"بائع الحلويات يتحسّس يدي"... جزائريات يحكين عن "الحشمة" في رمضان

الاثنين 26 أبريل 202106:13 م

جسد المرأة حتى و إن كان لها، فهي عندما تنزل إلى الشارع تتقاسمه مع مجتمع بأكمله، يعطي نفسه الحق في تحديد ما يظهر، و ما يخفى من جسدٍ أضحى لعنة و عبئاً على الكثيرات، بعد أن تقلّص هامش الحرية عندهن بفعل السلطة الذكورية، التي حدّت حتى من خيارتهن في انتقاء ملابسهن.

في رمضان يزيد الأمر تعقيداً مع خطاب ديني مزيّف، يخفي وراءه احتقاراً، و محاولة لسحق رغبة المرأة في أن تعيش الحياة كما يحلو لها، لا كما يريدها الآخرون.

تسترجع العديد منا ذكرياتها وأحاسيسها الخاصة بجسدها، وتراجع اختياراتها أكثر في هذا الشهر، هل شكلي مثير؟ أيجب أن أضع الحجاب؟ ما الذي يدفع الرجال إلى التعامل معنا نحن النساء بهذه الطريقة رغم روحانيات هذا الشهر الكريم؟

"قضيت مراهقتي وشبابي في إخفاء جسدي تحت ملابس بسيطة".

هذا ما فعلته هاجر، وهي تسكن في حي حسين داي بالجزائر العاصمة. ترجع بذكرياتها إلى الوراء قائلة لرصيف22: "لطالما كنت بسيطة المظهر، قبل ارتداء الحجاب أو بعده، لا أحب لفت الأنظار، ولا إظهار مفاتن جسمي، الذي، وإن بدا أنثوياً، ومثيراً حسب المقاييس الحديثة، هو عبء بالنسبة لي. قضيت مراهقتي وشبابي في إخفاء جسدي تحت ملابس بسيطة كي أتجنب المعاكسات والمضايقات في الشارع".

وكلما تجرأت هاجر على مواجهة المتحرشين تواجه بالعنف اللفظي والتهديد، يبدو وجهها شاحباً، فتضع الكحل والماسكرا، حتى لا تبدو منهكة أو مريضة، فيعلق أحدهم قائلاً: "نحن صائمون فلا تفطرينا بعينيك".

تعزّي هاجر نفسها بأن نسبة التحرش قلّت بعد ارتدائها الحجاب، لكنها لم تختف، وهو ما قد يكون مؤشراً على ارتفاع نسبة المحجبات في الجزائر أو ميل الفتيات إلى الاحتشام المفرط، تجنباً للمشاكل والمضايقات، التي يتعرضن لها، مثل ما حدث مع صوريا.

صوريا ومواقع البناء

صوريا، مغتربة شابة، تسكن في وسط العاصمة الجزائر، عادت من كندا إلى الجزائر بعد أن أكملت دراستها، وهو ما مكّنها من الحصول على منصب هام في إحدى الشركات الخاصة، والإشراف على موقع أحد المشاريع الكبرى للشركة في ضواحي العاصمة. تقول: "لم يكن الأمر سهلاً بالنسبة لي، باعتباري امرأة في مقتبل العمر، فزملائي لم يتقبلوا الأمر بسهولة. طبعاً، لم أهتم، وقلت إن ردة فعلهم تدخل في إطار المنافسة المهنية، لكن الأكثر صعوبة وإرهاقاً من الناحية النفسية، كان التعامل مع العمال في الموقع".

صوريا مهندسة، تعمل في مواقع بناء، وتأمر العمال بمهام العمل، ولكن في رمضان تزداد معاملتهم لها سوءاً. تأفف أحدهم، ونظر لها باحتقار، قائلاً: "أنا صائم"

يتعامل العمال مع صوريا بفظاظة مما يضطرها إلى تهدئة الأمور، ومسايرتهم كي تتجنب المشاكل، والاصطدام معهم. تقول: "يبدو عليهم التديّن والالتزام من حيث المظهر، وجوههم عابسة، ويرمقونني بنظرات غريبة لأنني لست محجبة".

في رمضان، زاد الأمر سوءاً إذ في إحدى المرات طلبت من أحد العمال أن يقوم بأمر ما، فتأفف بطريقة مستفزّة، ثم قال بنبرة فيها الكثير من الاتهام: "أنا صائم"، تقول صوريا: "نظر إلي من أسفل إلى أعلى، كدلالة على احتقاره لي، ولمنظري الشيطاني الذي يفسد عليه صيامه".

لم تجد صوريا وسيلة لحماية نفسها سوى شراء سترات طويلة ترتديها كلما ذهبت للموقع، حتى لو كان الجو حاراً، فتلك السترات دائماً في سيارتها، حتى لو لم تعبّر عن شخصيتها ولا عن ذوقها إلا أنها على الأقل تحميها، وتزيل عنها الكثير من الضغط النفسي، الذي تعانيه بسبب اضطهاد العمال لها باسم الدين.

زهرة وابنتها

لكن زهرة، وهي أم في الثلاثين من عمرها، لا تعتقد أن احترام الذكور لها ولبناتها يمكن أن يجلبه لباس المرأة أو مظهرها المحتشم. ترى أن هناك "عقدة رجالية بامتياز"، وإلا فلماذا تتعرض ابنتها الصغيرة للمضايقات دون رادع، وفي شهر رمضان؟

تحكي زهرة لرصيف22: "خلال الأسبوع الأول من رمضان تعرضت ابنتي البالغة من العمر 12 سنة وشهرين للمضايقة من قبل شابين مراهقين، كما يحدث معي أنا، إنهم يستمتعون برؤية الأنثى مكسورة، يريدونها أن تنظر إلى الأرض في صمت".

وتضيف: "خرجت أنا وابنتي وابني الصغير في جولة، ثم جلست على أحد المقاعد، وتركت ابني الصغير يلعب مع أخته الكبيرة، بدأتْ ابنتي لتوّها تشعر بأنوثتها، فهي الآن تحب أن تعتني بمظهرها، وشعرها على وجه الخصوص، وهو أمر طبيعي بالنسبة لفتاة تدخل سن المراهقة، كنت أستمتع بالنظر إليها، وهي تقضي وقتاً جميلاً مع أخيها الصغير، حتى مرّ مراهقان لا يكبرانها إلا بسنتين أو ثلاث على أبعد تقدير، فنظرا إليها وتعمّدا إزعاجها، قائلين: "اللهم إني صائم" ثم التفتا إليها ثانية، وقبل أن يقولا أو يفعلا شيئاً آخر، تدخّلت، فذهبا مسرعين، واعتذرا مني".

تشير زهرة إلى وجود تواطؤ بين الذكور، واتفاق مضمر على أن أي أنثى بلا رجل تتم مضايقتها وإزعاجها، حتى لا تخرج إلا برفقة الإخوة أو الزوج.

زهرة وزوجها

بعض الذكريات التي تحملها زهرة مضحكة، مثلما حدث ذات مرة مع زوجها، بعد أن أوصلها إلى السوق، وطلب منها أن تتصل به فور أن تنتهي من جولتها. نسيت زهرة خاتم زواجها، فطلبت من زوجها إعارتها خاتمه حتى يحميها من المضايقات والتحرش، فقال لها زوجها: "المرأة المحترمة لا يقترب منها أحد".

تراهنا على أن تسير كأنها وحدها، ويسير زوجها خلفها، تحدته بأنها ستلقى الكثير من المضايقات، تقول: "كنت أسير وهو يسير خلفي داخل السوق، لم يمض الكثير من الوقت حتى قال أحدهم 'الزين مخطوب ولا يستنى في المكتوب؟'. ضحكت لأنني ربحت رهاني مع زوجي، لم يتركني الرجل في سلام حتى سمعت صوت زوجي الذي دخل معه في مشادات كلامية كادت تنتهي بما لا يحمد عقباه".

تضطر زهرة لارتداء خاتم الزواج، وصوريا للاحتشام المفرط، و هاجر لإخفاء جسدها قدر المستطاع ، ولكن ماذا لو لم يفعلن ذلك؟ ماذا لو سرن غير محجبات، فلا يوجد مانع قانوني لعدم ارتداء الحجاب؟ وهذا ما فعلته نعيمة.
على عكس الكثيرات، لم ترتد نعيمة الحجاب حتى في رمضان، خرجت لتشتري حلويات، صاح بها شاب "مؤخرتك جميلة"، وتحسس البائع يدها بجرأة وهو يعطيها نقودها

نعيمة شابة عشرينية غير محجبة تعرّضت لتحرش صريح في رمضان دون أي غطاء ديني. تقول: "تعرضت للتحرّش اللفظي والجسدي في رمضان".

"مؤخرتك جميلة"، قال لها أحدهم وهو في سيارته، بلغة فرنسية وبصوت عالٍ دون أي حرج، وعندما دخلت إلى محل للحلويات، تقول لرصيف22: "استغل البائع فرصة إعطائي النقود كي يتحسس يدي".

وتختم نعيمة: "لا أعرف من أين يأتون بكل تلك الجرأة كي يقوموا بأفعالهم الشنيعة، ويكسروا حرمة شهر رمضان الذي أعتبره شهر زهد وروحانيات".

وتكمل: "لا أدري ما هو الحل، لكن على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها من خلال سن القوانين وتطبيقها، وأن يأخذ رجال الشرطة شكاوى النساء على محمل الجد، ويعملوا على مساعدتهن بدلاً من الاستخفاف بمشاعرهن، وتحميلهن أحياناً مسؤولية ما يحدث".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard