فن أم وجبات سريعة؟... نظرة لحال الدراما اليمنية هذا الموسم

الاثنين 26 أبريل 202112:59 م

تعود بدايات الدراما اليمنية إلى سبعينيات القرن الفائت، ومن أوائل المسلسلات التي عُرضت على شاشة قناة اليمن بعد افتتاح التلفزيون اليمني "الوجه المستعار" عام 1976، وكتب قصته الكاتب والممثل يحيى السنحاني، وأخرجه علي المبنن.

توالت بعده الأعمال الدرامية، وصولاً للمسلسل الكوميدي "حكاية دحباش" الذي عرض من عام 1991 وحتى 1993، وهو بطولة آدم سيف، ورأى نقاد عديدون بأنه حقّق نقلة نوعية في تاريخ الدراما والكوميديا اليمنية، فقد عكست شخصية دحباش صورة يومية للمواطن اليمني شمال البلاد، وشبهه البعض بـ"غوار الطوشة" السوري، وهي الشخصية التي اشتهر بأدائها دريد لحام، وعالج المسلسل قضايا اجتماعية ضمن قالب كوميدي، لكن إنتاجه توقف بسبب الأحداث السياسية في البلاد.

بعد ذلك، أثّرت التقلبات السياسية بشكل أو بآخر على محدودية إنتاج المسلسلات الدرامية، فبات اليمنيون لا يعرفونها سوى في المناسبات التي تحددها الدولة. اليوم اختلف الأمر كثيراً، فتعدّد القنوات داخل اليمن وخارجها ساهم بظهور أعمال متنوعة درامية وكوميدية.

شهد شهر رمضان الحالي إنتاج ما يزيد عن 15 مسلسل يمني.

وشهد شهر رمضان الحالي إنتاج ما يزيد عن 15 عملاً فنياً توزع بين القنوات اليمنية الفضائية وقنوات يوتيوب، ومن إنتاج جهات مختلفة.

استوحى صناع "ليالي الجحملية" من إخراج فلاح الجبوري وإنتاج قناة "يمن شباب"، من البيئة الشعبية لسوق الجحملية الشهير في تعز، وتدور أحداثه بداية تسعينيات القرن الماضي، في صراعات على الأرض والعقارات الموروثة وكنز لم يكشف عنه. ويتميز سوق الجحملية بأنه صورة مصغرة للمجتمع اليمني، إلا أن غياب محلات شهيرة أضعف من ارتباط المسلسل باسمه، إذ غاب بائع حلوى "الطرمبا" وبائع حلوى "الشعوبية" و"الرواني" كذلك فرن "الكدم" الشهير.


ويحكي مسلسل "خلف الشمس" من إخراج وليد العلفي وإنتاج قناة "السعيدة"، قصص مواطنين قرروا ترك البلاد والنزوح إثر الحرب التي اشتعلت عام 2015، جمعهم القدر في سفينة واحدة وتعرضوا للاختطاف عبر قراصنة البحر فأجبروا على القتال والدفاع عن أنفسهم، ووصل بهم الحال إلى جزيرة غير مأهولة بالسكان.

وتدور أحداث مسلسل "مخلف صعيب" من إخراج فلاح الجبوري وإنتاج قناة "السعيدة"، حول عملية اختطاف فاشلة لحافلة نقل جماعي، فيما تحاول الأجهزة الأمنية الحفاظ على سلامة ركابها. أما مسلسل "كابتشينو"، المقدم ضمن قالب كوميدي، فتدور أحداثه في مقهى ويناقش كل يوم قضية جديدة، وهو إخراج فلاح الجبوري وإنتاج قناة "يمن شباب".


متابعة وانتقادات

على كثرة المسلسلات اليمنية هذا العام وتنوعها لم تسلم من انتقادات الجمهور اليمني على مواقع التواصل الاجتماعي، فالبعض رأى بأنها لا تمثل طبيعة الحياة والأماكن اليمنية بشكل حقيقي، وآخرون نظروا إليها على أنها لا تقدم أي شيء جديد، أو لا تلامس هموم اليمنيين، والبعض احتفى بها سعيداً بوجود إنتاجات يمنية جديدة.

وكي نعرف أكثر عن هذه الآراء أعددنا استبياناً إلكترونياً، استجاب له 60 شخصاً ثلثاهم من الذكور، وبلغت نسبة مشاهدي المسلسلات المحلية 84.3% منهم، وحاز مسلسل "ليالي الجحملية" على نسبة المشاهدة الأعلى، يليه "خلف الشمس"، ثم "كابتشينو"، "عيال قحطان" و"رحلة ذهاب".

لم تسلم مسلسلات هذا الموسم من انتقادات الجمهور اليمني على مواقع التواصل الاجتماعي، فالبعض رأى بأنها لا تمثل طبيعة الحياة والأماكن اليمنية بشكل حقيقي، وآخرون نظروا إليها على أنها لا تقدم أي شيء جديد، أو لا تلامس هموم اليمنيين، والبعض احتفى بها سعيداً بوجود إنتاجات يمنية جديدة

كثرت الانتقادات من جمهور منصات التواصل الاجتماعي لتلك المسلسلات، فأوردنا سؤالاً عن توقف مشاهدتهم لها، وبلغت نسبة الذين أجابوا بنعم 46.7%، فيما تفاوتت الأسباب، بين كونها تقليدية لا تقدم أي جديد، تفتقد للحبكة الدرامية، أو تعتمد على أساليب السخرية غير المرغوب فيها، سطحية المعالجات وغياب الكاتب المختص.

ورأى ثلث المستجيبين بأن المسلسلات اليمنية لهذا العام سيئة، فيما رأى ثلثهم بأنها جيدة، والآخرون تفاوتت آراؤهم بين كونها مقبولة أو ضعيفة. وتحددت جوانب الضعف بحسب آرائهم في غياب القصة وضعف السيناريو، إذ حصلت على أعلى نسبة، تلاها ضعف أداء الممثلين وثالثاً حلّ غياب الرؤية الإخراجية، فيما اعتقد ربعهم بأن تلك المسلسلات ابتعدت عن قضايا اليمنيين، وربع آخر رأى قصوراً في الإكسسوارات وتقنيات ومواقع التصوير.

إضافة لذلك، ظهر استياء واضح من مشاهد السخرية والاستهزاء بذوي البشرة السمراء وبالأخص الصوماليين، الذين عمدت بعض تلك المسلسلات على إظهارهم عبر صبغ وجوه الممثلين بالفحم الاسود، وتقديم محتوى يظهرهم بشكل مغاير لواقعهم وحقيقتهم، الأمر الذي استدعى متابعين وصفحات للمطالبة بوقف عرض هذه المسلسلات التي وصفت بأنها "عنصرية".


موسمية الدراما اليمنية

يرى الناقد الفني الدكتور قائد غيلان، بأن الفن اليمني لا يتضمن كافة المكونات الثقافية في المجتمع، وعزّز ذلك حصره منذ السبعينيات في المناسبات التي تحددها السلطة، فلا تستدعي الدولة المغنّي إلا في المناسبات الوطنية، ولا تنجز المسرحيات إلا من أجل عيد الثورة، ولا تنتج المسلسلات إلا لرمضان، والأغاني هي فقط لموسم الزراعة وحملة تطعيم الأطفال، فأصبح دور الفن لا يتعدّى تسلية الناس وتجميل وجه الأنظمة الحاكمة، واقترن بالوظيفة الإرشادية، وهي وظيفة تجرّده من أهم شروطه، أي الإبداع والتجديد.

"الاهتمام بالفنون ظل لفترة طويلة ولا يزال خارج نطاق اهتمام الدولة، واقتصر الأمر على مسلسل أو اثنين من رمضان إلى رمضان"، يوضّح الصحفي الساخر فكري قاسم، في حديثه لرصيف22: "حالياً هناك قنوات فضائية خاصة هدفها الربحي أكبر من وعيها الفني، ما يجعلنا نشاهد مسلسلات باهظة الكلفة، كثيرة الأرباح، صفرية المضمون في الغالب".

وترى الدكتورة بلقيس علوان، أستاذة الإذاعة والتلفزيون المساعد بكلية الإعلام جامعة صنعاء، بأن عامل التمويل والرعاية للإنتاج الدرامي وكذا ارتفاع نسبة مشاهدة الجمهور اليمني للدراما في رمضان ساهما في خلق دراما يمنية موسمية واقتصارها على ذلك.


أزمة نصوص وتقليد للشخصيات

يبيّن قائد غيلان في حديثه لرصيف22 بأن جمال العمل الفني هو ما يبحث عنه الجمهور: "ينتظر الناس العمل الجميل الذي يبهرهم بتقنياته ووسائله الجمالية، والمشاهد اليمني متعطّش للعمل الجميل، لهذا يبحث عنه في الأفلام والمسلسلات الأجنبية".

تطور الدراما اليمنية مرتبط بجدية بأن يصبح الفن ضرورة لا ترفاً، وليس مجرد واجهة مرتبطة بالمناسبات.

ويضيف: "جميع المسلسلات اليمنية هذا العام، وبطريقة غير واعية، تعيد إنتاج شخصيات من أعمال عربية مختلفة، بمعنى أن التقليد وإعادة الإنتاج يغلب على الحلقات التي شاهدناها حتى الآن. فالأعمال التي تعد في آخر شعبان، وبعضها في رمضان نفسه، هي أقرب إلى الوجبات السريعة منها إلى الفن".

وتوضح بلقيس علوان بأن تجربة الدراما اليمنية ليست حديثة، وفي بداياتها قدمت أعمالاً وظفت لها إمكانيات كبيرة، ومنها ما كان إنتاجاً عربياً مشتركاً، لكنها تراجعت بعد ذلك بشكل لافت، وتضيف في حديثها لرصيف22: "لا ننسى بأن الدراما هي سيناريو وتمويل وإمكانيات فنية وبشرية وممثلين. ما زالت لدينا أزمة نص حقيقية، وحتى الأسماء التي قدمت نصوصاً جيدة في فترات توارت أو تراجع مستوى ما تقدمه".

وبما يتعلق بالناحية الفنية تقول: "ظهر تطور واضح في الإمكانيات المستخدمة على مستوى التصوير والجوانب الفنية الأخرى، وأتاح تزايد أعداد الممثلين خيارات أكثر من ذي قبل، لكن مع انعدام التخصص والتدريب والتأهيل يظل كل ممثل يؤدي كما يعتقد أنه يبلي حسناً، وهذا غير صحيح، فما زال كثير من ممثلينا يتصرفون بشخصياتهم نفسها في كل الأدوار، كما يغلب على أداء كثير منهم الانفعال والافتعال والتصنع، وما زال بعض الكتاب والمخرجين يساهمون بشكل سلبي في رسم شخصيات مكررة وسمجة".


حلول ودعوات للنقد

رغم هذه المشاكل والعثرات، ترى الأكاديمية بلقيس علوان في كم الإنتاج الدرامي اليمني هذا العام نقطة إيجابية: "لا بد من تقييم الوضع والنظر إلى كمّ الإنتاج هذا بصورة جدية وعلمية، فزيادة أعداد المسلسلات وكثافة الإنتاج تعني المنافسة، فرص العمل وجرأة من الممولين بعد تحفّظ واضح في الأعوام السابقة. من الملاحظ في بعض المسلسلات اللجوء لترشيد للموازنة من حيث تقليص مواقع التصوير، وهناك ظاهرة جديدة تمثلت في تصدر أسماء للكتابة لم تكن ضمن الكتاب المعروفين".

هذه الدعوة تصبّ فيما يقوله الصحفي فكري قاسم، إذ يحيل انتشار الانتقادات اللاذعة للدراما اليمنية على مواقع التواصل الاجتماعي إلى غياب النقاد المتخصصين عن الساحة الفنية، فيما ترى علوان في انتقاد الجمهور أمراً إيجابياً: "هو جرس إنذار لمن يتصدر الإنتاج وللكاتب والممثل، بأن الجمهور لم يعد ذلك المتلقي السلبي، بل هو متفاعل وله قنواته للتعبير، لكني لست مع النقد الحاد والعدائي الذي ظهر في سيل من المنشورات القاسية هي أقرب للتنفيس منها للنقد. توقيت النقد بعد انتهاء العرض وما نقرأه الآن مجرد انطباعات أولية".

جميع المسلسلات اليمنية هذا العام، وبطريقة غير واعية، تعيد إنتاج شخصيات من أعمال عربية مختلفة، بمعنى أن التقليد وإعادة الإنتاج يغلب على الحلقات التي شاهدناها حتى الآن. فالأعمال التي تعد في آخر شعبان، وبعضها في رمضان نفسه، هي أقرب إلى الوجبات السريعة منها إلى الفن

ويرى قائد غيلان بأن تطور الدراما اليمنية مرتبط بجدية بأن يصبح الفن ضرورة لا ترفاً، وليس مجرد واجهة مرتبطة بالمناسبات، فتوكل مهمة الفن لذوي الاختصاص والمبدعين الحقيقيين، لا الهواة والمهرجين القادمين من قنوات يوتيوب.

فيما يُرجع فكري قاسم تطور الدراما اليمنية إلى ضرورة استقدام خبراء متخصصين لتطوير العمل الفني، فالعاملون في هذا المجال يحتاجون إلى دورات متخصصة في فنون كتابة السيناريو والنص التلفزيوني، كون الإخراج تطوّر إلى حد ما، كذلك مهارات الممثلين، لكن كتاب النصوص ما زالوا حلقة مفقودة.

تتفق معه علوان بالرأي وتقول: "لو عقدت ورشات كتابة للأعمال لحققت مخرجاً أفضل، فالسيناريو له أسس ومبادئ علمية، وليس هواية ومزاج كاتب. كذلك يقف التمويل حجر عثرة أمام الإنتاج ولا يوجد من يمكن أن يموّل بسخاء للقيمة الفنية والمنافسة بقدر ما يكون الإعلان هو الدافع وراء ذلك". وتقترح الاستفادة من مستجدات التسويق وإمكانيات مواقع التواصل واستحداث تطبيقات يمكن أن يكون لها دور في النشر والتسويق. "لكن من غير جودة في المنتج لن نتوقع الكثير"، تختم حديثها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard