التونسيون والقضية الفلسطينية... أكثر من تضامن منذ ما قبل سنة 1948

الخميس 20 مايو 202111:24 ص

اجتمع الفرقاء السياسيون في تونس حول موقف موحّد وهو دعم الفلسطينيين ضد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والتنديد بتصاعد وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية على أبناء القدس والضفة الغربية والأراضي المحتلة. تمكنت القضية الفلسطينية من توحيدهم للمرة الأولى منذ أشهر، وظهر ذلك عبر إصدار بيانات وتنظيم تظاهرات ومسيرات مساندة لأهالي غزة والقدس.

وأكدت مواقف الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والمدنية أن القضية الفلسطينية تسمو على كل الخلافات السياسية والأوضاع المرحلية، على اعتبار أنها قضية إنسانية قومية عربية ساندتها تونس على مر التاريخ.

تظاهرات ومسيرات

في سياق ردود الفعل الرافضة للعدوان الإسرائيلي، نظّم الاتحاد العام التونسي للشغل يوم الأربعاء، في 19 أيار/ مايو، مسيرة تحت شعار "من أجل سن قانون لتجريم التطبيع" و"التطبيع خيانة" شاركت فيها العديد من المنظمات والجمعيات والأحزاب.

انطلقت المسيرة الحاشدة التي سار فيها عدد كبير من التونسيين من أمام مقر وزارة السياحة، واتّجهت نحو شارع محمد الخامس، ورفع خلالها المحتجون شعارات من قبيل "بالروح بالدم نفديكَ يا أقصى" و"الشعب يريد تجريم التطبيع".

وأشار الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل سمير الشفي إلى أن هذه المسيرة "هي تضامنية بالأساس للتنديد بالعدوان البربري الصهيوني على قطاع غزة، وتندرج ضمن المواقف المبدئية الثابتة للشعب التونسي بصفة عامة والاتحاد العام التونسي للشغل بصفة خاصة".

وأضاف الشفي لرصيف22 أن المسيرة تندرج في إطار "دفع كل القوى الحيّة على المستوى العربي والدولي لممارسة أقصى درجات الضغط على الكيان البغيض لإيقاف المجازر التي يرتكبها في حق شعب أعزل"، لافتاً إلى أنها "فرصة للتأكيد على أن القضية الفلسطينية قضية عربية ولا بدّ على الجميع من الوقوف جنبها والمطالبة بضرورة قطع جميع السبل أمام الكيان اللقيط لاختراق تونس على جميع المستويات سياسياً واقتصادياً ورياضياً وأكاديمياً وتجريم التطبيع".

وأعرب المتحدث عن تطلعه لتجاوز مرحلة الدعم المعنوي والسياسي للفلسطينيين، خاصة في ظل الأوضاع المأساوية التي يمرّون بها، "من خلال التوصل إلى تأمين مساهمات من الدولة والشعب والمنظمات لفائدة فلسطين"، مشيراً إلى أن الاتحاد يدفع نحو تنظيم حملة إغاثة لجمع أدوية ترسَل إلى الشعب الفلسطيني.

هذه المسيرة لم تكن الأولى بالتأكيد. فرغم الوضع الصحي الحرج والوضع الاجتماعي المتفجر، لم يتردد التونسيون عن الخروج في تظاهرات ومسيرات مساندة لفلسطين ومنددة بممارسات إسرائيل التي أسفرت عن سقوط مئات القتلى والجرحى.

في 11 أيار/ مايو الجاري، نُظّمت وقفة احتجاجية بدعوة من مجموعة أحزاب ومنظمات من بينها حزب التيار الديمقراطي وحزب حركة الشعب والاتحاد العام التونسي للشغل والنقابة الوطنية للصحافيين التونسيين، في ساحة القصبة، دعماً لانتفاضة الشعب الفلسطيني في وجه العدوان الإسرائيلي.

كما شهدت جلّ الولايات التونسية يوم 15 أيار/ مايو مسيرات وتظاهرات ووقفات احتجاجية منددة بالعدوان الإسرائيلي على غزة. وبدعوة من الاتحاد المدني التونسي لمناهضة التطبيع، أقيمت وقفة احتجاجية في ساحة الحكومة في القصبة، تنديداً "بالانتهاك الآثم والغاشم وما تعرّض له المقدسيون وسكان حي الشيخ جراح من اعتداءات من قبل المستوطنين وجنود الاحتلال الصهيوني"، شارك فيها المئات، رافعين الأعلام الفلسطينية ومرددين شعارات من بينها "مقاومة، مقاومة، لا صلح لا مساومة" و"الشعب يريد تجريم التطبيع".

كما نظّمت تنسيقية العمل المشترك من أجل فلسطين ومجموعة من الأحزاب والمنظمات، في 15 أيار/ مايو، تحركاً احتجاجياً في شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة تحت شعار"سُنّوا فوراً قانون تجريم التطبيع مع العدوّ الصهيوني".

بدوره، نظم حراك "ثورة مستمرة صفاقس" يوم غضب تنديداً بالاعتداءات التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني شارك فيه مئات المتظاهرين والسياسيين والناشطين في المجتمع المدني.

علاقة تونس والتونسيين بالقضية الفلسطينية قديمة، وشهدت امتزاج دماء الفلسطينيين بدماء التونسيين في أكثر من مناسبة، منذ ما قبل عام 1948

وانطلاقاً من مقرّ الاتحاد الجهوي للشغل في ولاية قبلي، انطلقت مسيرة شعبية تحت شعار "لبيكِ يا قدس" جابت أبرز شوارع المدينة معبّرة عن مساندة أهالي المنطقة للمقاومة الفلسطينية.

وفي 16 أيار/ مايو، أُعلن عن تشكيل "التنسيقية الوطنية الموحّدة لدعم المقاومة الفلسطينية وتجريم التطبيع"، وتضم 12 عشر حزباً سياسياً و12 جمعية ومنظمة وطنية. ودعت التنسيقية إلى التظاهر أمام مجلس نواب الشعب للمطالبة بالمصادقة على قانون تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني.

واستجابةً لتلك الدعوة، تجمّع في 18 أيار/ مايو مئات المتظاهرين أمام مقر البرلمان في وقفة للتضامن مع الفلسطينيين ومناوءة إسرائيل رُفعت خلالها شعارات تطالب بتجريم التطبيع.

واقتحم المحتجون السياج الخارجي للبرلمان في حركة احتجاجية على ما اعتبروه تقاعس نواب الشعب عن طرح مشروع قانون يجرّم التطبيع مع إسرائيل، رغم جرائم الإبادة والقتل والتشريد التي ترتكبها ضد شعب أعزل.

بدورها، نظّمت الفروع الجهوية للهيئة الوطنية للمحامين في اليوم نفسه وقفات تضامنية مع الشعب الفلسطيني في كل من تونس العاصمة وسيدي بوزيد وقفصة بالتزامن مع وقفات أمام جميع محاكم الجمهورية.

وأكد عميد المحامين إبراهيم بودربالة، خلال مشاركته في الوقفة التضامنية أمام قصر العدالة في تونس العاصمة، تبني هيئة المحامين للقضية الفلسطينية مشدداً على أن التقارب من الكيان الصهيوني على جميع إشكاله هو خيانة للقضية القومية وطعن في ظهر القضية الفلسطينية.

وقال: "أتوجه إلى كل حكام العرب الذين يحاولون التطبيع مع الكيان الصهيوني: انظروا إلى هذه الجماهير التي سوف تقوّض أركانكم". ورفع المحتجون العديد من الشعارات من بينها "المحاماة التونسية وفية للقضية الفلسطينية" و"لا للتطبيع/ القدس عاصمة فلسطين للأبد".

تاريخ من مساندة تونس للقضية الفلسطينية

علاقة تونس والتونسيين بالقضية الفلسطينية قديمة، وشهدت امتزاج دماء الفلسطينيين بدماء التونسيين في أكثر من مناسبة.

فعام 1948، تطوّع أكثر من 2600 تونسي لدعم الفلسطينيين، واتجهوا إلى فلسطين سيراً على الأقدام عبر ليبيا فمصر، وكانت أعداد من التونسيين قد وصلت إلى فلسطين قبل ذلك لمقاتلة العصابات الصهيونية.

وعام 1982، بعد إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، احتضنت تونس قيادات وأعضاء في الفصائل الفلسطينية، على رأسهم زعيم المنظمة ياسر عرفات، وبقوا فيها حتى سنة 1992.

دفعت موجة الوقفات المتضامنة مع الفلسطينيين في مختلف أرجاء تونس النواب إلى الحديث خلال الجلسة العامة التي انعقدت في 18 أيار/ مايو عن ضرورة سنّ قانون يجرّم كلّ أشكال التطبيع مع إسرائيل

وأقدمت إسرائيل خلال سنوات 1985 و1988 و1991 على شن غارات على مكاتب لمنظمة التحرير في تونس استشهد فيها فلسطينيون وتونسيون، كما اغتالت على الأراضي التونسية القيادي خليل الوزير (أبو جهاد)، في منزله الكائن في جهة سيدي بوسعيد.

وفي سياق مشاركة التونسيين في قتال إسرائيل، انضم العشرات إلى فصائل مقاومة فلسطينية ولبنانية لمحاربة إسرائيل في لبنان، تم تسليم رفات 11 منهم، سنة 2008، عندما جرت صفقة تبادل أسرى بين حزب الله وإسرائيل بوساطة ألمانية.

وأشهر التونسيين الذين وهبوا حياتهم لقضية قتال إسرائيل ميلود ناجح، الذي اقتحم في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 1987 معسكر قيادة المنطقة الشمالية للجيش الإسرائيلي باستخدام طائرة شراعية؛ وعمران المقدمي الذي قضى في 26 نيسان/ أبريل 1988 بعد اقتحامه موقعاً عسكرياً إسرائيلياً داخل مستعمرة دان في شمال هضبة الجولان؛ وعمر قطاطسنة الذي أصيب برصاص الجيش الإسرائيلي، عام 1992، أثناء إمداد فلسطينين دفعتهم إسرائيل باتجاه حدود لبنان لترحيلهم، بالمؤونة.

ولم يقتصر النضال التونسي بجانب الفلسطينيين على سنوات القرن الماضي، فقد شيّعت تونس سنة 2016 المهندس محمد الزواري، العضو في "كتائب الشهيد عز الدين قاسم"، الجناح العسكري لحركة حماس، والذي اغتاله الموساد الإسرائيلي في صفاقس.

مطالبات بتجريم التطبيع

يعتبر رئيس المرصد المغاربي لتجريم التطبيع أحمد الكحلاوي أن الفلسطينيون "عادوا بقوة إلى المقاومة"، ويضيف لرصيف22 أن "الشباب الفلسطينيين الرائعين هبّوا هبّة رجل واحد لمنع المستوطنين من دخول الأقصى ومن السيطرة على حي الشيخ جراح في القدس وقدّموا شهداء لكن المهم في كل هذا أن العهد الجديد لتحرير فلسطين انطلق والكيان الصهيوني على أبواب الرحيل وأمريكا لن تستطيع فعل شيء خلافاً لإرسال الصواريخ لقتل المدنيين".

وتعليقاً على الموقف التونسي من القضية الفلسطينية، أعرب الكحلاوي عن استيائه من عدم وضع حد للاختراق الإسرائيلي لتونس مستدلاً على وجود اختراق بحادثة اغتيال محمد الزواري أمام بيته، علاوة على التطبيع مع بعض المنتجات الإسرائيلية كالدقيق والقمح والزيوت ورفض سن قانون يجرّم التطبيع مع الكيان الصهيوني رغم خوض العديد من المعارك في هذا الصدد منذ سنة 2011.

ولكنه في الوقت عينه، يعبّر عن ارتياحه للموقف التونسي الواضح من إدانة العدوان الإسرائيلي على غزة، داعياً إلى خوض معارك دبلوماسية في المحافل الدولية.

تمكّنت موجة الاحتجاجات والتظاهرات والمسيرات والوقفات التي طالت كل القطاعات وجابت سائر الولايات من أن تؤتي أكلها، فقد تمحورت جميع مداخلات النواب خلال الجلسة العامة التي انعقدت في 18 أيار/ مايو على ضرورة سنّ قانون يجرّم كلّ أشكال التطبيع مع إسرائيل.

وأدان البرلمان في بيان أصدره الاعتداءات الوحشية الإرهابية لجيش الاحتلال الصهيوني على القدس وغزة كما دعا إلى إحداث "لجنة القدس وفلسطين"، وإلى التسريع في عرض المبادرة التشريعية المتعلقة بتجريم التطبيع مع إسرائيل على الجلسة العامة للبرلمان في أقرب الآجال.

القضية الفلسطينية توحّد التونسيين

في منشور على حسابه على فيسبوك، اعتبر المحلل السياسي بولبابة سالم أن "المعركة أثبتت أن الأنظمة العربية العميلة هي القبة الحديدية للكيان الصهيوني وأن الدكتاتوريات العربية حليفة الصهيونية".

يتهم بولبابة، في حديث لرصيف22، بعض الأنظمة العربية بأنها تحرس أمن إسرائيل ويعتبر أن "المقاومة الفلسطينية هي الوحيدة التي ليس لها مجال حيوي"، وأن "الوقائع أثبتت أن الشعوب الحرة هي التي تتظاهر من أجل فلسطين".

وبخصوص الموقف التونسي من الأحداث الأخيرة، بعتبر أنه، مقارنة بمواقف باقي الدول العربية، جيّد، مشدداً على أن القضية الفلسطينية توحّد التونسيين، من مختلف المشارب الفكرية، إسلامية كانت أو علمانية أو يسارية، رغم الخلافات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard