أبو شامة: مؤرخ إنساني في زمن الحرب

الجمعة 13 أغسطس 202111:09 ص

عاشت دمشق تحت حكم بني أيوب بعضاً من أحلى سنينها وبعضاً من أقساها. وقد تداخل الحلو بالمر تداخلاً حاداً، جعل الحكم على أي من حكامها من الأمراء الأيوبيين صعباً، والتفريق بينهم من منطلق تأثيرهم على رخاء المدينة أو شقائها شبه مستحيل.

البداية كانت محيّرة، فقد أتى صلاح الدين من مصر بعد وفاة سيّده وأميره نور الدين، ونور دمشق أيضاً، مبيتاً الرغبة بمنافسة سليل نور الدين وصاحب الحق الشرعي في خلافته، الصالح اسماعيل، حكمه. وتمكن بعد سلسلة مناورات وتحالفات مع أمراء المملكة من الصعود إلى سدة الحكم. كان حكمه محورياً في تغيير كفة الحروب الصليبية لصالح الطرف الإسلامي. وتوّج هذا التحول عام 1187 بانتصاره في معركة حطين وتحرير القدس. ولكن خلفاء صلاح الدين من بني أيوب، أولاده أولاً ثم أخيه العادل أبي بكر وأولاده ثم أحفاده، لم يحافظوا على التركة كما أورثهم إياها صلاح الدين. تخالفوا وتناحروا وتحالفوا مع أعدائهم لكي ينتزعوا ملك بعضهم البعض، قبل أن يقضي عليهم المغول في منتصف القرن الثالث عشر. ثم ابتلع مماليك آخر ملوكهم في مصر، الصالح نجم الدين أيوب، ممالكهم المتفرقة في الشام ليؤسسوا دولة قوية عاصمتها القاهرة، ويجعلوا دمشق عاصمة نيابة ليس إلا لقرون قادمة.

قضى أبو شامة فترة معتبرة من عمره وهو يؤرخ لفترات حرجة من تاريخ بلاد الشام، ولحوادث دمشق اليومية.

أكمل كتاب بين أيدينا عن حياة وجهاد نور الدين وصلاح الدين هو "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية"، للمؤرخ الدمشقي شهاب الدين عبد الرحمن بن اسماعيل المعروف بأبي شامة (1203-1267). فهذا الحافظ والمؤرخ والمحدث قليل الحظ من الشهرة، قضى فترة معتبرة من عمره وهو يجمع كل خبر عن بطلي حركة الاسترداد الإسلامية من الصليبيين ليضمّنها كتابه عنهما. فأتى كتابه جامعاً مانعاً، وتداولته الأيدي كواحد من المصادر الأساسية للتأريخ لهذه الفترة الحرجة من حياة الأمة الإسلامية برمتها، ولبلاد الشام بشكل خاص.

ولكن لأبي شامة كتاباً صغيراً آخر، أسماه محققه في أربعينيات القرن العشرين -تعسفاً برأيي- "الذيل على الروضتين"، مع أن ما بين الذيل وما بين الروضتين من التشابه لا يعدو كون كاتبهما واحداً.

كتاب الذيل هذا، صغير الحجم ومتواضع المبتغى. وهو ليس سيرة ذاتية بالمعنى الصريح للعبارة، وإنما هو حوادث دمشق اليومية كما دوّنها أبو شامة الذي أرّخ لحياته فيه من ضمن تأريخه لحوادث مسقط رأسه ومحل وفاته. وهو في يومياته هذه يخالف العادة في عصره، ويقدم لنا صوراً معبرة وحساسة عن الحياة العادية في مدينته وعن تفاعله معها وردود أفعاله تجاه وقائعها وحوادثها، بالإضافة إلى تعليقات شاهد عيان مسهبة عن الأحداث الهامة، وأحياناً المصيرية، التي شاركت فيها دمشق خلال تلك الفترة الصعبة التي بدأت مع تحلل السلطنة الأيوبية، وانتهت مع الغزو المغولي المدمر. فالذيل بنتيجة الأمر ما هو إلا قصّة حياة أبي شامة مبثوثة ضمن إطار يوميات حوادث المدينة تحرجاً وتعففاً عن التركيز على النفس، بعضه بحكم المهنة وبعضه بسبب تواضع وحساسية شخصية أبي شامة ذاتها.

يخالف أبو شامة العادة في عصره، ويقدم لنا صوراً معبرة وحساسة عن الحياة العادية في مدينته وعن تفاعله معها وردود أفعاله تجاه وقائعها وحوادثها، بالإضافة إلى تعليقات شاهد عيان مسهبة عن الأحداث الهامة، التي شاركت فيها دمشق خلال فترة تحلل السلطنة الأيوبية

أبو شامة كان من دون أدنى شك إنساناً شديد الحساسية وسريع التأثر، بل وربما كان أيضاً نموذجاً سابقاً لعصره بنزعته الإنسانية الرقيقة والشاملة التي تقدر القيمة الإنسانية أولاً، والتي ننسبها عادة لعصر الأنسنة في أوروبا القرن الثامن عشر. ولست أحاول هنا خلط الأوراق التاريخية ونسبة نظرات ومواقف لأبي شامة، ما كان لها أن تكتمل في الفكر الإنساني قبل ظهور الإطار الفلسفي الملائم لها الذي اعتبر الإنسان معيار التفكير الأول، ولكني أوجّه النظر إلى إرهاصات فكرية وعاطفية نجدها عند مؤرخنا، تدل بوضوح على نزعة فكرية مخالفة للقدرية والجبرية والفكر التقليدي والمحافظ الذي نطالعه في كتابات غالبية معاصريه.

ولدينا في كتاب الذيل أمثلة متنوعة من حياة أبي شامة تؤكد هذه الفرادة. فهو الوحيد من بين مؤرخي عصره ممن صادفتهم في قراءاتي، الذي توقف أمام منظر تعذيب لمحكوم بالصلب وتألم له وحاول أن يبرر جريمته ويدين شدة العقوبة، بل أنه ذهب أبعد من ذلك للتأكيد على أن السماء نفسها رأت رأيه، وأن الشاب المصلوب قد كف عنه عذابه بتدخل إلهي، وأنه لاقى وجه ربه وهو يبتسم لأن أبواب الجنة فتحت له غفراناً ورحمةً.

مقام المؤرخ أبو شامة في مقبرة الدحداح دمشق

مقام المؤرخ أبو شامة في مقبرة الدحداح دمشق - المصدر: الموسوعة العربية

يقول: "وفي يوم الجمعة السادس عشر من ربيع الآخر 646 (9 تموز 1248)، صلب مملوك تركي صبياً بالغاً كان لبعض الأمراء الصالحية النجمية يدعى السقسقيني، زعموا أنه قتل سيده لأمر ما، فصُلب على حافة نهر بردى تحت القلعة في آخر سوق الدواب، وجُعل وجهه مقابل الشرق، وسمّرت يداه وعضداه ورجلاه، وبقي من ظهر يوم الجمعة إلى ظهر يوم الأحد ثم مات. وكان يوصف بشجاعة وشهامة ودين، وأنه غزا بعسقلان وقتل جماعة من الإفرنج، وقتل أسداً على صغر سنه. وكان منه في صلبه عجائب. فمن ذلك أنه جاد بنفسه للصلب غير ممتنع ولا جازع، بل مد يديه فسمرتا، ثم سمرت رجلاه وهو ينظر لم يتأوه ولم يتغيّر وجهه، ولا حرّك شيئاً من أعضائه. وبقي إلى أن مات صابراً ساكناً لم يئن، ولم يزد على أن نظر إلى رجليه وجانبيه، تارة يميناً وتارة شمالاً، وتارة ينظر إلى الناس.

قيل إنه استسقى ماء فلم يسق، وتألمت قلوب من عندهم رحمة وشفقة على خلق الله تعالى، من أنه صبي صغير وقد ابتلي بمثل هذا البلاء والمياه تتدفق بجوانبه وهو ينظر إليها ويتحسر على قطرة منها وهو صابر على ذلك، فسبحان من له الأمر والحكم، وأخبرت أنه رؤيت له منامات صالحة ونور غشاه قبل موته، وأن شكواه للعطش كان في أول يوم ثم سكن ذلك فقواه الله تعالى وثبته وصبره... ولعله كان شهيداً رحمه الله، فإني أخبرت أنه دافع عن نفسه أمراً لم يرض وقوعه به والله يغفر لنا أجمعين".

نظرة أبي شامة الحساسة للتعذيب وتعبيره القوي عن إدانته تجعلنا نتعاطف مع المصلوب ونحزن لمصابه على الرغم من مسافة الزمن التي تفصلنا عنه. وأبو شامة يحاول هنا أنسنة عواطفه بطريقة شخصية، إنسانية ربما، ولكنها تبقى في نهاية الأمر مترددة ووجلة لأنها غير معهودة

هذه الرواية التي أقتبس بعضها نسيج وحدها. وهي مختلفة عن غيرها من التواريخ العربية القروسطية التي تقدم لنا عادةً صوراً باردة، محايدة ووحيدة البعد. فنظرة أبي شامة الحساسة للتعذيب وتعبيره القوي عن إدانته تجعلنا نتعاطف مع المصلوب ونحزن لمصابه على الرغم من مسافة الزمن التي تفصلنا عنه. وأبو شامة يحاول هنا أنسنة عواطفه بطريقة شخصية، إنسانية ربما، ولكنها تبقى في نهاية الأمر مترددة ووجلة لأنها غير معهودة.

من هنا جمال هذه العواطف وحساسيتها ودفئها بالنسبة لنا اليوم، لأنها تخاطبنا بلغة نفهمها وإن كنا، للأسف، لم نرق لمستواها في تعاملنا مع تراجيديتنا الحاضرة والمستمرة منذ 2011، والتي عذب فيها الآلاف في أقبية دمشق وسجونها وماتوا من دون أن يجدوا متعاطفين كثر من أهل مدينتهم ووطنهم يدينون تعذيبهم وموتهم كما فعل أبو شامة قبل أكثر من سبعة قرون.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard