إرهاب إسرائيل المقدس... موشي شاريت يشرح كيف أصبح الانتقام قيمة أخلاقية

الاثنين 24 مايو 202101:52 م

القارئ العربي، والمراقب الأجنبي الموضوعي، لم يكن كلاهما ينتظر نشر أجزاءٍ من مذكرات موشي شاريت في عام 1975، أو الأعوام التالية التي حاولت فيها إسرائيل منع نشر المذكرات. فالمشهد على الأرض أثارَه العربي، وتابعه الأجنبي، وتأكدت لكليهما طبيعة عقيدة تأسس عليها كيان عنصري لا يتورع عن الإبادة الجماعية، إثباتاً لجدارة مهامّ خدمته للرعاة، وخصوصاً شرطي العالم، الراعي الذي كان يوماً بريطانياً، فلما غربت شمس إمبراطوريتها، ورث الراعي الأمريكي خدمات "دولة وظيفية" لا تحمّله مادياً تكلفة حاملة طائرات في المنطقة، لحماية مصالحه، كما تعفيه من تلويث يديه بعمليات قذرة يزهو بها القادة الصهاينة، ويضيفونها إلى قائمة إنجازاتهم في "الإرهاب المقدس".

في كتاب "إرهاب إسرائيل المقدس" تدرس الكاتبة الإسرائيلية ليفيا روكاش مذكرات شاريت الذي تعرضت عائلته لضغوط هائلة، لمنع نشر يومياته بالعبرية. ثم جرت محاولات شملت التهديد برفع دعاوى قضائية، "وطرق أخرى"، لمنع النشر خارج إسرائيل.

وفي 4 أبريل 1980 كتبت صحيفة "معاريف"، في صفحتها الأولى: "كارهو إسرائيل في الولايات المتحدة ترجموا بدون إذن يوميات موشي شاريت". وفي الشهر نفسه هدّد مكتب محاماة شهير في نيويورك، متحدثاً باسم عائلة شاريت والناشر الإسرائيلي لليوميات، "برفع دعوى سريعة في محكمة إقليمية فيدرالية"، لمنع نشر اليوميات كاملة أو مجتزأة. التهديد لا يتعلق بحفظ حقوق الملكية الفكرية، وإنما باتهامات "هستيرية بمحاولة فضح إسرائيل عبر شاريت".

كان موشي شاريت (1894 ـ 1965) أول وزير خارجية لإسرائيل، وثاني رئيس لوزرائها بين عامي 1953 و1955، بين فترتيْ رئاسة ديفيد بن غوريون لوزراء الكيان الصهيوني. وكان بين الرجلين خلاف قديم؛ فقبل حرب 1948 حاولت الولايات المتحدة عبر وزير خارجيتها جورج مارشال إيجاد حلّ سياسي لمشكلة الوجود اليهودي في فلسطين، وكان هناك اقتراح يستهدف "إقامة كونفدرالية شرق أوسطية تضم كياناً صهيونياً"، وكان من المفترض أن يكون رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي المفاوض الرئيس في الجانب العربي، "هذه المفاوضات التي كان من المتوقع أن تمنع اندلاع الحرب... كانت ستعني تأجيل الموعد الذي تحدّد من أجل إعلان دولة إسرائيل لعدة أسابيع".

تشومسكي يرى شاريت من دعاة الاعتدال، مستشهداً بأن "هزيمته " السياسية عكست صعود بن غوريون وموشي دايان وصهاينة آخرين

ولكن بن غوريون اعترض على فكرة التفاوض، ورفض تأجيل إعلان إنشاء "الدولة "، واتهم شاريت "بأنه يعارض قيام الدولة". وأنكر شاريت الاتهام، وجادل بأنه يفضّل الحل السياسي على الحل العسكري؛ فالوسائل الدبلوماسية تحقق الهدف نفسه. آمن بن غوريون بالعنف، وله خبرة بالعمل المسلح، وأما منطق شاريت فاستند إلى خبرته في إدارة العلاقات الدولية للحركة الصهيونية، بصفته رئيساً للقسم السياسي في الوكالة اليهودية (1933 ـ 1948).

واستمر الصراع بينهما حتى كان سبباً في "طرد شاريت" من منصبه كوزير للخارجية في يونيو 1956، لمعارضته "أعمال التحرش المستمرة" بجيران إسرائيل، وكانت "تصفية وجوده المعارض مسألة ضرورية من أجل تحقيق مخطط الزعامة الإسرائيلية السياسية والعسكرية".

تغطي يوميات شاريت الفترة من أكتوبر 1953 إلى نوفمبر 1956، وهي ذروة السنوات الأخيرة من حياته السياسية. وتمتد اليوميات حتى 29 نوفمبر 1957، وهي فترة شهدت معاناته بسبب "توقف نشاطه بعد موته السياسي". وصدر كتاب ليفيا روكاش بعنوان "إرهاب إسرائيل المقدس" عن مكتبة الشروق الدولية بالقاهرة، وترجمته ليلى حافظ.

وقال ناعوم تشومسكي في مقدمة الكتاب إن بين إسرائيل والولايات المتحدة "علاقة خاصة"، تتضح على المستوى المادي بتدفق رأس المال، والأسلحة، والدعم الدبلوماسي، والعمليات المشتركة، وتظهر هذه "العلاقات الخاصة أيضاً على مستوى العقيدة"، فتتحرك إسرائيل للدفاع عن المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، وقلما يُشار إلى الدّور الحيوي لإسرائيل في استمرار الصراع.

تشومسكي اليهودي الأمريكي المعارض للسياسات الأمريكية والإسرائيلية يرى شاريت من دعاة الاعتدال، مستشهداً بأن "هزيمته " السياسية عكست صعود بن غوريون وموشي دايان وصهاينة آخرين "لم يترددوا في استخدام العنف للوصول إلى أهدافهم". ويضيف أن المذكرات "التي كرّست لها ليفيا روكاش دراستها، تعتبر بما لا يدعو للشك، مصدراً وثائقياً أساسياً. تلك اليوميات تبقى خارج التاريخ الرسمي". وما عرف في الآونة الأخيرة بتيار المؤرخين الجدد في إسرائيل، وهم ينقُضون الرواية الصهيونية الرسمية، يكاد تشومسكي يشير إليهم، بقوله إن روكاش قدمت "خدمة قيمة عندما جعلت تلك الأوراق متاحة، لأول مرة، إلى كل هؤلاء الذين يهتمون باكتشاف العالم الحقيقي الذي يقبع وراء التاريخ الرسمي".

في الصفحة رقم 33 من يومياته، يسجل شاريت أن الثلاثينيات كانت مرحلة الاستضعاف، وفيها قام الصهاينة "بالسيطرة على مشاعر الانتقام... الآن، بالعكس، نقوم بتبرير نظام العمل الانتقامي... لقد أزلنا القيود الفكرية والأخلاقية التي تقوّض تلك الغريزة وجعلنا من الممكن... دعم الانتقام كقيمة أخلاقية... كمبدأ مقدس"، بعد "استئصال الكوابح الأخلاقية".

"جندي آخر افتخر بأنه اغتصب امرأة عربية قبل إطلاق النار عليها وقتلها. أمر الجنود امرأة عربية أخرى معها رضيعها بتنظيف المكان لمدة يومين، وبعد ذلك أطلقوا النار عليها وعلى طفلها"

وتعلّق ليفيا روكاش بأن شاريت رأى، "بشكل واضح، المنطق وراء عقيدة الأمن الإسرائيلية بأنها فاشستية، وقام بتقديم تقييم حقيقي لعواقبها، من الفساد الأخلاقي، على المستوى الداخلي، وتزايد العنف على المستوى الإقليمي. ولقد عارضها، وكان بلا شك أحد ضحاياها. فقد كانت هزيمته مسألة لا يمكن تجنبها"، على الرغم من "إيمانه القاطع بالصهيونية".

تقول ليفيا روكاش إن اليوميات تثبت أن الخطر العربي "أسطورة اخترعتها إسرائيل لأسباب داخلية، لديها وداخل الدول العربية، ولم تستطع النظم العربية إنكارها، تماماً، رغم أنها كانت على الدوام في خوف من استعدادات إسرائيل لحرب جديدة". وترى اليوميات "مدمرة للدعاية الصهيونية"، وتنقل منها قيام بن غوريون، عام 1954، "بتطوير الخطة الجهنمية " لإشعال صراع طائفي في لبنان، عن طريق تحويل "لبنان إلى المسيحية".

وتضمّن تطوير الخطة خطوات تفصيلية "لتقسيم وإخضاع هذه الدولة لإسرائيل". وتأمّل شاريت "السلسلة الطويلة من الأحداث الزائفة والحروب التي اخترعناها"، ورفْض أي تسويات أمنية للحدود، تقدمها الدول العربية أو الأمم المتحدة، لأن دايان رأى أنها "تقيّد يد إسرائيل".

سجل شاريت، في 26 مايو 1955، قول دايان إن العمليات الانتقامية "مادة حيوية بالنسبة لنا. فهي تساعدنا على الحفاظ على توتّر عالٍ بين شعبنا والجيش... فمن أجل أن يذهب شبابنا إلى النقب، يجب أن نصيح أنها في خطر". في تلك السنوات الأولى بعد تأسيس إسرائيل، كان المجتمع غير متجانس، لقدومه من قارات مختلفة، ويواجه "خطر تفسّخه اجتماعياً وثقافياً"، واقتضت ذهنية الحصار نسف الكوابح الأخلاقية، لاعتياد الإرهاب. وما نسميه في العالم العربي نكبة 1948، في رأي الصهاينة تحرير، و"انتصار للحق اليهودي ضد القوة". ولحدوث التحوّل الثقافي، "كان لا بدّ من التضحية بأرواح يهودية من أجل خلق الاستفزاز" لتسويغ عمليات انتقامية جديدة.

دايان: العمليات الانتقامية "مادة حيوية بالنسبة لنا

أورد شاريت شهادة جندي شارك، عام 1948، في احتلال قرية الدوايمة الفلسطينية: "قتلتُ ما بين 80 إلى 100 عربي، من النساء والأطفال. لقتل الأطفال، كانوا يقومون بتحطيم رؤوسهم بالعصي. لم يكن هناك منزل واحد بلا جثث... جاء المخربون لكي يفجّروا المنازل بالديناميت. أمر قائدنا بإحضار امرأتين إلى المنزل الذي كان على وشك تفجيره... جندي آخر افتخر بأنه اغتصب امرأة عربية قبل إطلاق النار عليها وقتلها. أمر الجنود امرأة عربية أخرى معها رضيعها بتنظيف المكان لمدة يومين، وبعد ذلك أطلقوا النار عليها وعلى طفلها. القادة المتعلمون... وكانوا يعتبرون أفضل الرجال أصبحوا قتلة، وذلك ليس خلال ضراوة المعارك، ولكن كمنهج طرد وإبادة".

هكذا، ومن دون "تغطية أخلاقية"، اعتمدوا سياسة العنف المفتوح، وبدأ تمجيد الإرهاب، وانتهاج الانتقام، باعتباره القيمة "الأخلاقية... بل المقدسة". ويسجل شاريت في 15 أكتوبر 1953 أن أنباء وصلته عن تدمير 30 منزلاً في قبية الفلسطينية، "هذا العمل الانتقامي لم يسبق له مثيل في حجمه وفي قوة الهجوم المستخدمة. ظللت أسير في حجرتي ذهاباً وإياباً وأنا بلا حول ولا قوة، أشعر بكآبة كاملة بسبب عجزي... لقد كنت مرعوباً من التفاصيل التي استمعت إليها في إذاعة رام الله عن تدمير القرية العربية، عشرات المنازل دكّت وسوّيت بالأرض، وعشرات الأفراد قتلوا. يمكنني أن أتخيل العاصفة التي سوف تهب غداً في العواصم العربية والغربية".

وكتب شاريت في اليوم التالي: "يجب أن أؤكد هنا أنني، عندما اعترضت على العملية لم أكن أشكّ، ولو من بعيد، في وقوع حمام الدم هذا". وسأله القائم بالأعمال الأمريكي "راسل" إذا كان سيُدين عملية قبية؟ وسجل شاريت في يوميات 17 أكتوبر: "قلت إنني لن أستطيع أن أجيب... كاترييل سالمون (الملحق العسكري الإسرائيلي في لندن) تقدم بفكرة تضليل: عملية قبية سوف تجذب كل انتباه العالم، إلا إذا اخترعنا عملية أخرى مثيرة". ورجع بن غوريون من عطلة، لحضور اجتماع الحكومة، وتقرر إصدار بيان عن مذبحة قبية. رأى شاريت أن ينطوي البيان على "الأسف"، وأصرّ بن غوريون على استبعاد الجيش من أي مسؤولية.

كتب شاريت: "لم أستطع أن أطلب جدياً أن يؤكد البيان بشكل واضح مسؤولية الجيش، لأن ذلك كان سيجعل من المستحيل إدانة الفعل، وفي النهاية سوف نضطر إلى تأييد هذه المجزرة البشعة". وتعلّق ليفيا روكاش أنه بالنسبة لشاريت، "لم يكن من الممكن المساس بالجيش"؛ فالجيش نفّذ قراراً "اتخذ على المستوى السياسي". والآن لا أستطيع مواصلة الكتابة؛ فاستعادة مجزرة واحدة تثير الشجون والأسى، وتفسد عليّ المشاركة في الفرح بإنجاز الصحوة الفلسطينية، في مايو 2021، لثورة في عموم فلسطين، حققها إدراك الشعب أنه فاعل، لا ضحية ينتظر التعاطف. وأختتم بقول شاريت، في 27 فبراير 1954، إن الحرب مع مصر ظلت "الطموح الأكبر" لإسرائيل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard