"أنا أهم من صلاتك"... يوميات زوجات متدينات في رمضان

السبت 24 أبريل 202105:43 م
Read in English:

“I’m More Important than Your Prayers”... The Lives of Religious Wives in Ramadan

بعض الرجال في غزة يقبلون على الزواج بنساء متدينات معروفات بمحافظتهن، حتى لو لم يكونوا هم بالأساس متدينين، وعندما يهل شهر رمضان، تصل الصراعات بين هؤلاء الأزواج إلى ذروتها، وتعيش زوجات بين قمع رجالهن لنزعة التدين، والحيرة بين الالتزام بكل ما يطلبه "البيت"، وأداء الطقوس الدينية بأجوائها الرمضانية.

تحاول السيدة مريم عوض الله ترتيب جدول حياتها خلال أيام شهر رمضان، ولكنها تفشل دائماً، توزع وقتها بين العبادات والمهام المنزلية، والمسؤولية الأكبر تكمن في المطبخ، إذ تُعرف المائدة الرمضانية بتعدد مقبلاتها بجانب الوجبات الرئيسية، ما يجعلها تشعر بالأرق الجسدي.

ولم تقتصر معاناتها على ذلك، بل باتت تشعر بالضجر نتيجة نجاحها في إتمام "واجباتها"، ولكنها فشلت في إشباع رغبتها الروحانية في التعبد والتضرع إلى الله.

"بطلت أصلي النوافل عشان يرضى زوجي".

تقول مريم (38 عاماً)، وهي أم لأربعة أبناء، وتعمل إدارية في دائرة حكومية بغزة: "بطلت أصلي النوافل عشان يرضى زوجي".

ترى مريم زوجها غير متدين، لا يلتزم الصلوات كاملة، وعندما يصوم "يحمل الكل جمائل إنه صايم، على خلافي"، وتضيف: "أنا نشأت ضمن عائلة محافظة تحب اتباع تعاليم الله، والتمعن في الجمال الروحي والوجداني للعبادات وتقدم القربان للخالق، ولكن للأسف منذ خمسة أعوام أجد نفسي في حصار، وأصبحت أتمنى عدم قدوم رمضان".

تؤكد مريم أن زوجها صعب المراس في رمضان، تقول: "زوجي يكون مستفزاً لأبعد الحدود خلال رمضان، وذلك جراء عدد الطلبات التي يلح عليها في نفس الوقت الذي يجدني فيه أتعبد أو أصلي، ولا يكتفي بذاك الحد، بل يكلفني بمهام في المنزل بعد الفطور أثناء شروعي لأداء صلاة التراويح، ما جعلني أقصر في صلاة النوافل، وأختصر عباداتي بدافع أن أجعل أجواء المنزل دون مشاحنات ومشاكل".

"أنا أهم من صلاتك"

تلجأ سارة عبد الخالق (32 عاماً)، وهي أم لثلاثة أبناء وتعمل سكرتيرة في مؤسسة تابعة للقطاع الخاص بغزة، إلى الله في شهر رمضان، هاربة من واقعها، تشكو همها إليه من زوجها، ولكن مؤخراً لم يترك لها زوجها هذا الملجأ.

تقول لرصيف22: "لم يكتف زوجي بنكده وغمه الذي يصبه فوق رأسي، والذي لا يخلو منه أسبوع طول العام، لذا بمجرد قدوم رمضان ألجأ للعبادة أكثر، هي الملجأ من حياتي المريرة التي أعيشها برفقة شخص مدخن، شره، وصاحب مزاجية حادة متقلبة".

"نشأت وسط عائلة تتمعن في جمال العبادات، والروحانيات، ولكني منذ خمسة أعوام أجد نفسي في حصار عندما يأتي هذا الشهر، أصبحت أتمنى عدم قدوم رمضان"

وتضيف: "أحرص على إتمام مهام المنزل كافة دون أي تقصير لكي أهرب من دائرة المشاكل المفتعلة، والتي لا مبرر لها لأجده يلاحقني في عبادتي، ويستفزني أكثر".

تحكي سارة أن زوجها كان من الملتزمين في العبادات والصلاة، ولا يقطع فرضاً، ولكن بعد زواجه بأشهر، تغيرت شخصيته، وعجزت عن إيجاد طريقة للتعامل معه، تقول: "وصل الأمر إلى أن جعلني أبتعد عنه وقت أداء العبادات، وأستغل عدم وجوده داخل المنزل في الصلاة".

كلما رآها زوجها تصلي قيام الليل، الطقس الرمضاني الذي تحبه، يقول لها: "أنا أهم من صلاتك"، مما جعلها تكره أداء الصلاة في حضوره، وتنازلت عن الكثير من النوافل، وقراءة القرآن، كما كانت تفعل سابقاً.

"بيت جهنم"

"لم أتوقع أن أقصّر بعبادتي بهذا الشكل، وأكون مقصرة بحق ربي ونفسي بعد زواجي من شخص كان يدعي حبي، وليظهر حقيقته بعد سجني معه بين أربعة جدران، أسميها بيت جهنم"، تحكي ميرا أبو لطيفة (42 عاماً) حكايتها مع زوجها وأبنائها الخمسة.

ترى ميرا أن حياتها وسط عائلتها، زوجها وأولادها، أشبه بالحرب النفسية، فعليها أن ترضي كل واحد منهم، والنتيجة هي الشعور بالإرهاب الجسدي المتواصل، لعملها ساعات طويلة بلا مساعدة.

زوجها وأبناؤها يحملون نفس الطباع المزاجية، إلى الدرجة باتت لا تحب المناسبات والأعياد، خاصة شهر رمضان، فهي تحب الصلاة، ونمط الحياة المتدين، وكل من حولها لا يؤدون الصلاة، ويصومون عن الطعام فقط، ومعظم أحاديثهم حول المائدة لا تروقها.

ذهبت ميرا لأداء صلاة العشاء، في وقت طلب منها زوجها تحضير القطايف، فقال لها: "يعني توي تذكرتي ربك"، بكت ميرا في سجودها، وحرصت بعد ذلك أن تصلي عندما لا يكون في البيت.

"نبي وشيطان"

تصف هديل مسلمي (31 عاماً)، وهي أم لابنين وتعمل ربة منزل، زوجها في شهر رمضان قائلة: "ما بين أصحابه نبي، وفي البيت شيطان".

تقول هديل لرصيف22، واصفة حالها مع رمضان: "كنت من اللواتي ينتظرن رمضان وطقوسه، وأعيش أجواءه برفقة أهلي قبل زواجي، وكنت أضع الزينة، وأصلي التراويح برفقة أخوتي، الذين كانوا يفضلون الصلاة في المنزل لكي نشاركهم كل ما نرغب به، ولكن اليوم بعد مرور ستة أعوام على زواجي، هجرت الصلاة نتيجة الضغوط النفسية التي أعيشها، وكان الدافع خلف ذلك هو الخوف الذي يسيطر على قلبي من بطش زوجي".

ولم تنس هديل ذاك اليوم الذي أجبرها زوجها على قطع صلاتها لكي ترد عليه في منتصف رمضان الماضي، وطلب منها أن تحضر المقبلات لأصدقائه الذين اعتادوا الجلوس معاً طوال الليل حتى ساعات الفجر، تقول: "طوال الوقت ألبي طلباته التي لا تنتهي، وذلك يجعلني أشكو همي وحزني لأمه التي رفضت أفعاله، ولكن لا مجيب".

مجتمع تقليدي

تعلق ختام أبو شوارب، أخصائية اجتماعية، بأن المجتمع الفلسطيني في غزة تقليدي، إذ رسخ الآباء مفاهيم خاطئة أكثرها شيوعاً أن السيدة تتحمل مسؤولية كافة المهام المنزلية، ومنذ زواجها تكون لبيت زوجها، في وقت غفل الجميع أن تلك السيدة تحتاج لمساحة خاصة لكي تمارس نشاطاتها ومتطلباتها الحياتية، من رعاية شخصية ونفسية وبدنية.

وتضيف لرصيف22: "كل ذلك يجعلنا أمام محطات صعبة للمرأة في غزة، أخطرها معاناة السيدة من الأمراض والأرق والتعب بسن مبكرة، وذلك نتيجة الحرمان والاضطهاد بكافة أشكاله داخل الاسرة".

كلما رآها زوجها تصلي قيام الليل، الطقس الرمضاني الذي تحبه، يقول لها: "أنا أهم من صلاتك"

وترى أبو شوارب أن الأمور تزداد تعقيداً خلال شهر رمضان، "الذي يعرف بمشاقه المضاعفة من صوم وأعمال إضافية، تتحمل السيدة متاعبها وحدها، ما يجعلها تغفل عن الكثير من المطالب الشخصية من أداء عبادة أو استغلال الشهر، وهذا يجعلها في دوامة حياتية لامتناهية".

وتشدد أبو شوارب على ضرورة قيام الحياة الزوجية على التشاركية وليس الطبقية، وأن يفهم الرجال أن المرأة لم تخلق لخدمتهم.

وتشدد سعاد أبو ضلفة، أخصائية اجتماعية ودعم نفسي، على أن مفاهيم التشاركية الحياتية تساعد على تحقيق الدعم النفسي للسيدات، "ولكن للأسف المفاهيم القائمة داخل المجتمع لدى أغلبية الرجال بأن السيدة عليها أن تتولى كافة المهام، من التسوق وأعمال البيت والتربية، جاعلين من جسدها منهكاً غير قادر على تلبية احتياجاتها الخاصة، وتحت وطأة التوتر والحصار النفسي الذي تشعر به، ا يفقدها القدرة على إسعاد نفسها".

وفي النهاية، بعد أن كانت ترى أولئك النساء أن التقرب إلى الله ملجأ لهن من إنهاك المجتمع لأجسادهن، وعدم تقدير كيانهن، بات كل ما يدور في أفكارهن هو "الهروب إلى النوم"، بحسب أبو ضلفة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard