانيا يثير المخاوف من موجة جديدة للوباء خاصة أمام تقاعس الدولة في توفير اللقاحات وإجراءات متراخية لمواجهة الوباء

ولو أن الأسباب لم تُذكر، وما من علاقة سببية، فقد أُعلن الأربعاء 26 أيار/ مايو الجاري، عن تغيير وزير الصحة إثر تعديل وزاري، وغادر الوزارة الدكتور نذير ولد حامد ليحلّ محله المدير السابق للصحة العمومية في الوزارة، سيدي ولد الزحاف الذي كان المكلَّف الأول بملف كورونا في البلاد.

في حديث لرصيف22، قال الطبيب في مستشفى حمد في مدينة بوتلميت عبد الله محمد إسحاق: "يعاني القطاع الصحي قصوراً مزمناً منذ ما قبل الوباء، والموجة الثالثة بوادرها بدأت، وسيزيد انتشارها أمران: مسيرات نصرة غزة والأقصى، ووجود حالات من الإصابة بمتحوّرات كورونا الجنوب إفريقية، والبريطانية، والهندية، كما أعلن وزير الصحة صبيحة يوم المسيرات. والسلالة الهندية معروفة بسرعة التفشي، وبكونها فتّاكة حتى في أوساط الشباب".

وكانت موريتانيا شهدت في 19 أيار/ مايو مسيرة عُدّت من أضخم المسيرات التي حصلت في العاصمة الموريتانية نواكشوط، وذلك للتضامن مع أهل فلسطين بسبب قضية حيّ الشيخ جرّاح، والقصف الذي تعرضت له غزة.

والنشاط التضامني الجماهيري الكبير ليس النشاط الوحيد أو الاستثنائي الذي حدث في العاصمة نواكشوط، أو في مدن الداخل، إذ شهدت موريتانيا مؤخراً العديد من الأنشطة والتجمعات السياسية والدينية والثقافية والاحتجاجية، بالإضافة إلى الاحتفال بعيد الفطر.

تراخٍ في الاستعداد للموجة الثالثة

حسب آخر المعطيات الإحصائية التي تصدرها وزارة الصحة الموريتانية بخصوص الجائحة، تبلغ الحصيلة الإجمالية للإصابات بكوفيد19 (حتى 27 أيار/ مايو الجاري)، نحو 20 ألف إصابة، و462 حالة وفاة (ما يشكّل نسبة 2% من إجمالي عدد الإصابات).

وكانت أرقام الإصابات منخفضةً في الأسابيع الماضية، إلا أنها أخذت منحى تصاعدياً، وارتفعت أعداد الوفيات، ما أقلق البعض من خطر تجدّد ضرب الجائحة لموريتانيا، وازدادت مخاوف المراقبين من الموجة الثالثة وسط حالة ملحوظة من عدم الاهتمام من قبل السلطات والمواطنين على حد سواء، إذ لم تُتّخذ إجراءات احترازية جديدة تواكب الوضع، ولم يبقَ من الإجراءات التي اتُّبعت في الموجتين الأولى والثانية غير حظر التجوّل لمدة ست ساعات. ويرى البعض أن الحظر أمني أكثر منه صحي، فالأسواق لا تزال مفتوحة، والتجمعات بمختلف أشكالها مستمرة، وحركة الطيران لم تتوقف. وكانت الوزارة قد أعلنت أنها اتخذت إجراءات تخص القادمين من الخارج، خاصةً من الدول التي ظهرت فيها السلالات المتحوّرة، وذلك في بيان أصدرته جاء فيه أن: "جميع المسافرين القادمين من الدول مصدر السلالات الجديدة (المملكة المتحدة، جنوب إفريقيا، البرازيل، الهند وغيرها)، يتم إخضاعهم تحت إشراف السلطات الصحية الوطنية، عند نقاط الدخول، لعزل مؤقت، ونقل آمن إلى مكان الحجر الصحي، والتكفّل بهم لمدة عشرة أيام، وإجراء فحص PCR بعد انقضاء المدة، وفي حال ظهرت النتيجة سلبية، يتم إنهاء العزل. أما في حال ظهرت النتيجة إيجابية، فيتم التكفّل بهم، بناء على البروتوكول الوطني، كما يتم إخضاعهم لفحص PCR ثانٍ، للتحرّي، في انتظار التأكد مما إذا كانت الإصابة بالمتحوّر الجديد". وقال بيان الوزارة إنه "للخروج من العزل، يتم إجراء فحص PCR لحاملي السلالات المتحوّرة، بصورة نظامية، وفي حال ظهرت النتيجة إيجابية، يتم تجديد العزل سبعة أيام إضافية".

وكانت السلطات الموريتانية قد أغلقت الحدود خلال الموجة الأولى، وأوقفت حركة الطيران، ومنعت التنقّل بين المحافظات، والتجمعات، وصلاة الجمعة، كما أمرت باتّباع إجراءات خاصة في الصلاة العادية في المساجد، وأغلقت بعض الأسواق، وأماكن الترفيه، وحظرت التجوّل لأوقات طويلة.

الكوادر الطبية عزلاء

أما اليوم، فلا تبالي السلطات بالموجة الجديدة، كما يرى البعض. وينتشر هذا الشعور في أوساط الكوادر الطبية التي ترى أن المؤسسات الوصيّة لم تكن على قدر المسؤولية في الموجات السابقة التي مرّت خلالها موريتانيا وشعبها بأوقات عصيبة.

وقال الطبيب عبد الله محمد اسحاق بحرقةٍ إنه خلال أولى الموجتين: "واجه القطاع الصحي الجائحة بأيدٍ وصدور عارية، وتطوع كثيرون من دون وسائل حماية كافية، ومن دون تعويض مادي. ففرق كوفيد19 تم تعويضها عن شهر واحد فقط من عملها في الموجة الأولى، أي نعم الأولى! وما زالوا يطالبون بالتعويض عن عملهم في الموجة الثانية. وأُصيب عدد من الأطباء والممرضين وبقية الطاقم الصحي بالمرض. كما تُوفي طبيب، وعدد من الممرضين بسبب الجائحة".

تجد الكوادر الطبية الموريتانية نفسها معزولة في مواجهة فيروس كورونا. وأمام دخول عدة طفرات للفيروس إلى البلاد تتجدد مخاوف الأطباء من أن يبقوا عزّل في مواجهة الجائحة المخيفة

وأشار المتحدث إلى أن إدارة الملف "اتسمت بالعشوائية، وقلة التنظيم، والفوضى المالية، والخروقات كانت كثيرة، وليس أقلّها تأخّر توزيع معدات الحماية للطواقم الطبية المختصة بمواجهة كوفيد19 وعدم تجهيز الطاقم الصحي للتعامل مع الحالات الخطرة، لذا كثرت حالات الوفيات حتى في أقسام العناية المركزة".

ويرى البعض أن الموجة الجديدة قد تكون بدايتها من ولاية كيدي ماغا، وتحديداً مدينة سيلبابي التي وصفتها وزارة الصحة في منشور لها على صفحتها على فيسبوك بالبؤرة، إذ قالت "إن فرقها بالإجراءات العملية كلها (...) لإكمال متطلبات تنفيذ الخطة العاجلة التي تم وضعها، حتى يتم القضاء على البؤرة الوبائية الموجودة في الولاية".

هل اللقاح هو الأمل؟

بعد الكثير من الجدل والانتقاد للحكومة بسبب تأخّرها في العمل على توفير اللقاح المضاد لكوفيد19، أطلق الرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني حملة وطنية للتلقيح ضد الفيروس، وذلك في 26 آذار/ مارس الماضي. وحصلت موريتانيا على اللقاح عن طريق جهات متعددة، مثل جمهورية الصين الشعبية التي منحت موريتانيا 50 ألف جرعة من لقاح "سينوفارم"، ستكون كافية لتلقيح 25 ألف شخص، وأشرف الرئيس على إعطاء الجرعات الأولى من اللقاح الصيني إلى أشخاص عدة في المستشفى.

وحصلت موريتانيا أيضاً من خلال مبادرة "كوفاكس" التابع لمنظمة الصحة العالمية على نصيب من الجرعات، كما أهدتها فرنسا، والهند، ودولة الإمارات العربية المتحدة آلاف الجرعات.

وحسب آخر إحصاء أصدرته وزارة الصحة الموريتانية، فقد لُقّح حتى اليوم 25 ألف مواطن بالجرعة الأولى، و6489 بالجرعة الثانية.

ويلاحظ البعض أن حملة التلقيح تسير ببطء شديد، وأن هناك عزوفاً عن التلقيح، وتخوّفاً منه من قبل المواطنين بسبب الدعاية "التآمرية" ضد اللقاح، ولأن عملية التلقيح لا تتم بالشفافية المطلوبة، ولا بالعدالة المفترضة. ويذكر أن وزارة الصحة أعلنت عن بعض المعايير للحصول على اللقاح، منها أن يكون الشخص بالغاً من العمر 60 سنة مع مرض مزمن، وقلّصتها لاحقاً إلى 45 سنة مع مرض مزمن. كما منحت الأولوية للمصابين بالفشل الكلوي، وذوي الاحتياجات الخاصة. وطبعاً بدأ التلقيح بالطاقم الصحي كما أكد وزير الصحة في بداية العملية قائلاً: "الأولوية للطاقم الصحي". لكن أمام هذا العدد الضئيل من الجرعات، تظل البلاد عاجزة عن مواجهة الفيروس.

وحسب الدكتور إسحاق فإن "حملة التلقيح فاشلة بسبب بطء وتيرتها، وعدم القيام بحملة تحفيزية عن ضرورة التلقيح ضد الفيروس، خاصة مع حملة مضادة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعدم الشفافية في توزيع ما قُدّم من لقاحات. فمثلاً، أعلن الرئيس أن الإمارات قدّمت خمسة آلاف لقاح فايزر هدية منها، لكنها اختفت، وانطلقت الحملة باللقاح الصيني سينوفارم".

كل هذه العوامل تزيد من الخوف بين أوساط المتتبعين للملف الذين يخشون انتشار الفيروس في البلاد بشكل قد يؤدي إلى أزمة وبائية خطيرة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard