أعمال النحات اللبناني بسام كيريلّوس تفارق حيزها البصري لتخلص إلى دلالتها الفلسفية

الأحد 30 مايو 202110:38 ص

يصعب التعرف على المرجعيات الطبيعية للأشكال التي يبتكرها بسام كيريلوس بعد أن عرّضها لعدة تحولات جعلتها تفارق حيزها البصري والفراغي لتخلص إلى دلالات فلسفية عميقة. هي عملية يصعب تفكيك عناصرها نظرياً، وكأنّ كيريلوس تعمّد إيقاع المتلقي في شباك هواجس وأسئلة لا يملك لها إجابات، لكنه يمتلك تساؤلاً جمالياً واقتراحاً بصرياً يجبر على البحث عن معانٍ وإجابات.

تحكي منحوتات كيريلوس عن هندسة المكان، ذلك الفضاء الفانتازيّ المركّب بالحجارة، فينحت "أكواناً" ضدّ البنية المحكمة والقوالب الفنيّة الجاهزة. اللافت في أعماله الفنية أنّ فيها من الهدم أكثر ما فيها من البناء، وهي أعمال يطغى التصدّع والدمار على أغلبها، كاستحضار لذاكرة الفراغ القاتل في العمارة المدينية بعد "إنجازات" الحروب.

حضور العمارة المدمرة بهذه الكثافة في أعمال كيريلوس ما هو إلّا انعكاس لصورة الحروب الطاحنة التي لا تزال تجتاح عالمنا اليوم. وهو الذي أراد من خلال فنه إطلاق صرخة احتجاج على ما حدث ويحدث. منحوتاته بتصدّعاتها العديدة وألوانها القاتمة وموادها المختلفة، تستحضر ذاكرة الحرب، بما فيها الحرب اللبنانية التي اختبرها بكامل تفاصيلها.

تحكي منحوتات كيريلوس عن هندسة المكان، ذلك الفضاء الفانتازيّ المركّب بالحجارة، فينحت "أكواناً" ضدّ البنية المحكمة والقوالب الفنيّة الجاهزة

يحاول كيريلوس من خلال أعماله التي تعبّر عن أهوال الحروب إشباع كبت عنفي متجذّر لدى الشعوب المقموعة، وهو كبت أجاد كيريلوس تفريغه بالنحت، "شكّله" كمادة وأرفقه بالاحتجاج عالي النبرة على التصدعات التي لا تصيب فقط الأبنية، إنما بنية المجتمعات نفسها وبنية إنسان هذه المجتمعات.

كيريلوس المولود سنة 1971 في بنتاعل التابعة لجبيل، درس الرسم في كلية الفنون في الجامعة اللبنانية، وحاز على دكتوراه في الفنون من جامعة السوربون.

عاد إلى لبنان عام 2000 ليترأس جمعية الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت، ويدرّس في كليّة الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية.

لكيريلوس العديد من النصب التذكارية عن بعض الشخصيات التاريخية والأدبية والفكرية، من أهمهم تمثال الأديبة اللبنانية مي زيادة، الأمير بشير الشهابي، فؤاد فرام البستاني والمستشرق الفرنسي إيرنست رينان.

كيريلوس وفكرة الحرب التي تشغله

وظيفة الفن التزينيّة لا تعني كيريلوس إطلاقاً، فهو يعتبرها وظيفة ثانوية. وظيفة الفن الأساسية بالنسبة إليه هي نقل الخوف وتصوير القلق الوجودي الذي يسكن الإنسان منذ قديم الزمان ومواجهة الهواجس التي تشغله.

اللافت في أعمال كيريلوس الفنية أنّ فيها من الهدم أكثر ما فيها من البناء، وهي أعمال يطغى التصدّع والدمار على أغلبها، كاستحضار لذاكرة الفراغ القاتل في العمارة المدينية بعد "إنجازات" الحروب

"نحن أولاد الانفجار، البيغ بانغ"، يقول كريريلوس، "فكرة الحرب أساسية في حياتنا. في أجسامنا تشتعل حروب كل يوم للحفاظ على صحة هذا الجسد، في فكرنا تتحارب الإيديولوجيات... فكرة الحرب تشغلني كثيراً. وما أحاول فعله في أغلب أعمالي هو إسقاط فكرة الحرب على الأبنية التي من المفترض أن نعيش فيها وتكون مكان آمناً لنا".

تاريخ البشرية هو تاريخ حروبها، رغم أن الحضارة هي ابنة السلم لا الحرب، لكن التاريخ يكتب بالدم، الدمار والأبنية المتصدّعة، بالفراغ الذي تتركه قذيفة أو قنبلة على شارع أو حي. تختفي الإلفة من البيوت هذه ويحلّ محلّها "السيد موت"، بعد مرور "السيّدة حرب".

تاريخ البشرية هو تاريخ حروبها، رغم أن الحضارة هي ابنة السلم لا الحرب، لكن التاريخ يكتب بالدم، الدمار والأبنية المتصدّعة، بالفراغ الذي تتركه قذيفة أو قنبلة على شارع أو حي. تختفي الإلفة من البيوت هذه ويحلّ محلّها "السيد موت"، بعد مرور "السيّدة حرب"

فيما يلي بعض من أعمال بسام كيريلوس الفنية

إهراءات القمح بعد انفجار مرفأ بيروت

تشغل المباني كيريلوس بشكل خاص وتحضر بشكل أساسيّ في أغلب أعماله. مبنى إهراءات القمح هو مبنى اختار كيريلوس تخليده في مجموعة من المنحوتات بمواد وأحجام مختلفة.

يرى كيريلوس في هذا المبنى حائط مبكى جديد، جدار إعدام شاهد على مجزرة مرفأ بيروت التي لا يجب أن ينساها اللبنانيون.

القصر الجمهوري اللبناني

استوحى كيريلوس هذه المنحوتة للقصر الجمهوري من صور اجتياح القصر في 13 تشرين الأول من العام 1990.

قصر الرئاسة بحسب كيريلوس هو مكان له رمزيته الخاصة، فهو يعكس قوة الدولة وهيبتها؛ وهو بحالة الاهتراء التي يظهر فيها يعكس ضعف الدولة اللبنانية اليوم وعدم قدرتها على السيطرة على زمام الأمور، كما يعيد التذكير بفترة زمنية شكّلت منعطفاً هامّاً في تاريخ "الاستقلال" اللبناني.

تشغل الأبراج كيريلوس بشكل خاص، فهو يرى فيها رموزاً كاذبة لقوّة الإنسان وقدرته على تحدي الطبيعة. هي رموز واهية لا يعتقد كيريلوس أنّها تشبه الإنسان بضعفه وهشاشته.

فمنذ قديم الزمان ومن أيام برج بابل، شكّلت الأبراج محاولات الإنسان لتحدي الطبيعة بمحاولتها الوصول إلى السماء. واليوم في تاريخنا الحديث، نجد الدول تعود للتنافس على بناء الأبراج الشاهقة، وكأنها ترغب بـ "اختراق السماء" بقضبان من إسمنت وحديد، بحثاً عن سيطرة جديدة، وهو ما لفت نظر كيريلوس وأراد الإضاءة عليه في أكثر من منحوتة.

كراسي كيريلوس

الكرسي مكان حميم يستحق بحسب كيريلوس أن يُرفّع إلى مكان فنيّ ليكون مجالاً للتأمل، فيأخذ بذلك قيمة تتخطى قيمته الوظيفية.

يظهر في أعمال كيريليوس هذه تطابقاً بين فكرة المبنى وفكرة الكرسيّ، كلاهما حميميان ويحتضنان تاريخاً شخصياً وذكريات سائلة. ففكرة المربّعات المحفورة في الكراسي مستوحاة أساساً من الأبنية نفسها. هذه الخانات العديدة الحاضرة في أكثر من عمل فنيّ لكيريلوس هي خانات ذكريات تعكس تراكم أفكار ومشاعر وتجارب مرّ فيها الإنسان.

Equinox

يظهر كوكب الأرض في هذه المنحوتة وكأنه يتأمل، يفكّر أو يحسّ، كما لا تخفى كمية الألم المختزنة في تعابير الوجه. تتحوّل المادة هنا إلى مادة مفكّرة، تتفاعل مع الإنسان وتتحاور معه. هي مادة يرها كيريليوس ذات نسبة لا يُستقلّ فيها من الوعي. وهو المؤمن بفيزياء أو ميكانيكا الكم، وهو الذي يعتبر أنّ الأفكار هي التي تصنع الواقع وليس العكس.

ومن جهة أخرى، تضيء التصدّعات التي تظهر على سطح الكوكب على ما تعانيه الأرض نتيجة الحروب والدمار والتلوث وغيرها من الأمور المشوّهة للطبيعة.

يعتبر كيريلوس أنّ الكون قائم على ثنائيات متناقضة. وهو ما حاول التعبير عنها في هذه المنحوتة التي تظهر فيها ثنائية العامودي والأفقي، وثنائية اللون البارد (الفضي) واللون الحامي، وثنائية الملمس الخشن والملمس الناعم، بالإضافة إلى فكرة الكثيف والشفاف، المادة والروح.

يظهر الإنسان في هذه المنحوتة وكأنه كتلة صمّاء تشبه المكعّب، تدخل إلى الحياة بفضل الروح. في هذه المنحوتة، استحضار لمعضلة "المادة والروح" التي لم يجد لها الفلاسفة حلاً.

في هذا العمل الفني يستحضر كيريلوس فكرة البيضة كونها رمزاً للحياة والخلية الأولى للكائنات، ليسقط عليه فكرة المباني التي تشغله؛ فتتحوّل هي نفسها لمبنى بطوابق عديدة وخانات كثيرة للذكريات.

ومن جهة أخرى، نجد في هذا العمل الفني استحضار للـ"رمانة" أو القنبلة اليدوية التي شاع استخدامها في الحرب اللبنانية وغيرها من الحروب.

الحصان وذكريات الطفولة

تعكس هذه المنحوتة، في مكان ما، الحرب وتأثيرها العميق على الأطفال.

"هذا الحصان هو رمز للفرح، ويُخيّل لنا كأطفال أنّ الحياة ستحمل لنا الكثير من الفرح القادم إلّا أننا كلما تقدمنا بالسن تراءى لنا بوضوح... إنو الحياة مش هالقد حلوة ...في شق كتير قاسي فيها"، يقول كيريلوس.

الألعاب المهجورة، الدمى التي تفقد دورها في الحرب لصالح إنتاج كائنات مشوّهة وذكريات مثقّبة بالرصاص، وبنفس الوقت لا تزال تتأرجح، محتفظة بدورها في إنتاج المتعة والتسلية لكن بطريقة قاسية.

وحيد القرن أو الـunicorn

يُعتبر وحيد القرن أو الـunicorn بحسب بعض الأساطير رمزاً للشرف والحب والاندفاع الأعمى. فهو حيوان شرس يهاجم بقرنه الجميع إلّا الفتاة العذراء التي يخضع لها ويستكين إليها.

فبحسب رمزية الأسطورة، يحارب وحيد القرن أو الـunicorn كل شي إلا "رمز الطهارة" أي العذراء.

حبُّ أولاد بسام كيريلوس لوحيد القرن أو الـunicorn شكّل الدافع الأوّل له ومصدر الإلهام الأساسيّ في نحت هذا العمل الفني وفي البحث عن الأساطير المرتبطة به، وبنفس الوقت هو خارج من معركة مع الوجود، معركة لا تنصف الجمال، إنما تقتصّ منه، وكأن الحرب هي اقتصاص من الجمال فحسب.

منحوتة مستوحاة من شباك العنكبوت

من جملة اهتمام بسام كيريلوس بالأبنية والبيوت والمساكن، لفته بيت العنكبوت بدقة تفاصيله وبخاناته العديدة التي تصلح أيضاً أن تكون خانات ذكريات.

بيت العنكبوت ليس بيتاً فقط. هو في الوقت نفسه مصيدة.

"نحن كبشر... علقانين بمصيدة في مكان ما، وعلينا مواجهة هذا الواقع وتقبّله. الإنسان يا أعزّائي في مأزق كبير"، يختم كيريلوس ضاحكاً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard