الزّرابيّ المغربية... حكايا "طقس مقدّس" تصنعه أيادي النّساء

الأربعاء 26 مايو 202101:34 م

في القرى والأرياف المغربية، لم تتوارَ النساء يوماً في الهوامش، بل انتزعن في مواجهة العادات والتقاليد مكاناً جعلهن المُتَّكَأَ الذي يسند ثقافة الريف، في بيئة سِمَتها القسوة والمحافظة.

من بين الأعمال الشاقة التي احترفنها، وأنيطت بهن، "نسج الزّرابيّ"، التي جعَلْنَ منها إبداعاً منقطع النظير. لقرون طويلة كان يكفي أن يجلسن أمام مغازل الصوف، ليكشفن عن دواخلهنّ التي كانت تتحين الفرصة السَّانحة للخروج إلى العلن.

غَزْلُ الصوف، ونسْجُ خيوطه، وتنسيق ألوانِه لحياكة الزّرابيّ، لم تكن محضَ حرفة تقليدية تسرق من عمر كلّ امرأة أياماً وشهوراً طويلة، بل شكّلت لهن مُتنفَّساً، يتقمّصن فيه دور الكاتبات والرسّامات اللواتي تشرع أمامهن صفحات ليدوِّنَّ فيها ما يعتصر مشاعرهن، في تلك اللحظات، ويكتبن تاريخ القبيلة الممتد لعصور، وينقشن رموزاً تحيل على تصوّراتها وطقوسها أشكالاً دالّة على معتقداتها المتوارثة.

فنٌّ موروث وطقس ثقافي

نسج الزّرابيّ في قُرى المغرب طقس خاص تحرص النّسوة على أدق تفاصيله. فله مواقيت وآداب وموانع أيضاً، تتجاوز صناعة سجّاد متقن يستخدم في البيوت، ويعرض في الأسواق، إلى بطاقة هويّة تتمايز عبرها كل منطقة عن الأخرى، وتكسب صيتها وسمعتها.

كوالدتها التي علّمتها وأختَيْها، وجَدَت حبيبة المسعودي (64 سنة) نفسها نسّاجة لزرابيّ رافقتها إلى بيت زوجها، وحملتها مع جهاز عرسها من دار أبويها.

نسج الزّرابيّ في قُرى المغرب طقس خاص تحرص النّسوة على أدق تفاصيله. فله مواقيت وآداب وموانع أيضاً، تتجاوز صناعة سجّاد متقن إلى بطاقة هويّة تتمايز به كل منطقة عن الأخرى

بحنين جارف، تحكي حبيبة لرصيف22: "تعلَّمْت حياكة السجّاد من والدتي، وهي بدورها ورثت أصول الصَّنْعَة عن جدتي، على غرار أغلب نساء قريتنا".

منذ طفولتها، ما فتئ المغزل والمنسج وخيوط الصوف الملونة، أدوات تصاحب ابنة بلدة آيت رخا، الواقعة على بعد خمسين كيلومتراً من مدينة تيزنيت (جنوب المغرب).

وأضافت: "شغفي بهذه الصّنعة لا يوصف، لم أعبأ بتحذيرات الطبيب الذي حثّني على التوقف عن مزاولتي لها جراء مضاعفات صحية كثيرة، تسبَّب فيها جلوسي لساعات طويلة يوميّاً أمام المنسج والمغازل، لكنني واصلت العمل بها، ولا أزال".

زرابي في الدار البيضاء, ©سام هويتز

وقالت حبيبة وهي تروي علاقتها بنسج الزّرابيّ: "كنت طفلة، واليوم أنا جدّة، لدي أربعة أحفاد. من الأمس البعيد إلى اليوم، أجد في نسج الزرابيّ متنفّساً أستغرق فيه، وأعبّر من خلاله عن أحاسيسي كافة، وأطلق خيالي، فأطوّع الصوف والألوان، وأجعلها تترجم لحظات فرحي، وأوقات يأسي وألمي".

"الزّربيّة هي حياتي"، تروي حبيبة، عمراً كاملاً قضته في نسج الزرابي وبيعها، من داخل منزلها، حتى ذاع صيتها في المنطقة الأمازيغية، وأصبحت مقصد الباحثين عن لوحات فنية أثرية.

لقّنت حبيبة نساءً أخريات من جاراتها وصديقاتها هذه الحرفة، وأصبحن شريكات لها في العمل، ومردوده المالي.

"نسج الزّرابيّ ليس عملاً يدوياً غايتنا الربح منه فحسب"، تقول عائشة آيت سالم (35 سنة)، "بل هو جزء من هويتنا كنساءٍ أمازيغيات، وحرفة قديمة نسعى للحفاظ عليها من خلال الاستمرار في مزاولتها، وتعليمها للأجيال القادمة".

عائشة، واحدة من الشابات اللواتي تتلمذن على يد حبيبة، تحكي لرصيف22: "نجتمع في هذا المنزل الذي هو بمثابة مشغلنا الصغير. وكما نتشارك في العمل ونسج الزّرابيّ، نتقاسم همومنا وأفراحنا وأتراحنا".

لم أعبأ بتحذيرات الطبيب الذي حثّني على التوقف عن مزاولتي لها جراء مضاعفات صحية كثيرة، تسبَّب فيها جلوسي لساعات طويلة يوميّاً أمام المنسج والمغازل

تحرص عائشة على أن تصحب ابنتها الصغيرة "منال" معها في كل يوم عمل. تراقب منال التي لم يجاوز عمرها بعد ست سنوات، والدتها بمعيّة بقية النسوة، وهنّ يشتغلن في نسج الزّرابيّ.

سألنا عائشة إن كانت تنوي تعليم ابنتها تقنيات الحرفة المتوارثة جيلاً عن جيل، فلم تخفِ أنّها وعلى الرغم من حبّها لعملها، واعتزازها به، لا تنوي أن تجعل ابنتها نسّاجة زرابيّ فحسب، وستحرص على أن تحظى منال بتعليم ووظيفة جيّدين، لتكون حِياكة السجاد هواية تمارسها حين تفرغ.

وأردفت: "مع كل الحب الذي نعمل به، وشغفنا بهذه الصّنعة، لا أنكر أنها مرهقة للغاية. على الرغم من ذلك أتمنى لطفلتي وبنات جيلها أن يتعلمن ويرثن صنعتنا".

إرث أمام خطر "الحداثة"؟

وبحسب تقدير الباحثين في مجالَي الأنتربولوجيا والفنّ، فإن الزّربيّة المغربية ترقى لوثيقة تاريخية مهمة، تسجّل التحولات العميقة المتواترة التي عاشتها الحواضر كما البوادي في المغرب، من خلال استقراء نقوشها وأشكالها الدالّة على التغيّرات في أبنية الفكر ومعتقدات الحواضن الاجتماعية التي أنتجتها، لا النساء فحسب، ولكن القبيلة والجماعة التي ينتمين إليها.

في هذا السياق يقول الباحث المغربي في فلسفة الجمال موليم العروسي لرصيف22: "الزّربيّة المغربية، من أغنى أنواع السجاد الذي أنتجته الإنسانية، بالنظر إلى وجود أنواع كثيرة منه، تتعدد وتتباين، من منطقة الى أخرى، عبر تراب المملكة".


"متاجر زرابي مغربية في مراكش"، آيتور سالابيريا،  2008، موقع  فليكر

وأوضح الباحث المغربي، أنه يمكن بشكل عام تصنيفها في بابين أساسيين، هما سجّاد المدينة، أو كما يطلق عليها باللهجة المحلية "الزّربيّة المدينية"، والسجاد الريفي "الزّربيّة القروية".

هذا الإرث الذي تناقلته الأجيال التي تحرص على الحفاظ على هُويته وخصوصيته، أصبح على المحك. إذ إن الكثير من غازلات الزّرابيّ، أصبحن بدورهن يواجهن زحف وسائل "التحديث" التي تنصب أمامهن عوائق وتحديات كثيرة.

بعد أن كانت طريقة الجدّات ذاتَ قدسيّة خاصة، وطقوساً يُقتفى أثرها لما لها من رمزية داخل القبيلة، أخذت بعض النسوة حتى في القرى البعيدة، يتجاسرن على ابتداع أشكال ورموز جديدة لمواكبة التغيّرات المتسارعة في ذائقة المشترين.

بعض القبائل تتطيّر من غزل الصوف في مواقيت محدّدة كشهر محرّم أو أيام عاشوراء، وتتباين تلك المواعيد وفق المعتقدات الرائجة في كل منطقة

تقول عائشة لرصيف22: "صرت أضيف تحسيناتي ولمساتي الخاصة، من خلال رسم نقوش ورموز جديدة، أستمدها أحياناً مما تبصره عيناي في جريدة أو مجلة، وأحياناً على شاشة التلفزيون".

تقاطعها حبيبة بصوت ملؤه الحسرة: "كان للسجّاد فيما مضى، حظوة وشأن كبيران، وكان الإقبال غزيراً، لكن الأمر اختلف، مع منافسة السجاد العصري"، وهو غالباً ما يكون صناعياً مستورداً من بلدان أخرى.

وتؤكد المرأة على ضرورة الحفاظ على هذه الصنعة: "فهي إرث فني، ورمز لهويتنا، وإلا سيكون مصيرها الاندثار بعد زمن، لا محالة".

وشرح العروسي الفروق بين أشكال الزرابي المغربية قائلاً إنها صنفان: "يُصنع الأول في حواضر ومُدنٍ أشهرها الرباط والخميسات وفاس وتطوان ومراكش، فيما يحاك الثاني بأيدي النساء القرويات في الأرياف والقرى، الأمازيغية منها على وجه الخصوص".

ويتميز السجّاد "المَديني" باحتوائه رسوماً وأشكالاً تحاكي طابع العمارة والمباني الموجودة في المدن المغربية، بالإضافة إلى مربعات ومستطيلات وزوايا قائمة.

فيما تتميز الزّرابيّ الأمازيغية برسوم وعلامات، تتخذ شكل الأبجدية الأمازيغية وأحرفها، المعروفة باسم "تيفيناغ".

وهي وفق الباحث العلامات والرموز نفسها التي تضعها النساء الأمازيغيات على وجوههن وأجسادهن كوشوم، كما تُنقش على الأواني الفخّارية، وعلى الستائر والمخدّات التي تُستعمل في بيوتهن. ويرى بأن مجمل هذه العلامات والرموز تشكّل خطاباً بصريّاً، يعطي للسجّاد الذي يحملها قدسية ورمزية، ويكرّس هوية أصحابها وثقافتهم. هذه القدسية، تفسرها ضرورة خلع الحذاء قبل الجلوس أو الوقوف فوق "الزّربيّة".

الزّرابيّ...وليدة رحلة شقاء طويلة

هذه القدسيّة هي أيضاً وليدة مجال زمني خارج عن المألوف. فالمدة الزمنية التي تقضيها النسوة في غزل سجادة واحدة، لا تقاس بما يقضينه أمام المغازل، وهن يبدعن في تقاطع الخطوط والألوان، بل تبدأ قبل أسابيع. أيام طويلة لا يقلّ فيها الجهد المبذول والشقاء الذي يتكبّدنه في تخيّل شكل السجّاد نفسه، والأشكال التي ستزينه.

حسب شهادة غازلات الزّرابيّ اللواتي تحدث إليهن رصيف22، تبدأ الطقوس الأولى لصناعة الزّربيّة بمرحلة جزّ صوف الغنم الكافي، وغسله وتنظيفه، ومن ثم يجري تنشيفه وتمشيطه وصباغته بالنباتات الطبيعية، ثم غزل الخيوط الصوفية.

وتُستخلص الألوان المستخدمة في صباغة السجّاد التقليدي، من الأعشاب الطبيعية، كالحنّاء، وقشور الرمّان، والفوّة، والزعفران، وغيرها من النباتات التي تشتهر بها منطقة أو أخرى.

صناعة السجاد المغربي طقس متوارث سرّه محفوظ بين النساء

عندما تحصل الغازلات على الصوف الكافي لبدء العمل، قد لا يكنّ محظوظات بما يكفي لينطلقن مباشرة في أشغالهن، فبعض القبائل تتطيّر من غزل الصوف في مواقيت محدّدة كشهر محرّم أو أيام عاشوراء، وتتباين تلك المواعيد وفق المعتقدات الرائجة في كل منطقة.

وعن المدة الزمنية التي يستغرقها الإنتاج اليدويّ للزّرابيّ، ترى بعض غازلات الصوف أن الأمر يعتمد أساساً على الحجم والشكل، ومنهجية العمل التي تتباين من سجّاد لآخر، فقد يستغرق شهراً أو أكثر أحياناً.

تعمل النساء في "تعاونيّات" (منظمات غير حكومية) لصناعة السجّاد. وهي في غالبية الأحيان من تضطلع بمهمة البيع، والبحث عن الطلبيات للعاملات. لكنهن أيضاً يعتمدن في بعض الأحيان على قدراتهن وعلاقاتهن الخاصة في تسويق منتوجهن، وفي أحيان أخرى تكون الزّربيّة التي يقضين شهوراً ممتدة لتجهيزها، هديّة لعروس من أقاربهن، أو لاستقبال مولود، أو تجديداً لأفرشة بيوتهن، التي تكتسي رونقها التقليدي ببسط الزّرابيّ على أرضيتها.

أعمال فنية

وبحسب العروسي، فإن الزّربيّة المغربية تبدو أيضاً لوحة تثير الدهشة والإعجاب لجهة تناسقها الشكلي وفق حسابات تبدو بالغة الدقة.

من ناحيته، يقول الناقد الفني المغربي ابراهيم الحيسن في حديثه لرصيف22، إن التشكيل الزخرفي للسجّاد المغربي: "يعتمد أشكالاً هندسية مختلفة، وشرائط على الحواشي، منظمة على إيقاع التكرار، والتقابل، والتعاكس، والتساوي بواسطة محاور التماثل، وهو ما يرمز إلى المساواة والحلم بالعدالة".

وأشار الحيسن إلى: "هيمنة التوظيف القُزحي للألوان، بحيث يطغى في جلّ الزّرابيّ المغربية، اللون الأحمر الذي يحيل عموماً على حرارة المناخ، وكذا البرتقالي، والأصفر الساجي، والأزرق المخفّف، والبني، والبنفسجي، والأبيض، فضلاً عن العديد من الألوان الترابية بدرجات ضوئية وظلّية متفاوتة.

وشدد الناقد المغربي على أهمية الطابع الفني المميز للزّرابيّ المغربية، الذي يكرّسه الاختزال والبساطة الهندسية، سواء تعلّق الأمر بالأشكال التجريدية، أو بالنماذج المشخّصة منها، من قبيل الرجل، والطير، وإبريق الشاي، والنباتات، وشجيرات محلية، وحيوانات أليفة.

هكذا إذاً، فإن غازلات الزّرابي لم يتمرّسن فقط في حرفة تقليدية كنّ يشغلن بها سحابة أيامهن، بل امتهنّ بحرفية لافتة، صنعة صعبة المراس والدُربة، عبرها كنّ يبذلن جهداً ذهنياً واضحاً، في شغل المساحات المصفوفة أمامهن، وملئها بقصص التاريخ، وألوان الطبيعة، ودفء المشاعر، وصرامة الأشكال الطقوسيّة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard