في دمشق مدينة التناقضات... جدار يفصل داوكينز عن ابن تيمية

الجمعة 16 أبريل 202109:08 ص

يسأل ريتشارد داوكينز من على سور جامعة دمشق لماذا وجد الإنسان؟ فيجيبه ابن تيمية من داخله: "كل من يعتقد بأنه حر فيما يؤمن به أو يدين به، فهو كافر".

على سور الجامعة القديم، نرى بسطتي كتب متلاصقتين. هناك وجدتُ كتباً لريتشارد داوكينز، الكاتب البريطاني الشهير، وصاحب المؤلفات المثيرة للجدل مثل "الجين الأناني" والكتاب الأكثر جدلاً "وهم الإله"؛ الذي طرح فيه الأسباب المنطقية والعلمية التي تنفي وجود الخالق الصانع حسب الصورة التي رسمتها الأديان. وكتبه، بالطبع، ممنوعة من النشر في معظم الدول العربية.

موقع البسطة لا يفصلها سوى جدار وبضعة أمتار عن قبر ابن تيمية داخل سور الجامعة؛ وهو عالم دين مسلم لقب بـ"شيخ الإسلام". وهو اللقب المثير للجدل أيضاً، فيرى فريق أن لا أحد جدير بهذا اللقب سواه، بينما يرفضه فريق آخر رفضاً قاطعاً، بل ويطلق عليه "مفتي الإرهاب".

هذا اللقاء بين عالمين متناقضين يثبت أن دمشق ما زالت تحمل بعضاً من خصائصها التاريخية كحمالة متضادات. فليس القبر إرثاً تاريخياً وحسب، وليست كتب ابن تيمية مجرد حقبة تاريخية طُويت. ولا أفكاره مجرّد محطة في تطور الفكر الديني. فهي ما تزال مخبأة في الأكمام لتظهر في لحظة خاطفة وتُفرد على الطاولة حين الحاجة. على الجانب الآخر، لا تتوقف الاعتراضات عند رفض فكره، بل وترفض الترحم عليه حتى.

 ما يثير الرعب هو كيف لأفكار كان لها سياق تاريخي محدد، هناك اليوم من يستحضرها ليبرر فعلةً ما بحجتها. من جهة أخرى كيف لأحد أن يقرر نسف أعمال شخص تبلغ حوالي 330 مؤلفاً

دخلتُ لأرى القبر عن قرب معتقدة أنني سأجده حيث أخبرتني خرائط غوغل. لم يكن القبر هناك. لا شاهدة، لا حجارة قبر، لا وجود لأي علامة أو دلالة على الأرض، وقفت طويلاً علّي أحظى بعابر يمكنني سؤاله، فيما كنت أفكر بأن العلاقة بين داوكنز وابن تيمية ليست تجاوراً كما ظننت للوهلة الأولى، بل استبدال. وأن القبر قد اختفى ليحل محله الكاتب. قاطع شرودي أحد موظفي الجامعة، الذي جاء ليسألني عمّا أريد. نقلت فضولي له، فتبرع بإرشادي إلى القبر وذكر لي أنه عمل في هذا المكان حوالي 30 عاماً، لذا يعرف بوجوده تماماً. أثناء الطريق تبرّع أيضاً بإطلاعي على رأيه الشخصي دون أن أطلبه. قال إنه لا يطلب الرحمة لابن تيمية. وأنه متطرف، وأن الإسلام الحقيقي لا يشبه فتاويه. حين وصلنا لم نجد القبر، وأخبرني أن الشاهدة كانت موجودة حتى وقت قريب، وتمت أزالتها مؤخراً من هنا، مشيراً إلى أرضٍ مهملة، خربة، تحيط بغرفة حديثة تابعة لمشفى التوليد الجامعي. لا أثر له، ربما نقل إلى مكان آخر، ربما ما زال مدفوناً هناك لكن أزيلت الشاهدة. حين أخبرته بالاحتمالات التي أفكّر بها، واصل إبداء رأيه وجعله أكثر وضوحاً وحدّة: "لا يجب أن يزال قبره فقط، بل يجب أن يمحى ابن تيمية بكامله من التاريخ الإسلامي. لم يعرف الاعتدال وما زالت فتاويه تؤثر ببعض ضعاف النفوس حتى اليوم".

عدت لبسطة الكتب. سألت البائع: هل من المقبول رؤية كتب لأشخاص ملحدين في وسط المدينة وعلى جدار مدفون خلفه "شيخ الإسلام"؟ قال: من يقرأ بفكر حرّ يستطيع أن يطالع أي كتاب. عليه فقط ألا يفكر بفكر القبيلة والعشيرة ويترك مسافة أمان بينه وبين الكتاب. فمثلاً كتب ابن تيمية من الممكن أن تعتبر اليوم مجرد إرث ثقافي كان لها أهمية في عصره. وكتب ريتشارد داوكينز وغيره من العلماء لا يجب منعها، إنما يجب أن تقرأ وتعالج بفكر منفتح وعقل حاضر.

"قبل الحرب كان يأتيني أشخاص، يغنوني بأحاديثهم عن قراءة عشرة كتب. لم يتبق منهم اليوم في سوريا"

يقدم محرك غوغل 8 مليون نتيجة حين تضع اسم ابن تيمية في شريط البحث، يتقاسمها الموالي والمعارض، ونادراً ما ترى الجدل قد أخذ شكل خط مستقيم، أو انتهى ليصبح دراسة تاريخية محايدة. ما يثير الرعب هو كيف لأفكار كان لها سياق تاريخي محدد، هناك اليوم من يستحضرها ليبرر فعلةً ما بحجتها. من جهة أخرى كيف لأحد أن يقرر نسف أعمال شخص تبلغ حوالي 330 مؤلفاً، لأن فكره لا يعجبه ويظن أنه متطرف.

وكما كانت نتائج البحث على غوغل، كانت نتائج الحوار على البسطة والذي تدخّل فيه رجل ستيني (يبدو من أهل المدينة المحافظين). أخبرني أن ما ذكر حول الشيخ افتراء في أغلبه. وقال إن ابن تيمية من أوقف التتار من دخول دمشق، بعد أن ذهب إلى مصر ليحثهم على محاربتهم، وأنه "لا يجب أن تؤخذ الفتاوى التي قالها في ذاك الزمان لتطبق اليوم لأنها كانت تناسب ذلك الوقت ولا تناسب يومنا هذا". بأمتار قليلة وزاوية واحدة تدهشك دمشق بما تجمعه من متناقضات؛ ثلاثة أشخاص يتكلمون، ويفكرون بطرائق مختلفة. لا يربطهم شكلٌ واضح، إنما يقفون على أرض هشة تجمعهم. بالاستماع إلى جملهم المبطنة، يستطيع أي شخص أن يستشف التناحرات السياسية والاجتماعية القابلة للانفجار أكثر من أي وقت مضى. لا أقول هنا إن الأمم والشعوب يجب أن تجتمع على رأي واحد، لكن تبطين العبارات يدل على الخوف وعدم الثقة.

المثير للاهتمام هو دخول القرن الحادي والعشرين، وعدم تجاوز فكر ابن تيمية، والتوقف عن التعامل معه بهذه الحدّة سلباً أو إيجاباً. ومن بين كثيرين تحدثت معهم عن هذا الموضوع بعد انتهاء جولتي. لم أجد إلا صاحب مكتبة في منطقة الحلبوني القريبة. حدّثني عن فكر ابن تيمية بشكل موضوعي ومحايد كفكر تاريخي من زمان محدد. وفي الوقت ذاته، استطاع أن يحدثني عن كتب ريتشارد داوكينز بالحياد ذاته، مما أثار فضولي لأستمر بالحديث معه حول قراءات الناس اليوم في سوريا بعد الحرب. وكانت الإجابة ربما تعطي جزءاً من تفسير وضعنا الحالي. أخبرني أن السنوات الأخيرة أصبح شراء الكتب قليلاً جداً، واقتصر على بعض الروايات المشهورة. ضف إليها كتب التنمية البشرية بشكل خاص. وقال: "قبل الحرب كان يأتيني أشخاص يغنوني بأحاديثهم عن قراءة عشرة كتب. لم يتبق منهم اليوم في سوريا. كانوا قلة واليوم أصبحوا غير موجودين".

يقال إن سمة العواصم هي الاختلاف. لكن فجاجة الاختلاف بين قاطني دمشق اليوم تفوق التوقعات وتفوق حتى ما اعتادته المدينة خلال تاريخها

يقال إن سمة العواصم هي الاختلاف. لكن فجاجة الاختلاف بين قاطني دمشق اليوم تفوق التوقعات وتفوق حتى ما اعتادته المدينة خلال تاريخها. يتخبط سكانها بين الإلحاد والربوبية والتطرف واللاأدرية، بين الغنى الفاحش والفقر المذل، بين البذخ المعماري والمطاعم الفاخرة، وبين التاريخ المهمل المتساقط في حواريها وجنباتها. كل شيء متناقض في دمشق، هويتها متنازع عليها وغير واضحة.

منذ حوالي ثلاثين سنة، قال عنها ميشيل سورا "المدينة الفخورة التي غذّت الحركة الوطنية ونشَّطت الحياة السياسية في الخمسينيات، لم تعد سوى تجمع سكانيّ لا روح فيه لأناس متفاوتين ومتنافرين جاؤوا من المناطق الريفية على أمل المشاركة في شبكة التوزيع التابعة للدولة". والآن ماذا بقي منها؟ تمشي في شوارعها لترى الفرق الشاسع بين كل شيء، جماعات مختلفة ملتفّة على نفسها تعيش كل يوم بيومه، غير قادرة على تحديد ما سيحمله الغد من أحداث غير الأسى.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard