من قال إن الله لا يحب الموسيقى في رمضان؟

الثلاثاء 11 مايو 202111:27 ص

من قال إن الله لا يحب الموسيقى؟ من اكتشف أنه يكره الغناء ويقبّحه، لا بل ويحرّمه كما يرى البعض؟ لمَ يخترعون له آراءً، ويخمّنون مواقفه من الأمور لوحدهم؟ أنا لم أعلم أن جبريل نزل إلى الأرض ثانية، خلال الأعوام الـ1400 الماضية، حاملاً معه أوامر إلهية جديدة. إذاً من أين تنبعُ تلك الشرائع كل حين؟ هذه التساؤلات أثارتها قصة رفيف، التي روت لي منذ أيام:

قبل الإفطار فاجأني زوجي باستيائه وصراخه قائلاً: أيعقل أن تسمعي الأغاني وأنتِ صائمة، والشهر رمضان، وقبل أن يحين موعد الإفطار؟ وحين أبديتُ استغرابي من الأمر ونوّهت إلى أن الأمر عادي، أكمل استياءه: "لا يجوز سماع الأغاني وقت الصيام. إنها تجعلنا نفكر بالعواطف والحب، وننسى الدين والله. الإنسان المؤمن لا يسمع إلا القرآن والأغاني الدينية في رمضان، وإلا سيغضب الله عليك، ولن يقبل صيامك".

"لا يجوز سماع الأغاني وقت الصيام. إنها تجعلنا نفكر بالعواطف والحب وننسى الدين والله"

لم أفهم كيف يمكن لشيء نفعله طوال العام ألا نفعله في رمضان؟ وكيف يمكن لشيء أن يكون حلالاً طوال الأوقات إلا في شهر واحد؟ أليس الحرام حراماً كل وقت، والصحيح صحيحاً في كل حين؟ ألا يجب أن نمتنع عن الخطأ والأذى في كل زمان، وذلك قبل الامتناع عن الطعام والشراب غير المؤذيَين أصلاً. ولأني أعرف أني لن أصل إلى نتيجة مرضية في إقناعه، صمتُّ، وامتنعتُ عن سماع أية موسيقى خلال وجوده أثناء النهار حتى ينقضي هذا الشهر. فكّرتُ كيف أن كثيراً من الناس يمارسون طقوساً دينية فقط في رمضان، كأنهم لا يتذكرون الدين إلا في هذا الشهر. إذ تمشي في الشارع لتسمع الأغاني الدينية من المحلات والمكاتب بينما لا تسمعها بقية أيام السنة. فكرتُ كيف يمكن إقناع مثل هؤلاء الناس بأن الله يحب الأشياء الجميلة في كل زمان ومكان، وأن الأغاني لا يمكن أن تكون حراماً.

لطالما اعتقدتُ أن الموسيقى وُجدت قبل الكلمات وقبل وجود البشر حتى، لأنها أسهل على الفهم وأسرع في الدخول إلى القلوب. والله وضعها في الكون والطبيعة وخلق الأصوات في كل شيء. لكن الناس لم يفهموها، فاضطر الله لخلق الكلمات لأنهم لم يستطيعوا التفاهم من خلال الموسيقى.

كيف يمكن لشيء نفعله طوال العام ألا نفعله في رمضان؟ وكيف يمكن لشيء أن يكون حلالاً طوال الأوقات إلا في شهر واحد؟

حين جاءت أختاي لزيارتي، قامت إحداهما بتشغيل أغنية عاطفية، فسارعت إلى إيقافها منبهةً إياها بأن هذا لا يجوز كما قال زوجي، وسينزعج لو جاء وسمعها في البيت. فاستسلمت الفتاتان للأمر، كما استسلمتا أمام والدي حين اقترح إخراجهما من المدرسة قبل زفافي بأقل من شهر بحجة أن الجميع مشغولون بالتحضير لحفلة عرسي، ولا أحد لديه الوقت للدراسة أو لتدريسهما. هما اللتان ظُلمتا منذ بداية الحرب في سورية، حيث أُجبِرنا قبل سنوات على النزوح، ومن ثم الهروب إلى لبنان، فتركتا المدرسة من بداية الصف الابتدائي الثالث. وفي لبنان درستا شهراً فقط، ثم أخرجهما والدي من المدرسة؛ لأن تكاليفها باهظة وهو غير قادر على دفعها، وهو الذي اعتاد أن يكون التعليم مجانياً في سورية. ومثلهما أنا أيضاً لم أتمم دراستي، ولم أستطع دراسة الصف الثانوي الثالث، والحصول على الشهادة الثانوية بسبب نزوحنا.

حين عدنا إلى سورية، كنت قد نحّيت فكرة الدراسة جانباً لتحل محلها فكرة الزواج الذي هو مستقَر الفتاة ومصيرها كما أقنعتني أمي. أما أختاي فقد شجعتهما على العودة إلى المدرسة وإتمام تعليمهما الإلزامي على الأقل. لكن بعد ستة أشهر جاء الحظر الصحي بسبب انتشار الكورونا، وأُغلقت المدارس، وتعودتا على المكوث في المنزل. ومع اقتراب موعد زفافي وانشغالنا به، تركتا المدرسة ثانية، على الرغم من إلحاحي عليهما لأني أعرف مدى الندم الذي سيصيبهما. فها أنا أتحسرُ على شهادتي التي أضعتها. وأردد: ليتنا لم نسافر إلى لبنان، فنحن لم نغنم شيئاً ثميناً من هناك؛ لم نجمع أموالاً تسمحُ لنا بشراء بيت، ولم نستطع الاستقرار هناك، وأضعنا دراستنا على هامش هذه الحرب، وماذا كانت النهاية؟

ليحترم الناس مرة إفطار المفطرين كما نحترم صيام الصائمين، لن أترك نفسي عطشى ولست مضطرة لذلك

كانت فتاةً عشرينية لم تحصل على شهادتها. تعيش في بيت الزوجية حياة رتيبة كامرأة خمسينية، مع زوج يكبرها بثلاث عشرة سنة، متشدد في حياته ومتمسك بالتفاصيل الدينية المهمة والأقل أهمية، مضيّقاً عليها حياتها في كثير من جوانبها. كثيراً ما حسدتُ صديقتي التي تعيش بحرية بلا قيود، تخرج متى تشاء لتتسلى. لا أحد يقيّدها في لباسها. لا أحد يفرض عليها التعاليم الدينية. ولا أحد يجبرها على الصوم في رمضان. تقول إنها غير مقتنعة به، ويكفي ألا تؤذي الآخرين وتبقى نيتها سليمة تجاه الناس وتساعدهم، فهذا أهم من الصيام في رأيها. وحين أفكر في مناقشتها بأنه فرض من الله، تقول: ألم يفرض الله على البشر أيضاً عدم الكذب والنميمة والاستغلال والقتل والأذية وغيرها. من ينفّذ هذه الفروض؟ إنهم ينفذون الفروض التي لا تتعارض مع مصالحهم فقط، الفروض السهلة التي فيها منفعتهم الشخصية فقط. أما الفروض التي تنفع الآخرين فيبتعدون عنها، عن أي فرض تتحدثين؟ فأقول لها: إذاً أتمّي فروضك بهذا الفرض. لكنها سرعان ما تجيب: إن زرعتِ مئة شجرة، هل ستفرقُ واحدة عن الأخرى كثيراً؟

صديقتي التي لا تصوم تقول إنها تحترم صيام غيرها ولو أنها ترفضه لنفسها. وتراعي ألا تأكل أو تشرب أمام الصائمين في الشارع، إلا إذا اشتد بها العطش، تنسى كل احترامها هذا. وتردد: ليحترم الناس مرة إفطار المفطرين كما نحترم صيام الصائمين، لن أترك نفسي عطشى ولست مضطرة لذلك. أتساءل كثيراً: ألن يحاسبها الله على هذا؟ هل يستوي المفطر والصائم؟ كيف يُجري الله حساباته؟ مع أني لا أشك بعدله ورحمته، لكني أتمنى لو أعرف كيف سيُجري الحساب، ربما كنت سأغير أنماطاً كثيرة في حياتي.

إن الاجتهادات الكثيرة في الدين هي التي ضيّعت الناس الذين يخشون أن ينحرفوا، ولو بمسار خطوة عن أي تعليم ديني سواء أكان مقنعاً أم لا. فلا أحد يجرؤ على التمرد على أيّ من هذه التعاليم، ولا استبدالها أو تطبيقها بالحد الأقل تشدداً منها. فيعيشون تحت ثقل الخوف من الابتعاد عنها، أو الاعتراض عليها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard