أنسنة الشخصيات التاريخية

الجمعة 6 نوفمبر 202003:01 م

في الفيلم الهوليودي الذي أنتج منذ سنوات عن حياة مؤسس شركة أبل، يظهر ستيف جوبز بشكل إنساني وبسيط، بعيداً عن التفخيم والتعظيم. فبالإضافة إلى عبقريته المشهودة، يظهر الرجل بنزواته وأخطائه الكثيرة، ومنها مثلاً سوء معاملته لابنته وتخليه عنها لسنوات طويلة. هذا الاقتراب من الواقع غائب تماماً عن كافة أعمال السيرة الذاتية العربية، التي عادة ما تظهر أبطالها، سواء كانوا شخصيات تاريخية قديمة أو معاصرة، على أنهم منزهون تماماً عن الخطأ، وكأنهم من صنف الآلهة وليس البشر.

ولو ظهروا بعكس تلك الصورة الناصعة لقامت الدنيا ولم تقعد على الجهات المنتجة، ولوجّهت لهم شتى التهم بتحقير الشخصيات التاريخية وإهانة الرموز الوطنية. ينطبق هذا الكلام على كلّ من عمر المختار ومحمود درويش وأم كلثوم من المعاصرين، وعلى هارون الرشيد وخالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي، من الشخصيات التاريخية. فنحن في عالمنا العربي نعشق عبادة الأصنام ونتألق دوماً في تمجيدها، ولا نستطيع أن ننظر إلى هؤلاء الأشخاص على أنهم بشر مثلنا، قد يكون لهم عادات سيئة مثلاً أو أطباع غريبة، أو حتى أخطاء عائلية أو مهنية.

يعود هذا الخلل الرهيب إلى طبيعة كتب التاريخ في عالمنا العربي، والتي رسّخت صوراً نمطية عن تلك الشخصيات، فيها الكثير من المبالغة وقليل من "الأنسنة". سوف أعطي بعض الأمثلة من تاريخ سورية المعاصر.

كان الرئيس جميل مردم بك يحب السيجار الفاخر، والرئيس شكري القوتلي كان يحتفظ ببغاء ناطق وملوّن في منزله، أما الرئيس لطفي الحفار فكان كثير التشاؤم من الرقم 13. الرئيس سعد الله الجابري ظلّ أعزباً طوال حياته ولكنه كان شديد الاهتمام بهندامه لدرجة أنه وُصف بالرجل الأكثر أناقة في سورية

كان الرئيس تاج الدين الحسني مثلاً يعاني من السُمنة، وهو لا شك أمر مزعج للغاية، أثر كثيراً على صحته، وقد فُجع خلال رئاسته بوفاة أحد أبنائه في الولايات المتحدة، وكان عليه الذهاب إلى مطار دمشق لاستقبال النعش والتأكد من هوية الجثمان. العقل والمنطق يقولان إن هذين الأمرين كان لا بد لهما أن يتركا أثراً رهيباً على شخصيته، يؤثرا على نفسيته وحتى على تعاطيه مع أمور الدولة، ولكن أحداً من المؤرخين والكتاب لم يذكر تلك التفاصيل. كذلك الحال مع المرحوم فوزي الغزي، واضع دستور سورية، الذي مات مسموماً سنة 1929. كان الغزي يعاني من عدة أمور صحيّة، منها فقدان طرف من أذنه خلال معارك الحرب العالمية الأولى، ما أثر على سمعه، وتساقط أسنانه بسبب مرض مزمن لحق به في المعتقل، ما يفسّر ظهوره الدائم بالصور مبتسماً ابتسامة خفيفة، لا يضحك أبداً.

التاريخ لا يجب أن يكون مملاً، سواء كان على الورق أو على شاشة التلفزيون والسينما، ولكي يكون منصفاً وحقيقياً، يجب التعامل مع الشخصيات التاريخية على أنها بشرية، وإظهار البعد الإنساني لها بالتوازي مع البعد المهني. هي لم تكن أحادية الأبعاد في حياتها قط، ولا يجب أن تظهر كذلك بعد مماتها

أنسنة التاريخ السوري

كان الرئيس جميل مردم بك يحب السيجار الفاخر مثلاً، والرئيس شكري القوتلي كان يحتفظ ببغاء ناطق وملوّن في منزله، أما الرئيس لطفي الحفار فكان كثير التشاؤم من الرقم 13، ويرفض الاجتماع بأي شخص في هذا اليوم من كلّ شهر.  رئيس الدولة صبحي بركات كان يُعاني من ضعف شديد باللغة العربية، ويتألم من الصحافة الدمشقية التي كانت تنشر (عن قصد) خُطبه على صفحتها الأولى دون أي تنقيح لغوي، للنيل من سمعته أمام الناس. وعندما أصبح رئيساً للمجلس النيابي، في عهد الرئيس محمّد علي العابد سنة 1932، كانت العلاقة بينهما متوترة للغاية، ليس بسبب السياسية بلّ لأن الرئيس بركات كان قد خطب ابنة الرئيس العابد ثم تخلّى عنها قبل موعد العرس، للزواج من سيدة تركية ثرية. الرئيس سعد الله الجابري ظلّ أعزباً طوال حياته ولكنه كان شديد الاهتمام بهندامه لدرجة أنه وُصف بالرجل الأكثر أناقة في سورية، لا يرتدي إلا أفخم وأجدّ المعاطف والأحذية. أما فخري البارودي، فقد حُرم من أمرين أساسيين في حياته: الأولاد والشهادة الجامعية. الحرمان الأول أدى إلى تقربه كثيراً من الأطفال واليافعين، ما أثار شائعات مغرضة بحقه، ظلّت تلاحقه حتى الممات. وعندما أُجبر على ترك الجامعة في فرنسا والعودة إلى سورية بأمر من والده الذي قطع عنه مصروف الجيب، صار يمشي بشوارع دمشق ويكتب على جدرانها: "تعلم يا فتى، فإن الجهل عار"، وفي مرحلة متقدمة من حياته، حاول العودة إلى مقاعد الدراسة والتحق بكلية الحقوق في جامعة دمشق، ولكنه لم يكمل دراسته بسبب مشاغل السياسية وهمومها. هذه التفاصيل الصغيرة تحكي الكثير الكثير عن هؤلاء الرجال، ولكنها غائبة تماماً عن كل ما كتب عنهم.

لم تكن السيدة أم كلثوم تطيق المطربة السورية الشابة أسمهان، وحاولت إبعادها عن مصر. وكان عبد الحليم حافظ شديد الغيرة من فريد الأطرش، وكانت له اليد العليا في إقناع الرئيس جمال عبد الناصر بعدم منح الأطرش وسام الاستحقاق المصري، وبعدم غناء أم كلثوم لأي من ألحانه

شخصيات أحادية الأبعاد

 الجميع يعرف مثلاً أن السيدة أم كلثوم لم تكن تطيق المطربة السورية الشابة أسمهان، وأنها حاولت إبعادها عن مصر. كانت "صاحبة العصمة" سليطة اللسان وجبّارة، لا تغفر ولا تسامح أبداً، ولكن هذا لم يظهر في المسلسل التلفزيوني الذي أُنتج عنها في نهاية التسعينيات. الجميع يعرف أيضاً أن عبد الحليم حافظ كان شديد الغيرة من الموسيقار السوري فريد الأطرش، وأن نجاح الأخير كان محفزاً كبيراً بالنسبة للعندليب الأسمر، فقد شجعه على الابتكار والابداع لكي ينال من سمعة فريد بين جمهوره الكبير الذي بدأ يظهر ويكبر في القاهرة. وكانت له اليد العليا في إقناع الرئيس جمال عبد الناصر بعدم منح الأطرش وسام الاستحقاق المصري، وبعدم غناء أم كلثوم لأي من ألحانه، علماً أنها غنت لمن هم أقل منه شأناً، وذلك بحجة أن ولاء فريد الأطرش لمصر كان مشكوكاً بأمره، وتحديداً في فترة الانفصال ما بين سورية ومصر. ولكن أحداً من الكتاب لم يجرؤ على إظهار تلك المناكفات الشخصية بين العمالقة، من منطلق الحفاظ على مكانتهم الرفيعة في أعين الجمهور.

التاريخ لا يجب أن يكون مملاً، سواء كان على الورق أو على شاشة التلفزيون والسينما، ولكي يكون منصفاً وحقيقياً، يجب التعامل مع الشخصيات التاريخية على أنها بشرية، وإظهار البعد الإنساني لها بالتوازي مع البعد المهني. هي لم تكن أحادية الأبعاد في حياتها قط، ولا يجب أن تظهر كذلك بعد مماتها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard